يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه كما ضربه النبي ﷺ من المثل بالقمر ولله المثل الأعلى وبين أن مثل هذا إذا جاز في القمر وهو آية من آيات الله فالخالق أعلى وأعظم.
وأما إذا قدر أن العرش ليس كري الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه، وإنه فوق الأفلاك الكرية كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري، أو غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرض فوق ما سواه وليس كري الشكل، فعلى كل تقدير لا يتوجه إلى الله إلا إلى العلو لا إلى غير ذلك من الجهات.
فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز أن يكون التوجه إلى الله إلا إلى العلو مع كونه على عرشه مباينًا لخلقه، وسواء قدر مع ذلك أنه محيط بالمخلوقات كما يحيط بها إذا كانت في قبضته أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن يقبضها ويحيط بها فهو على التقديرين يكون فوقها مباينًا لها.
فقد تبين أنه على هذا التقدير في الخالق وهذا التقدير في العرش لا يلزم شيء من المحذور والتناقض، وهذا يزيل كل شبهة. وإنما تنشأ الشبهة من اعتقادين فاسدين (أحدهما) أن يظن أن العرش إذا كان كريًا والله فوقه وجب أن يكون الله كريًا، ثم يعتقد أنه إذا كان كريًا فيصح التوجه إلى ما هو كري كالفلك التاسع من جميع الجهات.
وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال فإن الله تعالى مع كونه فوق العرش ومع القول بأن العرش كري سواء كان هو التاسع أو غيره لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، كما لا يجوز أن يظن أنه مشابه لها في أقدارها، ولا في صفاتها (سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا) .
بل قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك وأنها أصغر عنده من الحمصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا، فإذا كانت الحمصة أو الفلفلة بل الدرهم والدينار، أو الكرة التي يلعب بها الصبيان، ونحو ذلك في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك، هل يتصور عاقل إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته، هل يكون الإنسان كالفلك؟ فالله - وله المثل الأعلى - أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق قدره (والأرض جميعًا
----
[ ٤ / ١٣٥ ]
قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) .
وكذلك اعتقادهم الثاني وهو أن ما كان فلكًا فإنه يصح التوجه إليه من الجهات الست الخطأ باتفاق أهل العقل الذين يعلمون الهيئة وأهل العقل الذين يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل المقصود بحسب الإمكان.
فقد تبين أن كل واحدة من المقدمتين خطأ في العقل والشرع، وأنه لا يجوز أن تتوجه القلوب إليه إلا إلى العلو لا إلى غيره من الجهات على كل تقدير يفرض من التقديرات، سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو غيره، وسواء كان محيطًا بالفلك كري الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريًا، وسواء كان الخالق سبحانه محيطًا بالمخلوقات كما يحيط بها في قبضته أو كان فوقها من جهة العلو منا التي تلي رؤوسنا دون الجهة الأخرى.
فعلى أي تقدير فرض به كان كل من مقدمتي السؤال باطلة وكان الله تعالى إذا دعوناه إنما ندعوه بقصد العلو دون غيره كما فطرنا على ذلك، وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة، والله ﷾ أعلم.
