وقد بين لله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره وأن غيره لا يساويه في الكمال في مثل قوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون) وقد بين أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق، وأن من عدل هذا بهذا فقد ظلم. وقال تعالى (ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء، ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا - هل يستوون؟ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) فبين أن كونه مملوكًا عاجزًا صفة نقص، وإن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله، وذاك لما يعبد من دونه.
[ ٥ / ٤٦ ]
وقال تعالى (وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟) وهذا مثل آخر فالأول مثل العاجز عن الكلام، وعن الفعل الذي لا يقدر على شيء، والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، فهو عادل في أمره، مستقيم في فعله، فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم، فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا. فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه الحمد، فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام والفعل.
وقال تعالى (ضرب لكم مثلًا من أنفسكم هل لكم مما ملكن أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) يقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟ وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد، وهذا كقوله (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون، للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم، ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ويجعلون لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون) حيث كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصًا وعيبًا، والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم، فإن له المثل الأعلى. فكل كما ثبت للمخلوق فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق
[ ٥ / ٤٧ ]
من نقص وعيب فالخالق أولى بتنزيهه عنه. وقال تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم، وقال تعالى (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور) فبين أن البصير أكمل والنور أكمل والظل أكمل، وحينئذ فالمتصف به أولى، ولله المثل الأعلى. وقال تعالى (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلًا جسدًا له خوار، ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟ اتخذوه وكانوا ظالمين) فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي، والرب أحق بالكمال. وقال تعالى (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل الله يهدي للحق. أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي؟ فما لم كيف تحكمون) فبين سبحانه بما هو مستقر في الفطر أن الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهدي إلا أن يهديه غيره، فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو الكامل دون الذي لا يهدي إلا بغيره. وإذا كان لا بد من وجوب الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل، وقال تعالى في الآية الأخرى (أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولًا ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا) فدل على أن الذي يرجع إليه القول ويملك الضر والنفع أكمل منه.
وقال إبراهيم لأبيه (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا) فدل على أن السميع البصير الغني أكمل، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك، ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال كعدم التكلم والفعل وعدم الحياة ونحو ذلك مما يبين أن التصف بذلك منتقص معين كسائر الجمادات، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب. وأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في
[ ٥ / ٤٨ ]
العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات، فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف (١) فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى وعاب عباديها. ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا وعبادة لغير الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئًا. والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهو إثبات صفات الكمال ردًا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو ردًا على المشركين، والشرك في العالم أكثر من التعطيل، ولا يلزم من إثبات التوحيد المنافي للإشراك إبطال قول أهل التعطيل، ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ببيان آخر. والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة كالرد على فرعون وأمثاله، ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر، لأن القرآن شفاء لما في الصدور، ومرض الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل، وأيضًا فإن الله سبحانه أخبر أن له الحمد وأنه حميد مجيد وأن له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم ونحو ذلك من أنواع المحامد. والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كمال، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك ما هو متصف بصفات الكمال، وهي أمور وجودية فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها ولا خير ولا كمال. ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ما له من صفات الكمال، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد فثبت أن المستحق (٢) للمحامد الكاملة وهو أحق من كل محمود والحمد والكمال من كامل وهو المطلوب.
_________________
(١) أي بصفات الكمال المذكورة كمعطلة الصفات من الجهمية والمعتزلة دع الباطنية الملاحدة
(٢) قوله فثبت أن المستحق إلخ هو كما ترى مختل التركيب ولعل أصله: فثبت أن المستحق للمحامد كلها وهو أحق بالحمد من كل محمود وبالكمال من كل كامل، أو أن المستحق للمحامد كلها أحق بالحمد إلخ
[ ٥ / ٤٩ ]
فصل
وأما المقدمة الثانية فتقول: لا بد من اعتبار أمرين (أحدهما) أن يكون الكمال ممكن الوجود، و(الثاني) أن يكون سليمًا عن النقص، فإن النقص ممتنع على الله، لكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصًا، فهذا يقال له إنما الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميت أنت هذا نقصًا وقدر أن انتفاءه يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن، والذات التي لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة ليست أكمل من الذات التي تكون حية عليمة سميعة بصيرة قديرة متكلمة. وإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل الذات المتصفة بها فضلًا عن أن تكون أكمل منها، ويقضي بأن الذات المتصفة بها أكمل، علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات. فإذا قيل بعد ذلك: لا تكون ذاته ناقصة متساوية الكمال إلا بهذه الصفات. قيل الكمال بدون هذه الصفات ممتنع، وعدم الممتنع ليس نقصًا، وإنما النقص عدم ما يمكن، وأيضًا فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال، وما اتصف به وجب له، امتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات، فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرًا ممتنعًا، وإذا قدر للذات تقدير ممتنع وقيل أنها ناقصة صفة كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل إذا مات ناقصًا فهذا يقتضي وجوب كونه حيًا، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات. وأيضًا فقول القائل اكتمل بغيره ممنوع فإنا لا نطلق على صفاته أنها غيره ولا أنا ليست غيره على ما عليه أئمة السلف كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، وهو اختيار حذاق المثبتة كابن كلاب وغيره، ومنهم من يقول: أنا أطلق عليها أنها ليست هي هو ولا أطلق عليها أنها ليست غيره، ولا أجمع بين السلبين فأقول لا هي هو ولا هي غيره، وهو اختيار طائفة من المثبتة كالأشعري وغيره، وأظن قول أبي الحسن التمتي هو هذا
[ ٥ / ٥٠ ]
أو ما يشبه هذا. ومنهم من يجوز إطلاق هذا السلب وهذا السلب في إطلاقهما جميعًا كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى. ومنشأ هذا أن لفظ الغير يراد به المغاير للشيء، ويراد به ما ليس هو إياه، وكان في إطلاق الألفاظ المجملة إيهام لمعاني فاسدة. ويراد به ما ليس هو إياه، وكان في إطلاق الألفاظ المجملة إيهام لمعاني فاسدة. ونحن نجيب بجواب علمي فنقول: قول القائل: يتكمل بغيره. أيريد به بشيء منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته. أما الأول فممتنع وأما الثاني فهو حق، ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها كما لا يمكن وجودها بدونه، وهذا كما نفسه لا شيء مباين لنفسه. وقد نص الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وأئمة المثبتة كأبي محمد بن كلاب وغيره على أن القائل إذا قال الحمد لله أو قال دعوت الله وعدبته أو قال بالله فاسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته، وليست صفاته زائدة على مسمى أسمائه الحسنى. وإذا قيل هل صفاته زائدة على الذات أم لا؟ قيل: إن أريد بالذات المجردة التي يقربها نفات الصفات فالصفات زائدة عليها، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة. والصفات ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات، وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر تجردها عن الصفات.
