رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله قل أفلا تتقون) فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم.
وقال تعالى (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) فوصفه بأنه كريم أيضًا، وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب " لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم " فوصفه في الحديث بأنه عظيم وكريم أيضًا.
فيقول القائل المنازع: إن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، فلو كان العرش من جنس الأفلاك لكانت نسبته إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر كما لم يوجب ذلك تخصيص سماء دون سماء، وإن كانت العليا بالنسبة إلى السفلى كالفلك على قول هؤلاء.
وإنما امتاز عما دونه بكونه أكبر كما تمتاز السماء العليا على الدنيا بل نسبة السماء إلى الهواء ونسبة الهواء إلى الماء والأرض كنسبة فلك إلى فلك. ومع هذا فلا يخص واحد من هذه الأجناس عما يليه بالذكر ولا بوصفه بالكرم والمجد والعظمة، وقد علم أنه ليس سببًا لذاتها ولا لحركاتها، بل لها حركات تخصها فلا يجوز أن يقال إن حركته هي سبب الحوادث، بل إن كانت حركة الأفلاك سببًا للحوادث فحركات غيره التي تخصه أكثر ولا يلزم من كونه محيطًا بها أن يكون أعظم من مجموعها، إلا إذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الغليظ إذا كان متقاربًا مجموع الداخل أعظم من المحيط بل قد يكون بقدره أضعافًا، بل الحركات المختلفة التي ليست عن حركته أكثر لكن حركته تشملها كلها.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن جويرية بنت الحارث أن النبي ﷺ دخل----
[ ٤ / ١٠٩ ]
عليها وكانت تسبح بالحصى إلى الضحى فقال " لقد قلت كلمة تعدل كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى الله نفسه، سبحان الله مداد كلماته" (١) فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان، وهم يقولون إن الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل، بل يدل على أنه وحده أثقل ما يمثل به كما أن عدد المخلوقات أكثر ما يمثل به.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ وقد لطم وجهه فقال: يا محمد رجل من أصحابك لطم وجهي. فقال النبي ﷺ " ادعوه " فقال " لم لطمت وجهه؟ " فقال يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، فقالت يا خبيث وعلى محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته، فقال النبي ﷺ " لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته " فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق والأفلاك متشابهة في هذا الباب.
وقد أخرجا في الصحيحين عن جابر قال سمعت النبي ﷺ يقول " اهتز
_________________
(١) لهذا الحديث في مسلم وكذا في السنن لفظان عن جويرية (رض) أحدهما أن النبي (ص) خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال"مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت نعم. قال النبي (ص) لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله بحمد، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته " واللفظ الآخر أنه قال " سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته " وليس في الرواية أنها كانت تسبح بالحصى ولعله قد ثبت عنها في رواية أخرى كما ثبت عن صفية (رض) والحديث ذكره أبو داود في باب التسبيح بالحصى ولكنه ذكر التسبيح بالحصى عن غيرها
[ ٤ / ١١٠ ]
عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ " قال فقال رجل لجابر أن البراء يقول اهتز السرير قال: إنه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن. سمعت نبي الله ﷺ يقول " اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ " ورواه مسلم في صحيحه من حديث أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال - وجنازة سعد موضوعة - " اهتز لها عرش الرحمن " وعندهم أن حركة الفلك التاسع دائمة متشابهة ومن تأول ذلك على أن المراد به استبشار حملة العرش وفرحهم فلا بد له من دليل على ما قال كما ذكر أبو الحسين الطبري وغيره أن سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها " قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ قال " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ".
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال " يا أبا سعيد، من رضي بالله وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وجبت له الجنة " فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل قال " وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " قال وما هي يا رسول الله قال " الجهاد في سبيل الله " وفي صحيح البخاري أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر - أصابه سهم غرب (١)، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. قال " يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ".
_________________
(١) بفتح الراء وسكونها، أي لا يعرف راميه
[ ٤ / ١١١ ]