ينهاه عن ذلك فتراه يقصده من بعيد، كما يقول العامة: رجل إلى قدام، ورجل إلى خلف (١) وكذلك إذا كان في دينه نقص وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد أو غير ذلك من المقصودات التي تحب في الدين، وتكرهها النفس، فإنه يبقى قاصدًا لذلك من طريق بعيد: متباطئًا في السير، وهذا كله معلوم بالفطرة.
وكذلك إذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه، بل يريد خطاب المقصود ودعاءه ونحو ذلك. فإنه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها وينال به مقصوده إذا كان القصد تامًا، ولو كان رجلًا في مكان عال، وآخر يناديه لتوجه إليه وناداه ولو حط رأسه في بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنًا، لكن ليس في الفطرة أن يفعل ذلك من يكون قصده إسماعه من غير مصلحة راجحة ولا يفعل نحو ذلك إلا عند ضعف القصد نحوه.
وحديث الأدلاء الذي روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر قد رواه الترمذي وغيره من حديث الحسن عن أبي هريرة وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع، فإن كان ثابتًا فمعناه موافق لهذا (٢) فإن قوله " لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله " إنما هو تقدير مفروض: لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئًا لأنه عال بالذات، وإذا هبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى
_________________
(١) مأخوذ من المثل العربي: مالي أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى
(٢) أن شيخ الإسلام يعلم أن الحديث غير ثابت وتقوية الضعيف للضعيف لا يعتد بها في ثبوت حكم شرعي فعدم الاعتداد بها في صفات الله أولى ولا سيما هذه المتشابهات. ولكنه يجيب عن الاشكال فيه بفرض وقوعه وعبر عنه بقوله إن كان ثابتا لان الأصل في شرط "إن " عدم الوقوع لامتناعه أو لتنزيله منزلة الممتنع كما حققناه في تفسير (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) من جزء التفسير الأول
[ ٤ / ١٢٦ ]
الجهة الأخرى لكن بتقدير فرض الإدلاء، لا يكون ما ذكر من الجزاء.
فهكذا ما ذكره السائل إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة كان هو سبحانه يسمع كلامه، وإن كان متوجهًا إليه بقلبه، لكن هذا ما يمتنع من الفطرة لأن قصده للشيء التام ينافي قصد ضده. فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي الجهة السفلى، فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافي قصده من أسفل، فكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية لأنها عالية فترد الهابط بعلوها، كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز، لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من تلك الناحية، وصعد به إلى الله.
وإنما يسمى هبوطًا باعتبار ما في أذهان المخاطبين أن ما يحاذي أرجلهم يكون هابطًا ويسمى هبوطًا مع تسمية إهباطه إدلاء، وهو إنما يكون إدلاء حقيقيًا إلى المركز، ومن هناك إنما يكون مدخلًا للحبل والدلو لا إدلاء له (١) .
لكن الجزاء والشرط مقدران لا محققان، فإنه قال: لو أدلى لهبط، أي لو فرض أن هناك هبوطًا وهو يكون إدلاء وهبوطًا إذا قدر أن السموات تحت الأرض وهذا التقدير منتف ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب.
وهذا المفروض ممتنع في حقنا لا نقدر عليه، فلا يتصور أن يهبط على الله شيء
_________________
(١) كذا في الأصل والمدح ولا يظهر معناه هنا والذي يقتضيه المقام أن يقال إن ما يمد أو يدفع من مركز الكرة إلى أي جانب من المحيط يكون مده أو دفعه رفعا وإعلاء له لاادالاء لأن المركز هو الاسفل والمحيط هو الأعلى كما تقدم
[ ٤ / ١٢٧ ]
لكن الله قادر على أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل، ولكن لا يكون في حقه إدلاء فلا يكون في حقه هبوطًا عليه، كما لو خرق بحبل من القطب أو من مشرق الشمس إلى مغربها، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض فإن الله قادر على ذلك كله، ولا فرق بالنسبة إليه على هذا التقدير بين أن يخرق من جانب اليمين منا إلى جانب اليسار، أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا، ومن جهة رؤوسنا إلى جهة أرجلنا إذا مر الحبل بالأرض. فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانبه الآخر مع خرق المركز وتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض. فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شيء من ذلك بالنسبة إليه لا إدلاء وهبوطًا.
وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا، وما فوق رؤوسنا فوق لنا، وما ندليه من ناحية رؤوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط (١) فإذا قدر أن أحد أدلى بحبل كان هباطًا على ما هناك، لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا.
والمقصود به بيان إحاطة الخالق تعالى كما بين أنه يقبض السموات ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات، ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث (وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) .
وهذا كله كلام على تقدير صحته فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل العلم بأنه هبط على علم الله.
وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل وهو أنه حال بذاته في كل مكان، أو أن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك.
والتحقيق أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك إن كان ثابتًا، فإن قوله " لو
_________________
(١) قوله نتخيل أنه هابط - انما سمي هذا تخيلا لأن الجهات الست المذكورة أمور نسبية لا حقيقة ثابتة في نفسها
[ ٤ / ١٢٨ ]
دلي بحبل لهبط " يدل على أنه (١) ليس في المدلي ولا في الحبل ولا في الدلو ولا في غير ذلك. وإنما يقتضي أنه من تلك الناحية.
وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية. بل تقدير ثبوته يكون دالًا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة (٢) فليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع، لكن لا نتكلم إلا بما نعلم، وما لم نعلمه أمسكنا عنه، وما كان مقدمة دليله مشكوكًا فيها عند بعض الناس، كان حقه أن يشك فيه حتى يتبين له الحق، وإلا فليسكت عما لا يعلم.
وإذا تبين هذا، فكذلك قصده بقصده إلى تلك الناحية، ولو فرض أنا فعلناه قاصدين له على هذا التقدير لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ممتنع في حقنا لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الإمكان.
ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على تنازع الناس في النية المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب؟ بينا أن الإرادة الجازمة توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد، ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن إرادته جازمة بل يكون همًا " ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه فإن تركها لله كتب له حسنة " ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف ﵇ وهم امرأة العزيز كما قال الإمام أحمد: " الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار، فيوسف ﵇ هم همًا تركه لله
_________________
(١) الضمير راجع إلى الله تعالى يعني أنه لو كان تعالى في هذه الأشياء أو لو كان عينها لما صح التعبير الذي بني على أن هنالك حبلا ودلوا وانسانا مدليا للدلو المعلق بالحبل وأن غاية فعله وصول الحبل إلى الله الذي هو غير ما ذكر
(٢) قوله بالكتاب والسنة متعلق بعلم
[ ٤ / ١٢٩ ]
فأثيب عليه، وتلك همت هم إصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها وإن لم يحصل لها المطلوب ".
والذين قالوا يعاقب بالإرادة احتجوا بقوله ﷺ " إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار " قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال " إنه أراد قتل صاحبه " وفي لفظ " إنه كان حريصًا على قتل صاحبه " فهذا أراد إرادة جازمة وفعل ما يقدر عليه وإن لم يدرك مطلوبه، فهو بمنزله امرأة العزيز، فمتى كان القصد جازمًا لزم أن يفعل القاصد ما يقدر عليه في حصول المقصود، وإذا كان قادرًا على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع مع القصد التام أن يحصله بطريق معكوس بعيد.
ولهذا امتنع في فطر العباد عند ضرورتهم ودعائهم لله تعالى وتمام قصدهم له أن يتوجهوا إليه إلا توجهًا مستقيمًا، فيتوجهون إلى العلو دون سائر الجهات، لأنه الصراط المستقيم القريب، وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما فيه، فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد والسائر المضطر يمتنع أن يتوجه إليه إلا إلى العلو، ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة أخرى، كما يمتنع أن يدلي بحبل يهبط عليه، فهذا هذا والله أعلم.
وأما من جهة الشريعة فإن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديل الفطرة وتغييرها. قال ﷺ في الحديث المتفق عليه " كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء " أي مجتمع الخلق سوية الأطراف ليس فيها نقص كجدع وغيره " هل ترون فيها من نقص؟ هل تحسون فيها من جدعاء ".
وقال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) . فجاءت
[ ٤ / ١٣٠ ]