فصل
وأما قول القائل: لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرًا إليها وهي مفتقرة إليه، فيكون الرب مفتقرًا إلى غيره، فهو من جنس السؤال الأول. فيقال أولًا: قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرًا إليها يقتضي إمكان جوهر تقوم به الصفات وإمكان ذات لا تقوم بها الصفات، فلو كان أحدهما ممتنعًا لبطل هذا الكلام فكيف إذا كان كلاهما ممتنعًا، فإن تقدير ذات مجردة عن جميع الصفات إنما يمكن في الذهن لا في الخارج، كتقدير وجود مطلق لا يتعين في الخارج. ولفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره، فهم يقولون فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة. وحيث جاء في القرآن أو لغة العرب لفظ ذو ولفظ ذات لم يجيء إلا مقرونًا بالإضافة كقوله (فاتقوا الله
[ ٥ / ٥١ ]
وأصلحوا ذات بينكم) وقوله (عليم بذات الصدور) وقول خبيب ﵁ (١) وذلك في ذات الإله. ونحو ذلك. لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا أنه يقال أنها ذات علم وقدرة، ثم أنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوا فقالوا: الذات، وهي لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء، ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم كأبي الفتح ابن برهان وابن الدهان وغيرهما وقالوا ليست هذه اللفظة عربية، ورد عليهم آخرون كالقاضي وابن عقيل وغيرهما. وفصل الخطاب أنها ليست من العربية العرباء بل من المولدة كلفظ الموجود ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها فيقال ذات علم وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلًا، بل فرض هذا في الخارج كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره. ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له كفرض صفة لا تقوم بغيرها، وكلاهما ممتنع، فما هو قائم بنفسه فلا بدله من صفة، وما كان صفة فلا بد له من قائم بنفسه متصف به. ولهذا سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائمًا بنفسه لا صفة له سواء سموه جوهرًا أو جسمًا أو غير ذلك، ويقولون وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع، فمن قدر إمكان موجود قائم بنفسه لا صفة له فقد قدر ما لا يعلم وجوده في الخارج ولا يعلم إمكانه في الخارج، فكيف إذا علم أنه ممتنع في الخارج عن الذهن. وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضي أن ثبوته ممتنع وإنما يمكن فرضه في العقل، فالعقل يقدره في نفسه كما يقدر الممتنعات لا يعقل وجوده في الوجود ولا إمكانه في الوجود. وأيضًا فالرب تعالى إذا كان اتصافه بصفات الكمال ممكنًا، وما أمكن له وجب - امتنع أن يكون مسلوبًا صفات الكمال، ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة
_________________
(١) حين قدمه كفار قريش للقتل. هذا نص البيت: وما قبله ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
[ ٥ / ٥٢ ]
الواجبة له فرض ممتنع، وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعًا عمومًا وخصوصًا فقول القائل يكون مفتقرًا إليها وتكون مفتقرة إليه إنما يعقل مثل هذا في شيئين يمكن وجود كل واحد منهما دون الآخر، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير. ثم يقال: ما تعني بالافتقار؟ أتعني أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة لها أو بالعكس؟ أم تعني التلازم وهو أن لا يكون أحدهما إلا بالآخر؟ فإن عنيت افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة له بل لا يلزمه شيء معين من أفعاله ومفعولاته؟ فكيف تجعل صفاته مفعولة له، وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته؟ وإن عنيت التلازم فهو حق. وهذا كما يقال لا يكون موجودًا ويقال أيضًا لا يكون موجودًا إلا أن يكون قديمًا واجبًا بنفسه ولا يكون عالمًا قادرًا إلا أن يكون حيًا، فإذا كانت صفاته متلازمة كان ذلك أبلغ في الكمال من جواز التفريق بينهما، فإنه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال لم يكن الكمال واجبًا له بل ممكنًا له، وحينئذ فكان يفتقر في ثبوته له إلى غيره، وذلك نقص ممتنع عليه كما تقدم بيانه، فعلم أن التلازم بين الذات وصفات الكمال هو كمال الكمال.
فصل
وأما القائل: إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص. فللمثبتة للصفات في إطلاق لفظ العرض على صفاته ثلاث طرق: منهم من يمنع أن تكون أعراضًا ويقول: بل هي صفات وليس أعراضًا كما يقول ذلك الأشعري وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره، ومنهم من يطلق عليها لفظ الأعراض كهشام وابن كرام وغيرهما، ومنهم من يمتنع من الإثبات والنفي كما قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل " العلم عرض " بدعة، وقوله: ليس بعرض - بدعة - كما أن قوله " الرب جسم " بدعة، وقوله " ليس بجسم " بدعة. وكذلك أن لفظ الجسم يراد به في اللغة: البدن والجسد، كما ذكر ذلك الأصمعي وأبو زيد وغيرهما من أهل اللغة. وأما أهل الكلام فمنهم من يريد به
[ ٥ / ٥٣ ]
المركب ويطلقه على الجوهر الفرد بشرط التركيب أو على الجوهرين أو على أربعة جواهر أو ستة أو ثمانية أو ستة عشر أو اثنين وثلاثين، والمركب من المادة والصورة ومنهم من يقول: هو الموجود أو القائم بنفسه. وعامة هؤلاء وهؤلاء يجعلون المشار إليه مساويًا في العموم والخصوص، فلما كان اللفظ قد صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل - صار مجملًا، وحينئذ فالجواب العلمي أن يقال: أتعني بقولك أنها أعراض أنها قائمة بالذات أو صفة للذات ونحو ذلك من المعاني الصحيحة؟ أم تعني بها أنها آفات ونقائص؟ أم تعني بها أنها تعرض وتزول وتبقى زمانين؟ فإن عنيت الأول فهو صحيح، وإن عنيت الثاني فهو ممنوع، وإن عنيت الثالث فهذا مبنى على قول من يقول: العرض لا يبقى زمانين. فإن قال ذلك وقال هي باقية قال اسميها أعراضًا - لم يكن هذا مانعًا من تسميتها أعراضًا. وقولك: العرض لا يقوم إلا بجسم. فيقال: يقال للحي عليم قدير عندك وهذه الأسماء لا يتسمى بها إلا جسم كما أن هذه الصفات التي جعلتها أعراضًا لا يوصف بها إلا جسم؟ فما كان جوابك عن ثبوت الأسماء كان جوابًا لأهل الإثبات عن إثبات الصفات. ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟ أتعني بالجسم المركب الذي كان مفترقًا فاجتمع؟ أو ركبه مركب فجمع أجزاءه؟ أو ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك؟ أم تعني به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة؟ أو تعني به ما يمكن الإشارة إليه؟ أو ما كان قائمًا بنفسه؟ أو ما هو موجود؟ فإن عنيت الأول لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضًا لا تقوم إلا بجسم بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني لم نسلم امتناع التلازم فإن الرب تعالى موجود قائم بنفسه مشار إليه عندنا، فلا نسلم التلازم على هذا التقدير. وقول القائل: المركب ممكن، إن أراد بالمركب المعاني المتقدمة مثل كونه كان مفترقًا فاجتمع، أو ركبه مركب أو يقبل الانفصال - فلا نسلم المقدمة الأولى
[ ٥ / ٥٤ ]
التلازمية، وإن عنى به ما يشار إليه وما يكون قائمًا بنفسه موصوفًا بالصفات - فلا نسلم انتفاء الثانية. فالقول بالأعراض مركب من مقدمتين تلازمية واستثنائية بألفاظ مجملة فإذا استفصل عن المراد حصل المنع والإبطال لإحداهما أو لكليهما. وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير بطلت الحجة.
