والفصل فيما اتفق عليه وما اختلف فيه أهل الملل والنحل والمذاهب منها باختلاف الدلائل العقلية والنقلية فيها من فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره
[ ٥ / ٣٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا كريم نص الاستفتاء المسؤول من علماء الإسلام، والسادة الأعلام، أحسن الله ثوابهم، وأكرم نزلهم ومآبهم: أن يرفعوا حجاب الإجمال، ويكشفوا قناع الأشكال، عن مقدمة جميع أرباب الملل والنحل متفقون عليها، ومستندون في آرائهم إليها، حاشى مكابرًا منهم معاندًا، وكافرًا بربوبية الله جاحدًا. وهي: أن يقال " هذه صفة كمال فيجب لله إثباتها، وهذه صفة نقص فيتعين انتفاؤها " لكنهم في تحقيق مناطها في أفراد الصفات متنازعون، وفي تعيين الصفات لأجل القسمين مختلفون. فأهل السنة يقولون: إثبات السمع والبصر والحياة والقدرة والعلم والكلام وغيرها من الصفات الخبرية، كالوجه واليدين والعينين والغضب والرضا - والصفات الفعلية كالضحك والنزول والاستواء - صفات كمال وأضدادها صفات نقصان. والفلاسفة تقول: اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالًا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصًا بذاته، وإن أوجب له نقصًا لم يجز اتصافه بها. والمعتزلة يقولون: لو قامت بذاته صفات وجودية لكان مفتقرًا إليها وهي مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقرًا إلى غيره، ولأنها أعراض لا تقوم إلا بجسم. والجسم مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص. ويقولون أيضًا: لو قدر على العباد أعمالهم وعاقبهم عليها كان ظالمًا وذلك نقص وخصومهم يقولون: لو كان في ملكه ما لا يريده لكان ناقصًا.
[ ٥ / ٣٨ ]
والكلابية ومن اتبعهم ينفون صفات أفعاله ويقولون: لو قامت به لكان محلًا للحوادث، والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله، وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. وطائفة منهم ينفون صفاته الخبرية لاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة والافتقار. وهكذا نفيهم أيضًا لمحبته لأنها مناسبة بين المحب والمحبوب، ومناسبة الرب للخلق نقص، وكذا رحمته لأن الرحمة رقة تكون في الراحم، وهي ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم، وهو نقص. وكذا غضبه، لأن الغضب غليان دم القلب طلبًا للانتقام، وكذا نفيهم لضحكه وتعجبه لأن الضحك خفة روح يكون لتجدد ما يسر واندفاع ما يضر. والتعجب استعظام للمتعجب منه. ومنكرو النبوات يقولون: ليس الخلق بمنزلة أن يرسل إليهم رسولًا، كما أن أطراف الناس ليسوا أهلًا أن يرسل السلطان إليهم رسولًا. والمشركون يقولون: عظم الرب يقتضي أن لا يتقرب إليه إلا بواسطة وحجاب، فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط غض من جنابه الرفيع. هذا وإن القائلين بهذه المقدمة لا يقولون بمقتضاها ولا يطردونها، فلو قيل لهم: أيما أكمل؟ ذات توصف بسائر أنواع الإدراكات: من الشم والذوق واللمس أم ذات لا توصف بها كلها؟ لقالوا الأولى أكمل، ولم يصفوا بها كلها الخالق. وبالجملة فالكمال والنقص من الأمور النسبية، والمعاني الإضافية، فقد تكون الصفة كمالًا لذات ونقصًا لأخرى، وهذا نحو الأكل والشرب والنكاح. كمال للمخلوق، نقص للخالق، وكذا التعاظم والتكبر والتفاعل النفسي كمال للخالق نقص للمخلوق، وإذا كان الأمر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال إنما يكون كمالًا بالنسبة إلى الشاهد، ولا يلزم أن يكون كمالًا للغائب كما بين، لا سيما مع تباين الذاتين.