تم كتاب العرش
[ ٤ / ١٣٦ ]
فهرس رسالة
حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود
نص السؤال عن حقيقة مذهب الاتحاديين ٢
فصل في بيان أن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده ٤
" " أن حقيقة قول هؤلاء أن وجود الكائنات هو عين وجود الله ٥
المقالة الأولى مذهب ابن عربي – وله أصلان أولهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم ٦
الأصل الثاني لمذهب ابن عربي أن وجود الاعيان نفس وجود الحق وعينه ١٧
فصل فيما خالفه فيه صاحبه الصدر الرومي وكونه أعلم منه بالكلام وأقل علمًا بالاسلام ١٨
" وأما التلمساني ونحوه فلا يفرق بين ماهية ووجود ٢٣
" واعلم أن هذه المقالات لا أعرفها لأحد قبل هؤلاء ٢٤
مذهب هؤلاء الاتحادية والرد عليها من وجوه يعلم بها أنهم ليسو مسلمين ٢٦
الوجه الأول أن هذه الحقائق الكونية يمتنع أن تكون عين الحق ٢٧
الوجه الثاني في قولهم أنه تجلى لها وظهر بها فلا تقع العين إلا عليه ٢٩
الوجه الثالث والرابع في كلمة أنا وحقيقة النبوة والروح الاضافي ٣٠
" الخامس في قولهم أن لهذه الحقيقة طرفين طرف إلى الحق وطرف إلى الخلق ٣١
" السادس في حيرتهم وتناقضهم فيها كالنصارى في الأقانيم ٣٢
" السابع قوله أن العلويات جفنها الفوقاني والسفليات جفنها التحتاني ٣٦
الوجوه:٨و٩و١٠ في بطلان هذا التشبيه وأخذهم مسألة النفس الكلية عن الفلاسفة ٣٧
الوجوه ١١ في زعمهم أن قولهم هو الحق المتبع وكونه لم يقل به أحد قبلهم ٣٨
وأما ماحكاه عن الذي سماه الشيخ المحقق من أن العالم بمجموعه حدقة عين الله ٣٩
فصل في بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين مذهبه مع بطلانها والرد عليها ٤٦
أدعاؤه مرتبة خاتم الأولياء التي فضلها على مرتبة الأنبياء من بعض الوجوه ٦٣
فصل في بعض ما يظهر به كفرهم ٧٧
" ومن أعظم الأصول التي يعتمدها هؤلاء الاتحادية حديث " كان الله ولا شيء
معه " وهو موضوع بهذا اللفظ الذي يستدلون به على كفرهم ٩٣
" في قولهم بايمان فرعون وتحريفهم ماورد في كفره من الآيات الصريحة ٩٨
[ ٤ / ١٣٧ ]
فهرس
كتاب عرش الرحمن
استفتاء شيخ الإسلام في العرش وما قيل من كونه هو الفلك التاسع عند أهل الهيئة،
وكيف يتفق ذلك مع صفة العلو لله تعالى والاستواء على العرش وما اتفقت عليه الملة
من أن السماء هي قبلة الدعاء وان الله تعالى لا يتوجه اليه إلا في جهة العلو
(جواب شيخ الإسلام وهو في ثلاثة مقامات)
١٠٤ المقام الأول أنه لم يثبت أن العرش هو الفلك التاسع، وأن الحوادث ناشئة
عن حركة الأفلاك
١٠٩ الأحاديث في صفة العرش المنافية لذلك كزنته واهتزازه وقوائمه
١١٢ تشبيه العرش بالقبة لا يفيد كونه فلكا
١١٤ ما جهل البشر من سنن الكون وعلومه أكثر مما يعلمون
١١٦ المقام الثاني، العالم العلوي والسفلي في غاية الصغر بالنسبة إلى الخالق تعالى
١٢٠ المقام الثالث في الكلام على العرش وكريته وإحاطته
١٢١ كرية الأرض قطعية لا ظنية أسفلها مركزها وأعلاها سطحها
١٢٣ كون أعلى الفلك وكل جسم كري محيطه وأسفله مركزه وغلط من توهم
أن نصف الفلك تحت الأرض
١٢٦ حديث " لو أدلى أحدكم بحبل إلخ "ومعناه على فرض صحته
١٣١ اقتضاء الفطرة ما تأمر به الشريعة من توجه الداعي لله إلى العلو
١٣٢ مخالفة الجهمية للفطرة والشرع في انكار علو الله ﷿
١٣٤ موافقة ما جاءت به الرسل للعقل الصحيح من التوجه إلى الله تعالى في جهة
العلو بغير تشبيه ولا تمثيل ولا حصر
١٣٥ ضلال من يشبه الله تعالى من خلقه في علو واحاطته بخلقه وغير ذلك من
صفاته في كتابه وسنة رسوله - ﷺ
[ ٤ / ١٣٨ ]