فصل
وأما قول القائل: لو قامت به الأفعال لكان محلًا للحوادث، إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به -: فيقال أولًا: هذا معارض بنظيره من الحوادث التي فعلها فإن كليهما حادث بقدرته ومشيئته، وإنما يفترقان في المحل، وهذا التقسيم وارد على الجهتين. وإن قيل في الجواب: بل هم يصفونه بالصفات الفعلية. ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية، فيصفونه بكونه خالقًا ورازقًا بعد أن لم يكن كذلك، وهذا التقسيم وارد عليهم، وقد أورده عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم فزعموا أن صفات الأفعال ليست صفة كمال ولا نقص -: فيقال لهم: كما قالوا لهؤلاء في الأفعال التي تقوم بها أنها ليست كمالًا ولا نقصًا. فإن قيل: لا بد أن يتصف إما بنقص وإما بكمال، فإن جاز خلو أحدهما عن القسمين أمكن الدعوى في الآخر مثله وإلا فالجواب مشترك. وأما المتفلسفة فيقال لهم: القديم لا تحله الحوادث، ولا يزال محلًا للحوادث عندكم، فليس القدم مانعًا من ذلك عندكم، بل عندكم هذا هو الكمال الممكن الذي لا يمكن غيره. وإنما نفوه عن واجب الوجود لظنهم اتصافه به، وقد تقدم التنبيه على إبطال قولهم في ذلك لا سيما وما قامت به الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة أزلية موجبة لمعلولها، فإن العلة التامة الموجبة يمتنع أن يتأخر عنها معلولها أو شيء من معلولها، ومتى تأخر عنها شيء من معلولها كانت علة له بالقوة، هذا عند ما سماه نقصًا من النقص الممكن انتفاؤه، فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له، قيل: وجود الجمادات كلها أو واحد منها
[ ٥ / ٥٥ ]
يستلزم الحوادث كلها أو واحدًا منها في الأزل، فيمتنع وجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد سواء قدر ذلك الآن ماضيًا أو مسقبلًا، فضلًا عن أن يكون أزليًا، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجود في آن واحد فضلًا عن أن يكون أزليًا، فليس هذا ممكن الوجود فضلًا عن أن يكون كمالًا، لكن فعل الحوادث شيئًا بعد شيء أكمل من التعطيل عن فعلها بحيث لا يحدث شيئًا بعد أن لم يكن، فإن الفاعل القادر على الفعل أكمل الفاعل العاجز عن الفعل. فإذا قيل لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصًا بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئًا بعد شيء، وكذلك إذا قيل: جعل الشيء الواحد متحركًا ساكنًا موجودًا معدومًا صفة كمال، قيل هذا ممتنع لذاته. وكذلك إذا قيل إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال، قيل هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مبدعًا يقتضي أن لا يكون واجبًا بنفسه بل واجبًا بغيره، فإذا قيل هو واجب موجود بنفسه وهو لم يوجد إلا بغيره كان هذا جمعًا بين النقيضين. وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه إذا كان اتصافه بها صفة كما فقد فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص. قيل الأفعال المنفعلة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزليًا. وأيضًا فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها، وأيضًا فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئًا بعد شيء، فقول القائل فيما حقه أن يوجد شيئًا بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل جمع بين النقيضين. وأمثال هذا كثير، فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود، فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له فضلًا عن أن يقال هو موجود أو يقال هو كمال للموجود. وأما الشرك الآخر وهو قولنا الكمال الذي لا يتضمن نقصًا على التعبير بالعبارة السديدة أو الكمال الذي لا يتضمن نقصًا يمكن انتفاؤه على عبارة من يجعل ما ليس بنقص نقصًا - فاحتراز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصًا كالأكل والشرب مثلًا، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل
[ ٥ / ٥٦ ]
والشرب لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قدر غير قابل له كان ناقصًا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج في كمال إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى من الغني به. والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره. ولهذا كان من الكمالات ما هو
كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق وهو كل ما كان مستلزمًا لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزمًا للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزمًا لفقره المنافي لغناه. مال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق وهو كل ما كان مستلزمًا لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزمًا للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزمًا لفقره المنافي لغناه.
فصل
في نتيجة ما تقدم وهو كون ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق وكون أولى الناس به سلف هذه الأمة (١) إذا تبين هذا تبين أن ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له وأعظمهم له موافقة، وهم سلف الأمة وأئمتها الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات، فإن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام صفات كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها، فإن ما اتصف بهذه فهو أكمل مما لا يتصف بها، والنقص في انتفائها لا في ثبوتها. والقابل للاتصاف بها كالحيوان أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجماد. وأهل الإثبات يقولون للنفاة: لو لم يتصف بهذه الصفات لاتصف بأضدادها من الجهل والبكم والعمى والصم، فقال لهم النفاة: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلات تقابل العدم والملكة إنما يلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلًا لهما كالحيوان الذي لا يخلوا إما أن يكون أعمى وإما أن يكون بصيرًا لأنه قابل لهما بخلاف الجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا.
_________________
(١) هذا العنوان للفصل ليس من الأصل
[ ٥ / ٥٧ ]
فيقول لهم أهل الإثبات: هذا باطل من وجوه.
أحدها أن يقال الموجودات نوعان: نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد. ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها، وأن يكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى الأصم الذي لا يقبل السمع والبصر أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك أكمل ممن لا يقبل ذلك فكيف المتصف بها؟ فلزم من ذلك أن يكون مسلوبًا لصفات الكمال على قولهم ممتنعًا عليه صفات الكمال، فأنتم فررتم من تشبيهه بالإحياء فشبهتموه بالجمادات وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص فوصفتموه بما هو أعظم النقص.
الوجه الثاني أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة أمر اصطلاحي، وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتًا كما قال تعالى (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون) . (الوجه الثالث) أن يقال: نفي سلب هذه الصفات نقص وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيًا عليمًا قديرًا متكلمًا سميعًا بصيرًا أكمل ممن لا يكون كذلك، وإن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كما ممكن للوجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في عدمه، وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات أحدهما يقدر على التصرف بنفسه فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به والآخر يمتنع ذلك منه فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذه الأفعال كان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه. وإذا قيل قيام هذه الأفعال يستلزم قيام الحوادث به كان كما إذا قيل قيام الصفات به يستلزم قيام الأعراض به، والأعراض والحوادث لفظان مجملان، فإن أريد بذلك ما يعقله أهل اللغة من أن الأعراض والحوادث هي الأمراض
[ ٥ / ٥٨ ]
والآفات، كما يقال: فلان قد عرض له مرض شديد، وفلان قد أحدث حدثًا عظيمًا، كما قال النبي ﷺ " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وقال " لعن الله من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا " وقال " إذا أحدث أحدكم فلا يصلي حتى يتوضأ " ويقول الفقهاء: الطهارة نوعان، طهارة الحديث وطهارة الخبث. ويقول أهل الكلام: اختلف الناس في أهل الأحداث من أهل القبلة، كالربا والسرقة وشرب الخمر، ويقال فلان به عارض من الجن، وفلان حدث له مرض. فهذه من النقائص التي تنزه الله عنها.
وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح خاص فإنما أحدث ذلك الاصطلاح من أحدثه من أهل الكلام، وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم، لا لغة القرآن ولا غيره ولا العرف العام ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم، بل مبتدعو هذا الاصطلاح هم من أهل البدع المحدثين في الأمة الداخلين في ذم النبي ﷺ. وبكل حال مجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه أعراضًا وحوادث لا يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها أو يمكنه ذلك ولا يتصف بها. وأيضًا فإذا قدر اثنان أحدهما موصوف بصفات الكمال التي هي أعراض وحوادث على اصطلاحهم كالعلم والقدرة والفعل والبطش، والآخر يمتنع أن يتصف بهذه الصفات التي هي أعراض وحوادث كان الأول أكمل، كما أن الحي المتصف بهذه الصفات أكمل من الجمادات. وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها والآخر لا فرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص فلا يحب لا هذا ولا هذا ولا يرضى لا هذا ولا هذا، ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا كان الأول أكمل من الثاني. ومعلوم أن الله ﵎ يحب المحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال. وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل والكذب ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر لا فرق عنده بين الجاهل الكاذب
[ ٥ / ٥٩ ]
الظالم وبين العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا، ولا يغضب لا على هذا ولا على هذا كان الأول أكمل. وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يقدر أن يفعل بيديه ويقبل بوجهه والآخر لا يمكنه ذلك إما لامتناع أن يكون له وجه ويدان، وإما لامتناع الفعل والإقبال عليه باليدين والوجه كان الأول أكمل. فالوجه واليودان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك، ووجه كل شيء بحسب ما يضاف إليه وهو ممدوح به. لا مذموم كوجه النهار، ووجه الثوب، ووجه القوم، ووجه الخيل، ووجه الرأي، وغير ذلك، وليس الوجه المضاف إلى غيره هو نفس المضاف إليه في شيء من موارد الاستعمال سواء كان الاستعمال حقيقة أو مجازًا. فإن قيل: من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أكمل ممن يفعل بيديه.
قيل من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء وبيديه إذا شاء هو أكمل ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه، ولا يمكنه أن يفعل باليد، ولهذا كان الإنسان أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها كالنار والماء، فإذا قدر اثنان أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه، والآخر يمكنه الفعل بقوة فيه وبكلامه فهذا أكمل، فإذا قدر آخر يفعل بقوة فيه وبكلامه وبيديه إذا شاء فهو أكمل وأكمل. وأما صفات النقص فمثل النوم، فإن الحي اليقظان أكمل من النائم والوسنان والله لا تأخذه سنة ولا نوم، وكذلك من يحفظ بلا اكتراث أكمل ممن يلزمه ذلك والله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما، وكذلك من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب. ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز، والحياة دون الموت، والسمع والبصر والكلام دون الصم والعمي والبكم، والضحك دون البكاء، والفرح دون الحزن. وأما الغضب مع الرضاء والبغض مع الحب فهو أكمل ممن لا يكون منه إلا الرضى والحب دون البغض والغضب للأمور التي تستحق أن تذم وتبغض،
[ ٥ / ٦٠ ]
ولهذا كان اتصافه بأنه يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، أكمل من اتصافه بمجرد الإعطاء والإعزاز والرفع، لأن الفعل الآخر حيث تقتضي الكلمة ذلك أكمل من لا يفعل إلا أحد النوعين ويخل بالآخر في المحل المناسب له. من اعتبر هذا الباب، وجده على قانون الصواب، والله الهادي لأولي الألباب.
فصل
وأما قول ملاحدة الفلاسفة وغيرهم: إن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالًا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصًا بذاته، وإن أوجب له نقصًا لم يجز اتصافه بها - فيقال: الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه. وحينئذ فقول القائل يكون نقصًا بذاته إن أراد به أنه يكون بدون هذه الصفات ناقصًا فهذا حق، لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لا بد من صفات الكمال وإلا كان نقصًا. وإن أراد به أنه إنما صار كاملًا بالصفات التي اتصف بها فلا يكون كاملًا بذاته المجردة عن هذه الصفات - فيقال: (أولًا): هذا إنما يتوجه أن لو أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه الصفات، فإذا كان أحد هذين ممتنعًا امتنع كماله بدون هذه الصفات فكيف إذا كان كلاهما ممتنعًا، فإن وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع، فإنا نعلم بالضرورة أن الذات التي لا تصير علة بالفعل واحتاج مصيرها علة بالفعل إلى سبب آخر فإن كان المخرج لها من القوة إلى الفعل هو نفسه صار فيه ما هو بالقوة وهو المخرج له إلى الفعل، وذلك يستلزم أن يكون قابلًا أو فاعلًا، وهم يمنعون ذلك لامتناع الصفات التي يسمونها التركيب، وإن كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعًا بالضرورة والاتفاق، لأن ذلك ينافي وجوب الوجود ولأنه يتضمن الدور المعي والتسلسل في المؤثرات، وإن كان هو الذي صار فاعلًا للمعين بعد أن لم يكن امتنع أن يكون علة تامة أزلية، فقدم شيء من العالم يستلزم كونه علة تامة في الأزل وذلك يستلزم أن لا يحدث عنه شيء بواسطة وبغير واسطة وهذا مخالف للمشهود. ويقال (ثانيًا) في إبطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعًا: - هذا مبني على
[ ٥ / ٦١ ]
تجدد هذه الأمور بتجدد الإضافات والأحوال والأعدام فإن الناس متفقون على تجدد هذه الأمور، وفرق الآمدي بينهما من جهة اللفظ، فقال هذه حوادث وهذه متجددات، والفروق اللفظية، لا تؤثر في الحقائق العلمية، فيقال: تجدد هذه المتجددات إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن أوجب له نقصًا لم يجز وصفه به. ويقال (ثالثًا): الكمال الذي يجب اتصافه به هو الممكن الوجود، وأما الممتنع فليس من الكمال الذي يتصف به موجود، والحوادث المتعلقة بقدرته ومشيئته يمتنع وجودها جميعًا في الأزل، فلا يكون انتفاؤها في الأزل نقصًا لأن انتفاء الممتنع ليس بنقص. ويقال (رابعًا): إذا قدر ذات تفعل شيئًا بعد شيء وهي قادرة على الفعل بنفسها وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئًا بل هي كالجماد الذي لا يمكنه أن يتحرك كانت الأولى أكمل من الثانية. فعدم هذه الأفعال نقص بالضرورة. وأما وجودها بحسب الإمكان فهو الكمال. ويقال (خامسًا): لا نسلم أن عدم هذه مطلقًا نقص ولا كمال ولا وجودها مطلقًا نقص ولا كمال، بل وجودها في الوقت الذي اقتضته مشيئته وقدرته وحكمته هو الكمال ووجودها بدون ذلك نقص، وعدمها مع اقتضاء الحكمة كمال، وإذن فالشيء الواحد يكون وجوده تارة كمالًا وتارة نقصًا، وكذلك عدمه. فبطل التقسيم المطلق، وهذا كالماء يكون رحمة بالخلق إذا احتاجوا إليه كالمطر ويكون عذابًا إذا ضرهم، فيكون إنزاله لحاجتهم رحمة وإحسانًا، والمحسن الرحيم متصف بالكمال ولا يكون عدم إنزاله حيث يضرهم نقصًا، بل هو أيضًا رحمة وإحسان فهو محسن بالوجود حين كان رحمة، وبالعدم حين كان العدم رحمة.