[ ٥ / ٣٩ ]
وإن قلتم: نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها، هل هي كمال أو نقص؟ فلذلك نحيل الحكم عليها بأحدهما لأنها قد تكون كمالًا لذات نقصًا لأخرى على ما ذكر. وهذا من التعجب أن مقدمة وقع عليها الإجماع، هي منشأ الاختلاف والنزاع، فرضي الله عمن يبين لنا بيانًا يشفي العليل، ويجمع بين معرفة الحكم وإيضاح الدليل، أنه تعالى سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل. أجاب ﵁:
فتوى شيخ الإسلام
الحمد لله، الجواب عن هذا السؤال مبني على مقدمتين (إحداهما) أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك. ودلالة القرآن على الأمور نوعان (أحدهما) خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به (والثاني) دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية لدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها. وعقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل. ولا يقال أنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر. وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية.
[ ٥ / ٤٠ ]
وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى. فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى. وقد ثبت لفظ الكامل فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير (قل هو الله أحد، الله الصمد) أن الصمد المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في جميع الشرف والسؤدد، وهو الله ﷾. وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ ولا كمثله شيء. وهكذا سائر صفات الكمال ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأكمل من كل شيء. وقد بينا في غير هذا الموضع أن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها. وأما لفظ الكامل فقد نقل الأشعري عن الجبائي أنه كان يمنع أن يسمى الله كاملًا، ويقول: الكامل الذي له أبعاض مجتمعة. وهذا النزاع إن كان في المعنى فهو باطل، وإن كان في اللفظ فهو نزاع لفظي. والمقصود هنا أن ثبوت الكمال له ونفى النقائص عنه مما يعلم بالعقل. وزعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفى الآفات والنقائص عنه لم
[ ٥ / ٤١ ]
يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالأشعري والقاضي وأبي بكر وأبي إسحاق ومن قبلهم من السلف والأئمة في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية، ولهذا صار هؤلاء يعملون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع ويقولون إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحرى. والذي اعتمدوا عليه في النفي من نفى مسمى التحيز ونحوه - مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين - هو متناقض في العقل لا يستقيم في العقل، فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته، كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حي عليم قدير، وقالوا أنه لا يوصف بالحياة والعلم والقدر
والصفات لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم ولا يعقل موصوف إلا جسم. فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير ولا يوصف شيء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات. فإن جاز أن يقال ما يسمى بهذه الأسماء ليس بجسم، جاز أن يقال فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضًا، وإن قيل لفظ الجسم مجمل أو مشترك وأن المسمى
[ ٥ / ٤٢ ]
بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره ولا أن يثبت له خصائص غيره جاز أن يقال الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره ولا أن يثبت له خصائص غيره، وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع أو بالعقل مع الشرع، كالرضى والغضب والحب والفرح ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل إلى لجسم. قيل لهم هذه بمنزلة الإرادة والسمع والبصر والكلام، فما لزم في أحدهما لزم في الآخر مثله. وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم إذا قالوا ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسمًا أو مركبًا، قيل لهم هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك، فإن قالوا هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم أن كان هذا ممتنعًا بطل الفرق، وإن كان ممكنًا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع. فات لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم ولا يعقل موصوف إلا جسم. فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير ولا يوصف شيء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات. فإن جاز أن يقال ما يسمى بهذه الأسماء ليس بجسم، جاز أن يقال فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضًا، وإن قيل لفظ الجسم مجمل أو مشترك وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره ولا أن يثبت له خصائص غيره جاز أن يقال الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره ولا أن يثبت له خصائص غيره، وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع أو بالعقل مع الشرع، كالرضى والغضب والحب والفرح ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل إلى لجسم. قيل لهم هذه بمنزلة الإرادة والسمع والبصر والكلام، فما لزم في أحدهما لزم في الآخر مثله. وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم إذا قالوا ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسمًا أو مركبًا، قيل لهم هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك، فإن قالوا هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم أن كان هذا ممتنعًا بطل الفرق، وإن كان ممكنًا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع.