أن يقال: العرش سواء كان هذا الفلك التاسع، أو جسمًا محيطًا بالفلك التاسع، أو كان فوقه من جهة وجه الأرض محيطًا به، أو قيل فيه غير ذلك، فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر كما قال تعالى (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال " يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ " وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن عمر: قال قال رسول الله ﷺ " يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ " وفي لفظ في الصحيح عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي ﷺ قال " يأخذ الله سماوته وأرضه بيده ويقول: أنا الملك، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك " حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني أقول أساقط هو برسول الله ﷺ وفي لفظ قال " رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول يأخذ الجبار سماواته وأرضه - وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها - ويقول أنا الرحمن، أنا الملك، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئًا، أنا الذي أعدنها أين الملوك؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " ويتميل رسول الله ﷺ على يمينه وعلى شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني لأقول أساقط
[ ٤ / ١١٦ ]
هو برسول الله ﷺ؟ والحديث مروي في الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضًا، وفي بعض ألفاظه قال: قرأ على المنبر (والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة) الآية، قال " مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة " وفي لفظ " يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده فيجعلها في كفه ثم يقول بها هكذا كما يقول الصبان بالكرة، أنا الله الواحد " وقال ابن عباس " يقبض عليهما فما يرى طرفاهما بيده " وفي لفظ عنه " ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم " وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ رجل يهودي، فقال: يا محمد إن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الملك، قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر (١) ثم قال (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة) إلى آخر الآية.
ففي هذه الآية والأحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمة الله تعالى أصغر من أن يكون مع قبضه لها إلا كالشيء الصغير في يد أحدنا حتى يدحوها كما تدحى الكرة. (٢)
_________________
(١) قوله تصديقا لقول الحبر قال بعض شراح الصحيحين أن هذه زيادة من الراوي قالها بحسب فهمه، وهي ليست في كل الروايات وانكروا أن يكون (ص) صدق اليهودي بل قالوا أنه أراد الانكار عليه وتلا الآية الدالة على ذلك. وخالفهم آخرون فراجع الأقوال في شرح الحديث من كتاب التوحيد في فتح الباري
(٢) دحا الكرة يدحوها دحرجها
[ ٤ / ١١٧ ]
قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون الإمام - نظير مالك - في كلامه المشهور الذي رد فيه على الجهمية ومن خلفها (١) قال: فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي، فجحد ما سمى البر من نفسه فصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يمثل له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة) فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحدوا الله أفضل كرامته التي أكرم الله أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونظرته له إياهم (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) وقد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون - إلى أن قال - وإنما جحدوا رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة، لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدًا.
وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ فقال رسول الله ﷺ " هل تضارن (٢) في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا لا، قال " فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا له، قال " فإنكم ترون ربكم كذلك " وقال رسول الله ﷺ " لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض ".
_________________
(١) أي من جاء بعد الجهمية ممن يقول قولهم
(٢) يروي بتشديد الراء وتخفيفها. فالتشديد بمعنى لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره. وقال الجوهري: أراد بالمضارة الاجتماع والازدحام عند النظر إليه وأما التخفيف فهو من الضير وهو لغة في الضر
[ ٤ / ١١٨ ]
وقال لثابت بن قيس " قد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة " وقال فيما بلغنا عنه " إن الله يضحك من أز لكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم " (١) وقال له رجل من العرب: إن ربنا يضحك؟ قال " نعم " قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا. وفي أشباه لهذا مما لم نحصه. وقال تعالى (وهو السميع البصير، واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وقال (ولتصنع على عيني) وقال (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) وقال (والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) فو الله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه وما تحيط به قبضته الأصغر نظيرها منهم عندهم أن ذلك الذي ألقي في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم. فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه علم ما سواه لا هذا ولا هذا، لا تجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف. انتهى.
وإذا كان كذلك فإذا قدر أن المخلوقات كالكرة فهذا قبضه لها ورميه بها.
وإنما بين لنا من عظمته وصغر المخلوقات بالنسبة إليه ما يعقل نظيره منا.
ثم الذي في القرآن والحديث يبين أنه إن شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما يفعل ذلك يوم القيامة، وإن شاء لم يفعل ذلك، فهو قادر على أن يقبضها ويدحوها كالكرة، وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى، وإن شاء لم يفعل ذلك، وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها.
ومن المعلوم أن الواحد من - ولله المثل الأعلى - إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل حولها تحته فهو في الحالتين مباين لها، وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها أو قيل
_________________
(١) قال في النهاية: هكذا يروي في بعض الطرق. والمعروف " من إلكم" والأول والازل بالفتح الشدة والضيق كأنه أراد من شدة يأسكم وقنوطكم
[ ٤ / ١١٩ ]