فصل
وأما نفي النافي للصفات الخبرية المعينة فلاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة والافتقار فقد تقدم جواب نظيره، فإنه إن أريد بالتركيب ما هو المفهوم منه في اللغة أو في العرف العام أو عرف بعض بالناس وهو ما ركبه غيره أو كان مفترقًا
[ ٥ / ٦٢ ]
فاجتمع، أو ما جمع الجواهر الفردة أو المادة والصورة، أو ما أمكن مفارقة بعضه لبعض، فلا نسلم المقدمة الأولى ولا نسلم أن إثبات الوجه واليد مستلزم للتركيب بهذا الاعتبار، وإن أريد به التلازم على معنى امتياز شيء عن شيء في نفسه وأن هذا ليس هذا، فهذا لازم له في الصفات المعنوية المعلومة بالعقل كالعلم والقدرة والسمع والبصر، فإن الواحدة من هذه الصفات ليست هي الأخرى بل كل صفة ممتازة بنفسها عن الأخرى، وإن كانتا متلازمتين يوصف بهما موصوف واحد. ونحن نعقل هذا في صفات المخلوقين كأبعاض الشمس وأعراضها. وأيضًا فإن أريد أنه لا بد من وجود ما بالحاجة والافتقار إلى مباين له فهو ممنوع، وإن أريد أنه لا بد من وجود ما هو داخل في مسمى اسمه وأنه يمتنع وجود الواجب بدون تلك الأمور الداخلة في مسمى اسمع فمعلوم أنه لا بد من نفسه فلا بد له مما يدخل في مسماها بطريقة الأولى والأحرى. وإذا قيل هو مفتقر إلى نفسه لم يكن معناه أن نفسه تفعل نفسه. فكذلك ما هو داخل فيها ولكن العبارة موهمة مجملة فإذا فسر المعنى زال المحذور. ويقال أيضًا: نحن لا نطلق على هذا اللفظ الغير فلا يلزمه أن يكون محتاجًا إلى الغير، فهذا من جهة الإطلاق اللفظي، وأما من جهة الدليل العلمي فالدليل دل على وجود موجود بنفسه لا فاعل ولا علة فاعلة وأنه مستغن بنفسه عن كل ما يباينه. أما الوجود الذي لا يكون له صفة ولا يدخل في مسمى اسمه معنى من المعاني الثبوتية فهذا إذا ادعى المدعي أنه المعني بوجوب الوجود وبالغني، قيل له لكن هذا المعني ليس هو مدلول الأدلة، ولكن أنت قدرت أن هذا مسمى الاسم، وجعل اللفظ دليلًا على هذا المعنى لا ينفعك إن لم يثبت أن المعنى حق في نفسه، ولا دليل على ذلك بل الدليل يدل على نقيضه. فهؤلاء عمدوا إلى لفظ الغني والقديم والواجب بنفسه فصاروا يجعلونها على معاني (١) تستلزم معاني تناقض ثبوت الصفات وتوسعوا في التعبير ثم ظنوا أن هذا الذي فعلوه هو موجب الأدلة العقلية وغيرها. وهذا غلط منهم. فموجب الأدلة العقلية لا يتلقى من مجرد التعبير، وموجب الأدلة السمعية
_________________
(١) كذا في الأصل والمراد أنهم يطلقونها على مسميات مخترعة محدثة
[ ٥ / ٦٣ ]
يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب لا من الوضع المحدث، فليس لأحد أن يقول أن الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعاني (١) ثم يريد أن يفسر مراد الله بتلك المعاني هذا من فعل أهل الإلحاد المفترين فإن هؤلاء عمدوا إلى المعاني وظنوها ثابتة فجعلوها هي معنى الواحد والوجوب والغنى والقدم ونفي المثل، ثم عمدوا إلى ما جاء في القرآن والسنة من تسمية الله تعالى بأنه أحد وواحد علي ونحو ذلك من نفي المقل والكفؤ عنه فقالوا هذا يدل على المعاني التي سميناها بهذه الأسماء وهذا، من أعظم الافتراء على الله. وكذلك المتفلسفة عمدوا إلى لفظ الخالق والفاعل والصانع والمحدث ونحو ذلك فوضعوها لمعنى ابتدعوه، وقسموا الحدوث إلى نوعين: ذاتي وزماني، وأرادوا بالذاتي كون المربوب مقارنًا للرب أزلًا وأبدًا، وإن اللفظ على هذا المعنى لا يعرف في لغة أحد من الأمم، ولو جعلوا هذا اصطلاحًا لهم لم ننازعهم فيه، لكن قصدوا بذلك التلبيس على الناس، وأن يقولوا نحن نقول بحدوث العالم وأن لا خالق له ولا فاعل له ولا صانع ونحو ذلك من المعاني التي يعلم بالاضطرار أنها تقتضي تأخير المفعول لا يطلق على ما كان قديمًا بقدم الرب مقارنًا له أزلًا وأبدًا، وكذلك فعل من فعل بلفظ المتكلم وغير ذلك من الأسماء ولو فعل هذا بكلام سيبويه وبقراط لفسد ما ذكروه من النحو والطب، ولو فعل هذا بكلام آحاد العلماء كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة لفسد العلم بذلك ولكان ملبوسًا عليهم فكيف إذا فعل هذا بكلام رب العالمين؟ وهذه طريقة الملاحدة الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته ومن شاركهم في بعض ذلك مثل قول من يقول الواحد الذي لا ينقسم، ومعنى قوله: لا ينقسم، أي لا يتميز منه شيء عن شيء، ويقول لا تقوم به صفة. ثم زعموا أن الأحد والواحد في القرآن يراد به هذا. ومعلوم أن كل ما في القرآن من اسم الواحد والأحد كقوله تعالى (وإذا كانت واحدة فلها النصف) وقوله (قالت
إحداها يا أبت استأجره) وقوله (ولم
_________________
(١) كذا في الأصل والمراد معاني محدثة اصطلاحية فلعله سقط الوصف
[ ٥ / ٦٤ ]
يكن له كفوًا أحد) وقوله (وإن أحد من المشركين استجارك) وقوله (ذرني ومن خلقت وحيدًا) وأمثال ذلك يناقض ما ذكروه فإن هذا الأسماء أطلقت على قائم بنفسه مشار إليه يتميز منه شيء عن شيء، وهذا الذي يسمونه في اصطلاحهم جسمًا. وكذلك إذا قالوا الموصوفات تتماثل والأجسام تتماثل والجواهر تتماثل، وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى (ليس كمثله شيء) على نفي مسمى هذه الأمور التي سموها بهذه الأسماء في اصطلاحهم الحادث، كان هذا افتراء على القرآن، فإن هذا ليس هو المثل في لغة العرب ولا لغة القرآن ولا غيرهما. قال تعالى (وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) فنفى مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم في الإنسانية فكيف يقال أن لغة العرب توجب أن كل ما يشار إليه مثل كل ما يشار إليه، وقال تعالى (ألم ترك كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد) فأخبر أنه لم يخلق مثلها في البلاد وكلاهما بلد فكيف يقال أن كل جسم فهو مثل لكل جسم في لغة العرب، حتى يحمل على ذلك قوله (ليس كمثله شيء) .وقد قال الشاعر: ليس كمثل الفتى زهيروقال: ما إن كمثلهم في الناس من بشرولم يقصد هذا أن ينفي وجود جسم من الأجسام، وكذلك لفظ التشابه ليس هو التماثل في اللغة قال تعالى (وأتوا به متشابها) وقال تعالى (متشابهًا وغير متشابه) ولم يرد به شيئًا هو مماثل في اللغة، وليس المراد هنا كون الجواهر متماثلة في العقل وليست متماثلة. فإن هذا مبسوط في موضعه بل المراد أن أهل اللغة التي بها نزل القرآن لا يجعلون مجرد هذا موجبًا لإطلاق اسم المثل، ولا يجعلون نفي المثل نفيًا لهذا فحمل القرآن على ذلك كذب على القرآن.
