العلم من أصحاب رسول الله -ﷺ-، كما قال العلّامة ابن القيم ﵀:
ولهم نصوص قصروا في فهمها فأتوا من التّقصير في العرفان
وقد ناظر ابن عبّاس -﵄- أهل النّهروان فرجع بعضهم إلى الحقّ، واستمرّ بعضهم على الباطل حتّى قتلهم عليّ -﵁- بالنّهروان. ففيهم المخدج الذي أخبر به النَّبِيّ -ﷺ-، فإذا كانت هذه الطّائفة قد خرجت في عهد الخلفاء الرّاشدين فلا بدّ أن يكون لهم أشباه في هذه الأمّة فاحذروهم.
وتأمّل قوله تعالى في حقّ سادات الأمّة أصحاب رسول الله -ﷺ-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، [الحجرات، الآيتان: ٧ - ٨].
فليس العجب مِمَّن هلك كيف هلك، إنّما العجب مِمَّن نجا كيف نجا.
والله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ سيّد المرسلين، وإمام المتّقين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وسلّم تسليمًا كثيرًا.
- ٨ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الإخوان عليّ بن حمد الجريوي وإخوانه، رزقنا الله وإيّاهم قبول الإسلام، وهدانا وإيّاهم سبل السّلام.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلكم الله إلى ما يرضيه، وتذكرون أمر الهتيمي الذي معه الحيّات، ويبيع سقوة على النّاس البدو والحضر يسقيهم من ريقه ويأخذ عليهم العهد ويدّعي أنّ مَن سقاه من ريقه أنّ الحيّة ما تلدغه ولا
[ ١ / ٣٤٧ ]
أنكر عليه في سدير إلّا عبد العزيز بن عبد الجبّار -جزاه الله خيرًا-.
وتذكرون أنّ عثمان بن منصور تابعه وقبل منه سقوته هذا تحقّقناه منكم ومن سبيع الذين جاءونا من جهتكم ويذكرون أنّهم توقفوا عنه في مبدأ أمره، وأهل القرى كذلك حتّى واجه ابن منصور. وقبل منه وخط معه خطًا وبعد هذا تزاحم عليه البدوي والحضر، منهم الذي سقوته بدارهم، والذي بتمر، والذي بعيش، والذي بغنمٍ، والذي بسمنٍ، والذي حصل منهم باعه في تمير، وبعد هذا طب المجمعة ١ وطردوه، وخطّ عبد العزيز بن عبد الجبّار أشرفنا عليه وذكر كلام العلماء وإنكارهم على مَن فعل هذا، وأخذ الحيَّات، وأنّ هذه أحوال شيطانية تحصل بواسطة الشّياطين ٢ إذا تقربت إليهم بالشّرك بالله، وهذا ما يوجد إلّا في أجهل النّاس وأبعدهم عن الله وعن دينه وعبد العزيز -جزاه الله خيرًا- أدّى الذي عليه.
وأمّا ابن منصور، فالله أعلم أنّه معاقب فلا ندري هذا كلّه جهل أو له مقصد شرّ، وإلّا فالذي على فطرة أو لَه عقل ينكر هذا بفطرته وعقله. وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في كتاب الفرقان من الأحوال الشّيطانية أمورًا من هذه تركنا ذكرها لئلا يطول الجواب.
فهذا من
_________________
(١) ١ طبّ البلد، بمعنى: جاءه ونزله. لغة نجدية أو بدوية. ٢ الذي عرفناه من الثّقات بما ثبت عندهم من التّجارب العديدة مع هؤلاء المشعوذّين الذين ينتسبون إلى الشّيخ أحمد الرّفاعي، ويعطون العهد باسمه على أخذ الحيات والثّعابين ويزعمون أنّها لا تلدغ مَن أخذ العهد، وشرب الماء الذي يرقيه الشّيخ، أو لا يضرّه سمّها إذا لدغته، أنّ عملهم حيلة إنسية لا جنّيّة، وهو أنّ أحدهم يأخذ بعض الحيّات غير السّامة ويقلع أسنانها، ويجعله في جرابه يخوف النّاس منها، ومن سقاه العهد أعطاه واحدة منها أو أكثر فيلاعبها وربما عضته بفيها وليس لها أسنان تلدغ بها. وللّدغ ناب خاص في أفواه الثّعابين السّامة يفرز السّمّ.
[ ١ / ٣٤٨ ]
جنس أحوال الكهان مع الشّياطين، والكهانة أنواع، هذا منها.
وفي الحديث: "مَن أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّدٍ -ﷺ-".
وأمور الكهانة وما شابهها من الاستمتاع بالشّياطين والاستكثار منهم محاها الله سبحانه بما أطلع في نجد من الدّعوة إلى توحيد الله، وامتدت إلى كثير من الجزائر، كما محا الله أحوال الكهان ببعثة رسول الله -ﷺ-، فسدّ -ﷺ- أبواب الشّرك وأحوال الجاهلية وحمَى الإسلام. فَمِن ذل ما ثبت في حديث ابن مسعود -﵁- مرفوعًا: "إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك"، فلم يبح من الرّقى إلّا ما خصّه الدّليل من الآيات القرآنية، والأذكار النّبويّة، والدّعوات المعروفة بالألفاظ العربية.
وأمّا ما كان بأسماء الشّياطين أو بما لا يعرف معناه فينهى عنه، لهذا الحديث. وحكمه التّحريم.
فإذا كان هذا حال الرّقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه، فكيف بما هو ظاهر أنّه من أعمال الشّياطين مع مَنْ تولّاهم؟ مثل هذا الهتيمي وأمثاله مِمَّن شاهدناهم بمصر لا شكّ أنّه من أعمال الشّيطان. ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبودهم الذي يعبدونه من دون الله، وأكثر هذه الطّرائق محشوة بالشّرك والبدع.
وقوله في الحديث: "والتّولة شرك"، ذكر العلماء أنّها تشبه السّحر، وما يشبه السّحر فهو شرك. وكذلك التّمائم شرك للتّعلّق بها والاعتماد عليها من دون الله. وفي بعضها أسماء الشّياطين وما لا يعرف معناه، فكلّ هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصّحيح، بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله من التّوكّل على غيره ونحوه ذلك. وقد وقع في نفوس كثيرٍ من الجهّال الذين أخذوا عن هذا الهتيمي كثير من تصديقه وقبول ما جاءهم به من هذه الضّلالة. وهذه فتنة وقانا الله
[ ١ / ٣٤٩ ]
شرّها. وبسط القول في ذلك، وذكر ما قاله العلماء له موضع آخر إن شاء الله تعالى.
وبلّغ سلامنا الإخوان وخواص الإخوان. والشّيخ عليّ، والشّيخ عبد اللّطيف ينهون السّلام وأنتم سالمين والسّلام.
- ٩ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
فائدة: قال الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن -رحمه الله تعالى-.