فصل
وقول القائل " المناسبة " لفظ مجمل فإنه قد يراد بها التولد والقرابة فيقال: هذا نسيب فلان ويناسبه. إذا كان بينهم قرابة مستندة إلى الولادة والآدمية والله ﷾ منزه عن ذلك، ويراد بها المماثلة فيقال: هذا يناسب هذا
[ ٥ / ٦٥ ]
أي ماثلة. والله ﷾ أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ويراد بها الموافقة في معنى من المعاني (١) وضدها المخالفة. والمناسبة بهذا الاعتبار ثابتة، فإن أولياء الله تعالى يوافقونه فيما يأمر به فيفعلونه وفيما يحبه فيحبونه، وفيما نهى عن فيتركونه، وفيما يعطيه فيصيبونه. والله وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عليم يحب العلم، نظيف يحب النظافة، محسن يحب المحسنين، مقسط يحب المقسطين، إلى غير ذلك من المعاني. بل هو سبحانه يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس، فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي ﷺ فإذا أريد بالمناسبة هذا وأمثاله فهذه المناسبة حق وهي من صفات الكمال كما تقدم الإشارة إليه. فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق عنده بين صفات النقص والكمال أولا يحب صفات الكمال. وإذا قدر موجودان أحدهما يحب العلم والصدق والعدل والإحسان ونحو ذلك، والآخر لا فرق عنده بين هذه الأمور وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك لا يحب هذا ولا يبغض هذا، كان الذي يحب تلك الأمور أكمل من هذا. فدل على أن من جرد عن صفات الكمال والوجود بأن لا يكون له علم كالجماد فالذي يعلم أكمل منه والعالم الذي يحب المحمود ويبغض المذموم أكمل ممن لا يحبهما وأما أن يحبهما (٢) ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض المذموم أكمل ممن يحبهما أو يبغضهما. وأصل هذه المسئلة هي الفرق بين محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وبين إرادته كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم، وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى أنه لا فرق بينهما. ثم قالت القدرية: هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك فيكون ما لم يشاء ويشاء ما لم يكن. وقالت المثبتة. ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذن قد أراد الكفر والفسوق
_________________
(١) من الشواهد على هذا قول الشريف الرضي في إبراهيم الصابي: الفصل ناسب بيننا إن لم يكن شرقي يناسبه ولا ميلادي
(٢) لعل أصل الكلام: فهو إما أن يغضهما معًا وإما أن يحبهما إلخ
[ ٥ / ٦٦ ]
والعصيان، ولم يرده دينًا، أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن، فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه دينًا ويحبه من الكافر ولا يحبه من المؤمن. وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته، ومجمعون على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وإن الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول والذين نفوا محبته بنوها على هذا الأصل الفاسد.
فصل
وأما قول القائل: الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم، فهذا باطل. أما أولًا: فلأن الضعف والخوف مذموم من الآدميين، والرحمة ممدوحة وقد قال تعالى (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وقد نهى الله عباده عن الوهن والحزن فقال تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) وندبهم إلى الرحمة، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح " لا تنزع الرحمة إلا من شقي " وقال " من لا يرحم لا يرحم " وقال " الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " ومحال أن يقول لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولكن لما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن الغالط أنها كذلك مطلقًا. وأيضًا فلو قدر أنها في حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب أن تكون في حق الله تعالى مستلزمة لذلك كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه. وكذلك الوجود والقيام بالنفس فينا يستلزم احتياجًا إلى خالق يجعلنا موجودين والله منزه في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا، فنحن وصفاتنا وأفعالنا مقرونون بالحاجة إلى الغير والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن نخلو عنه، وهو سبحانه الغني له أمر ذاتي لا يمكن أن يخلوا عنه، فهو بنفسه حي قيوم واجب الوجود، ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء، فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا وما اتصفنا به من الكمال من
[ ٥ / ٦٧ ]
العلم والقدرة وغيرة ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان لم يحب أن يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال، ولا يقدر ولا يعلم، لكون ذلك ملازمًا للحاجة فينا. فكذلك الرحمة وغيرها إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف لم يجب أن تكون في حق الله ملازمة لذلك. وأيضًا فنحن نعلم بالاضطرار أنا إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة كان الأول أكمل.
فصل
وأما قول القائل: الغضب غليان دم القلب بطلب الانتقام: فليس بصحيح في حقنا بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده فلا يكون هناك انتقام أصلًا. وأيضًا فغليان دم القلب يقارنه الغضب ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب، كما أن الحياء يقارن حمرة الوجه والوجل يقارن صفرة الوجه، لا أنه هو، وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدم إلى خارج فكان منه الغضب وإن استشعرت العجز عاد الدم إلى داخل فاصفر الوجه كما يصيب الحزين. وأيضًا فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثل لنا لا لذاتنا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته. ونحن نعلم بالاضطرار أنا إذا قدرنا موجودين أحدهما عنده قوة يدفع بها الفساد والآخر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد كان الذي عنده تلك القوة أكمل. ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالديوث، ويذم من لا حمة له يدفع بها الظلم عن المظلومين، ويمدح الذي له غيرة يدفع بها الفواحش وحمية يدفع بها الظلم. ويعلم أن هذا أكمل من ذلك. ولهذا وصف النبي ﷺ الرب بالأكملية في ذلك فقال في الحديث الصحيح " لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " وقال " أتعجبون من غيرة سعد؟ أنا أغير منه والله أغير مني ".
[ ٥ / ٦٨ ]
وقول القائل: إن هذه انفعالات نفسانية. فيقال: كل ما سوى الله مخلوق منفعل ونحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها، لا يوجب أن يكون الله منفعلًا لها عاجزًا عن دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلا ما يشاء ولا يشاء إلا ما يكون له الملك وله الحمد.
فصل
وقول القائل: إن الضحك خفة روح - ليس بصحيح وإن كان ذلك قد يقارنه ثم قول القائل " خفة الروح " إن أراد به وصفًا مذمومًا فهذا يكون لا ينبغي أن يضحك منه، وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه والآخر لا يضحك قط، كان الأول أكمل من الثاني، ولهذا قال النبي ﷺ " ينظر إليكم البري قنطين فيظل يضحك، يعلم فرجكم قريب " فقال له أبو رزين العقيلي يا رسول الله " أويضحك الرب؟ قال " نعم " قال لن نعدم من رب يضحك خيرًا (١) . فجعل الأعراب العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلًا على إحسانه وإنعامه، فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب أنه (يومًا عبوسًا قمطريرًا) .وقد روي أن الملائكة قالت لآدم: حياك الله وبياك، أي أضحكك. والإنسان حيوان ناطق ضاحك، وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما أن النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزمًا لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختص لا عام فليس حقيقة الضحك مطلقًا مقرونة بالنقص كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص، ووجودنا مقرونًا بالنقص، ولا يلزم أن يكون الرب موجدًا وأن لا تكون له ذات.
_________________
(١) أورد البيهقي الحديث في السماء والصفات بسنده وقال: وروي عن طائشة مرفوعا في معنى هذا
[ ٥ / ٦٩ ]
ومن هنا ضلة القرامطة الغلاة كصاحب الإقليد وأمثاله فأرادوا أن ينفوا عنه كل ما يعلمه القلب وينطق به اللسان من نفي وإثبات، فقالوا: لا تقول موجود ولا لا موجود، ولا موصوف ولا لا موصوف، لما في ذلك - على زعمهم - من التشبيه، وهذا يستلزم أن يكون ممتنعًا وهو مقتضى التشبيه بالممتنع على الله أن يشارك المخلوقات في شيء من خصائصها، وأن يكون مماثلًا لها في شيء من صفاته كالحياة والعلم والقدرة، فإن وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق كالحدوث والموت والفناء والإمكان.
فصل
وأما قوله: التعجب استعظام للمتعجب منه - فيقال: نعم وقد يكون مقرونًا بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن يعلم سبب ما تعجب منه بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له. والله تعالى يعظم ما هو عظيم أما العظمة سببه أو لعظمته. فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم. ووصف بعض الشر بأنه عظيم، فقال تعالى (رب العرش العظيم) وقال (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) وقال (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا، وإذًا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمًا) وقال (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) وقال (إن الشرك لظلم عظيم) ولهذا قال تعالى (بل عجبت ويسخرون) على قراءة الضم فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة. وقال النبي ﷺ للذي آثر هو وامرأته ضيفهما " لقد عجب الله " وفي لفظ في الصحيح " لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة " وقال " إن الرب ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا " وقال " عجب ربك من شاب ليست له صبوة " وقال " عجب ربك من راعي غنم على رأس شظية (١) يؤذن ويقيم فيقول الله انظروا إلى عبدي " أو كما قال ونحو ذلك.
_________________
(١) الشظية قطعة مرتفعة في رأس الجبل وأصلها الفلقة المكسورة من العصا أو العظم أو الصدفة وغيرها مما ينكسر ويتشظى
[ ٥ / ٧٠ ]
فصل
وأما قول القائل: لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصًا. وقول الآخر لو قدر وعذب لكان ظلمًا، والظلم نقص - فيقال: أما المقالة الأولى فظاهره فإنه إذا قدر أنه يكون في ملكه ما لا يريده وما لا يقدر عليه وما لا يخلقه ولا يحدثه لكان نقصًا من وجوه: (أحدها) أن انفراد شيء من الأشياء عنه بالأحداث نقص لو قدر أنه في غير ملكه فكيف في ملكه؟ فإنا نعلم أنا إذا فرضنا اثنين أحدهما يحتاج إليه كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، والآخر يحتاج إليه بعض الأشياء ويستغنى عنه بعضها كان الأول أكمل، فنفس خروج شيء عن قدرته وخلقه نقص، وهذه دلائل الوحدانية، فإن الاشتراك نقص بكل من المشتركين، وليس الكمال المطلق إلا في الوحدانية، فإنا نعلم أن من قدر بنفسه كان أكمل ممن يحتاج إلى معين، ومن فعل الجميع بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على فعل البعض، ومن افتقر إليه كل شيء فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الأشياء. ومنها أن يقال: كونه خالقًا لكل شيء وقادرًا على كل شيء أكمل من كونه خالقًا للبعض وقادرًا على البعض. والقدرية لا يجعلونه خالقًا لكل شيء ولا قادرًا على كل شيء. والمتفلسفة القائلون بأنه من علة غائبة شر منهم، فإنهم لا يجعلونه خالقًا لشيء من حوادث العالم لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من المتحركات، ولا خالقًا لما يحدث بسبب ذلك ولا قادرًا على شيء من ذلك ولا عالمًا بتفاصيل ذلك والله ﷾ يقول (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وإن الله قد أحاط بكل شيء علمًا) وهؤلاء ينظرون في العالم ولا يعلمون أن الله على كل شيء قدير، ولا أن الله قد أحاط بكل شيء علمًا. (ومنها) أنا إذا قدرنا مالكين أحدهما يريد شيئًا فلا يكون ويكون ما لا يريد، والآخر لا يريد شيئًا إلا كان ولا يكون إلا ما يريد، علمنا بالضرورة أن هذا أكمل.
[ ٥ / ٧١ ]
وفي الجملة قول المثبتة للقدرة يتضمن أنه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير وأنه ما شاء كان فيقتضي كمال خلقه وقدرته ومشيئته، ونفاة القدرة يسلبونه هذه الكلمات. وأما قوله أن التعذيب على القدر ظلم منه - فهذه دعوى مجردة ليس معهم فيها إلا قياس الرب على أنفسهم، ولا يقول عاقل أن كل ما كان نقصًا من أي موجود كان لزم أن يكون نقصًا من الله، بل ولا ينتج هذا من الإنسان مطلقًا، بل إذا كان له مصلحة في تعذيب بعض الحيوان وأن يفعل به ما فيه تعذيب له حسن ذلك منه، كالذي ينصع القز فإنه هو الذي يسعى في أن دود القز ينسجه، ثم يسعى في أن يلقى في الشمس ليحصل له المقصود من القز، وهو هنا له سعي في حركة الدود التي كانت سبب تعذيبه. وكذلك الذي يسعى في أن يتوالد له ماشية وتبيض له دجاج ثم يذبح ذلك لينتفع به فقد تسبب في وجود ذلك الحيوان تسببًا أفضى إلى عذابه لمصلحة له في ذلك. (١)
ففي الجملة: الإنسان يحسن منه إيلام الحيوان لمصلحة راجحة في ذلك، فليس جنس هذا مذمومًا ولا قبيحًا ولا ظلمًا، وإن كان من ذلك ما هو ظلم. وحينئذ فالظلم من الله إما أن يقال: هو ممتنع لذاته لأن الظلم تصرف المتصرف في غير ملكه والله له كل شيء، أو الظلم مخالفة الأمر الذي يجب طاعته والله تعالى يمتنع منه التصرف في ملك غيره أو مخالفة أمر من يجب عليه طاعته. فإذا كان الظلم ليس إلا هذا أو هذا امتنع الظلم منه. وإما أن يقال: هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه ولإخباره أنه لا يفعله، ولكمال نفسه يمتنع منه وقوع الظلم منه إذ كان العدل والرحمة من لوازم ذاته فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه. على هذا القول، فالذي يفعله لحكمة اقتضت ذلك، كما أن الذي يمتنع منه فعله حكمة تقتضي تنزيهه عنه. وعلى هذا فكل ما فعله علمنا أن له فيه حكمة وهذا يكفينا من حيث الجملة. وإن لم
_________________
(١) أوضح من هذا المثل تعذيب الطبيب للمريض أو الجريح في معالجته لمصلحته
[ ٥ / ٧٢ ]
نعرف التفصيل، وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا. وأما كنه ذاته فغير معلومة لنا، فلا نكذب بما علمناه ما لم نعلمه، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمره، وعدم علمنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها. ونحن نعلم أن من علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفًا بصفاتهم التي استحقوا بها أن يكونوا
من أهل الحساب والطب والنحو لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو، فاعتراضهم في حكمته أعظم جهلًا وتكلفًا للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح في الحساب والطب والنحو بغير علم بشيء من ذلك. ن أهل الحساب والطب والنحو لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته في خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو، فاعتراضهم في حكمته أعظم جهلًا وتكلفًا للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح في الحساب والطب والنحو بغير علم بشيء من ذلك.
وهذا يتبين بالأصل الذي ذكرناه في الكمال وهو قولنا إن الكمال الذي لا نقص فيه الممكن الوجود يجب اتصافه به وتنزيهه عما يناقضه، فيقال خلق بعض الحيوان وفعله الذي يكون سببًا لعذابه هل هو نقص مطلقًا أم يختلف.
وأيضًا فإذا كان في خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل إلا بذلك، فأيما أكمل تحصيل ذلك بتلك الحكمة العظيمة أو تفويتها؟ وأيضًا فهل يمكن حصول الحكمة المطلوبة بدون حصول هذا؟ فهذه أمور إذا تدبرها الإنسان علم أنه لا يمكنه أن يقول خلق فعل الحيوان الذي يكون بسبب لتعذيبه نقص مطلقًا.
والمثبتة للقدر قد تجيب بجواب آخر لكن ينازعهم الجمهور فيه فيقولون كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال بخلاف الذي يكون مأمورًا منهيًا الذي يؤمر بشيء وينهى عن شيء. ويقولون إنما قبح من غيره أن يفعل ما شاء لما يلحقه من الضرر وهو سبحانه لا يجوز أن يلحقه ضرر.
والجمهور يقولون إذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود إليه ولا رحمة وإحسان يعود إلى غيره كان الذي يفعل لحكمة ورحمة أكمل ممن يفعل لا لحكمة ولا لرحمة.
ويقولون إذا قدرنا مريدًا لا يميز بين مراده ومراد غيره ومريدًا يميز بينهما فيريد
[ ٥ / ٧٣ ]
ما يصلح أن يراد وينبغي أن يراد دون ما هو بالضد كان هذا الثاني أكمل.
ويقولون: المأمور المني الذي فوقه آمر ناه هو ناقص بالنسبة إلى من ليس فوقه آمر ناه، لكن إذا كان هو الآمر لنفسه بما ينبغي أن يفعل والمحرم عليها ما لا ينبغي أن يفعل، وآخر يفعل يما يريده بدون أمر ونهي من نفسه. فهذا الملتزم لأمره ونهيه الواقعين على وجه الحكمة أكمل من ذلك وقد قال تعالى (كتب ربكم على نفسه الرحمة) وقال " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مجرمًا فال تظالموا ".
وقالوا أيضًا: إذا قيل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته، وأنه لا مانع له ولا يقدر غيره أن يمنعه مراده، ولا أن يجعله مريدًا، كان هذا أكمل ممن له مانع يمنعه مراده ومعين لا يكون مريدًا أو فاعلًا لما يريد إلا به.
وأما إذا قيل: يفعل ما يريد باعتبار أنه لا يفعل على وجه مقتضى العلم والحكمة بل هو متوسل فيما يفعله، وآخر يفعل ما يريد لكن إرادته مقرونة بالعلم والحكمة كان هذا الثاني أكمل.
وجماع الأمر في ذلك: أن كمال القدرة صفة كمال، وكون الإرادة نافذة لا تحتاج إلى معاون ولا يعارضها مانع وصف كمال.
وأما كون الإرادة لا تميز بين مراد ومراد بل جميع الأجناس عندها سواء فهذا ليس يوصف كمال، بل الإرادة المميزة بين مراد ومراد كما يقتضيه العلم والحكمة هي الموصوفة بالكمال، فمن نقصه في قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره قدره. ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره. والكمال الذي يستحقه إثبات هذا وهذا.