فتاوى لابن تيمية
بسم الله الرحمن الرحيم
وقال ﵀ ورضي عنه في رجل تزوج بنتًا بكرًا بالغًا ودخل بها فوجدها بكرًا ثم إنها ولدت ولدًا بعض مضي ستة أشهر بعد دخوله بها فهل يلحق به الولد أم لا وأن الزوج حلف بالطلاق منها أن الولد ولده من صلبه فهل يقع به الطلاق أم لا والولد ابنًا سويًا كامل الخلقة وعمر سنين؟ أفتونا مأجورين.
أجاب ﵁: الحمد لله، إذ ولدته لأكثر من ستة أشهر من حين دخل بها ولو بلحظة لحقه الولد باتفاق الأئمة ومثل هذه القصة وقعت في زمن عمر بن الخطاب ﵁ واستدل الصحابة على إمكان كون الولد يولد لستة أشهر بقوله تعالى: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا " مع قوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فإذا كان مدة الرضاع من الثلاثين حولين يكون الحمل ستة أشهر فجمع في الآية أقل الحمل وتمام الرضاع ولو لم يستلحقه فكيف إذا استلحقه وأقر به بل لو استلحق مجهول النسب وقال إنه ابني لحقه باتفاق المسلمين إذا كان ذلك ممكنًا ولم يذع به أنه ابنه كان بارًا في يمينه ولا حنث عليه والله أعلم.
[ ١ / ٢١٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم: مسألة في الفقر والتصوف: صورتها. ما تقول الفقهاء ﵃ في رجل يقول: إن الفقر لم يتعبد به، ولم نؤمر به، ولا جسم له، ولا معنى وأنه غير سبيل موصل إلى رضى الله تعالى وإلى رضى رسوله وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأن أصل كل شيء العلم والتعبد والعمل به، والتقوى والورع عن المحارم، والفقر المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو الزهد في الدنيا، والزهد في الدنيا يفيده العلم الشرعي فيكون الزهد في الدنيا العمل بالعلم وهذا هو الفقر، فإذًا الفقر فرع من فروع العلم، والأمر على هذا، وما ثم طريق أوصل من العلم، والعمل بالعلم على ما صح وثبت عن النبي ﷺ ويقول إن الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزي المشروع في هذه الأعصار من الزي والألفاظ والاصطلاح المعتادة غير مرضي لله ولا لرسوله، فهل الأمر كما قال، أو غير ذلك؟ أفتونا مأجورين.
نسخة جواب الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵁:
الحمد لله، أصل هذه المسألة أن الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه مثل لفظ الإيمان والبر والتقوى والصدق والعدل، والإحسان والصبر، والشكر والتوكل والخوف والرجاء والحب لله والطاعة لله وللرسول وبر الوالدين والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ورسوله من القلب والبدن، فهذه الأمور التي يحبها الله ورسوله هي الطريق الموصل إلى الله مع ترك ما نهى الله
[ ١ / ٢١٨ ]
عنه ورسوله كالكفر والنفاق والكذب والإثم والعدوان والظلم والجزع والهلع والشرك والبخل والجبن وقسوة القلب والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر الله به ورسوله فيفعله وما نهى الله عنه ورسوله فيتركه، هذا هو طريق الله وسبيله ودينه والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا الصراط المستقيم يشتمل على علم وعمل، علم شرعي وعمل شرعي فمن علم ولم يعمل بعلمه كان فاجرًا ومن عمل بغير العلم كان ضالًا وقد أمرنا سبحانه أن نقول " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ".
قال النبي ﷺ: " اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون " وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به والنصارى عبدوا الله بغير علم، ولهذا كان السلف يقولون احذر فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، وكانوا يقولون: من فسد من العلماء شبه باليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلًا وأضل منهما من سلك في العلم طريق أهل البدع فيتبع أمورًا تخالف الكتاب والسنة يظنها علومًا وهي جهالات، وكذلك من سلك في العبادة طريق أهل البدع فيعمل أعمالًا تخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهي ضلالات فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر، يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة، وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل يكون كلاهما موافق الشريعة فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يسلك بعلم
[ ١ / ٢١٩ ]
يوافق الشريعة، وإلا كان ضالًا عن الطريق، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه، والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه وإلا كان فاجرًا، ضالًا عن الطريق، فهذا هو الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم.
وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله فهو من عمل الجاهلية، ومن أضل ممن اتبع بغير هدى من الله، ولا ريب أن لفظ الفقر في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس طريق الله، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك، بل الفقر عندهم ضد الغنى، والفقراء الذين ذكرهم الله في قوله: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " وفي قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله " وفي قوله: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم " والغني هو الذي لا يحل له أخذ الزكاة، أو الذي يجب عليه الزكاة، أو ما يشبه هذا، لكن لما كان الفقر مظنة الزهد طوعًا أو كرهًا، إذ من العصمة أن لا تقدر، وثار المتأخرون كثيرًا ما يقرنون بالفقر معنى الزهد، والزهد قد يكون مع الغنى، وقد يكون مع الفقر، ففي الأنبياء والسابقين الأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير.
والزهد المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع، بل ترك الفضول التي تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع، وكذلك في أثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ الصوفي، لأن لبس
[ ١ / ٢٢٠ ]
الصوف يكثر في الزهاد، ومن قال أن الصوفي نسبة إلى الصفة أو الصفاء أو الصف الأول أو صوفة بن مر بن إد بن طابخة أو صوفة القفا، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى. لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر، ولا يفرق بين البر والفاجر، أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار، ولا يفرق بين آخرين إتباعًا لظنه وما يهواه، فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار، ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه.
ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر وكان من القدرية كالمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوسوا هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضًا فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا التقسيم من القول والاعتقاد وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور فهو عند الأمر والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى المخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد: " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأن عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء
[ ١ / ٢٢١ ]
بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم: أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك
فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا ما غفرت لي.
وفي الحديث الصحيح الإلهي " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع، وآخرون قد يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم، من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر، وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله وإتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينه.
والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكوني وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل القدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام: أحدها: أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم أهل السعادة في الدنيا والآخرة.
والثاني: الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين
[ ١ / ٢٢٢ ]
يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه.
والثالث: قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يجعل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرياسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها كثير من الناس.
وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يعبدون
في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون علوًا في الأرض أو فسادًا من طلاب الرياسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرًا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور، وفعلوه من المحظور، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصبه من المصائب كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر.
وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى: " أن الإنسان خلق هلوعًا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا " فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك
[ ١ / ٢٢٣ ]
وحبوك استرحموك ودخلوا فيما يدفعون به من أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسؤول وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبًا وأقلهم رحمة وإحسانًا وعفوًا كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وإن كان متظاهرًا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيهًا لهم من هذا الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في خطبة: " خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وإذ كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف، كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق، والكامل هو من كان لله أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر، فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه، وصبرًا على ما قدره وقضاه، كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك.
وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعًا في غير موضع من كتابه وبين أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاهدين والمنافقين وعلى من
[ ١ / ٢٢٤ ]
ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة لله تعالى: " بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وقال الله تعالى: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور "، وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله. وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم حسنة تسوؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط ".
وقال أخوة يوسف له: " إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عمومًا وخصوصًا فقال تعالى: " واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين " وفي إتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقًا لخير الله وطاعة لأمره، وقال تعالى: " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ".
وقال تعالى: " فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار ". وقال تعالى: " فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقبل غروبها ومن آناء الليل ".
وقال تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ".
وقال تعالى: " استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى: " وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ". وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضًا رباعية إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كاهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كاهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كاهل القسوة والهلع. والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قويًا من غير عنف، لينًا من غير ضعف، فبصبره يقوى وبلينه يرحم، وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر، وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي ﷺ: " إنما يرحم الله من عباده الرحماء " وقال: " من لا يَرحم لا يُرحم " وقال: " لا تنزع الرحمة إلا من شقي " " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " والله أعلم. انتهى.
بسم الله الرحمن الرحيم: فصل: في شروط عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه التي شرطها على أهل الذمة لما قدم الشام وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار، وعليها العمل عند أئمة المسلمين لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم
[ ١ / ٢٢٦ ]
ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر " لأن هذا صار إجماعًا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين لا يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة رسوله، وهذه الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة.
منها ما رواه سفيان الثوري عن مسروق بن عبد الرحمن بن عتبة قال: كتب عمر حين صالح نصارى الشام كتابًا وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدنهم ولا ما حولها ديرًا ولا صومعة ولا كنيسة ولا قلاية لراهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤوا جاسوسًا ولا يكتموا غش المسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركًا ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إن أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجًا ولا يتقلدوا سيفًا ولا يتخذوا شيئًا من سلاح ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًا ولا يرفعوا أصواتهم بقراءتهم في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، فإن
[ ١ / ٢٢٧ ]
خالفوا شيئًا مما اشترطوا عليهم فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
وأما ما يرويه بعض العامة عن النبي ﷺ أنه قال: " من آذى ذميًا فقد آذاني " فهذا كذب على رسول الله ﷺ لم يروه أحد من أهل العلم وكيف ذلك وأذاهم قد يكون بحق وقد يكون بغير حق بل قد قال الله تعالى: " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " فكيف يحرم أذى الكفار مطلقًا وأي ذنب أعظم من الكفر، ولكن في سنن أبي داود عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ قال: " إن الله لم يأذن لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتب إلا بإذن، ولا ضرب أبشارهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذين عليهم ".
وكان عمر بن الخطاب يقول: أذلوهم ولا تظلموهم.
وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم عن رسول الله ﷺ قال: " إلا من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ".
وفي سنن أبي داود عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " ليس على مسلم جزية، ولا تصلح قبلتان بأرض " وهذه الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتنوعة وغيرها في كتبهم واعتمدوها فقد ذكروا أن على الإمام أن يلزم أهل الذمة بالتمييز عن المسلمين في لباسهم، وشعورهم وكتبهم وركوبهم، بأن يلبسوا ثوبًا يخالف ثياب المسلمين كالعسلي، والأزرق والأصفر والأدكن، ويشدوا الخرق في قلانسهم وعمائمهم والزنانير فوق ثيابهم، وقد أطلق طائفة من
[ ١ / ٢٢٨ ]
العلماء أنهم يؤخذون باللبس وشد الزنانير جميعًا، ومنهم من قال: هذا يجب إذا شرط عليهم، وقد تقدم عمر بن الخطاب ﵁ ذلك عليهم جميعًا حيث قال: ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا غيرها من عمامة ولا نعلين إلى أن قال: ويلزمهم بذلك حيثما كانوا ويشدوا الزنانير على أوساطهم.
وهذه الشروط يجددها عليهم من يوفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين كما جدد عمر بن عبد العزيز في خلافته وبالغ في إتباع سنة عمر بن الخطاب حيث كان من العلم والعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله بها عن غيره من الأئمة، وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما وأمروا بهدم الكنائس التي ينبغي هدمها كالكنائس التي بالديار المصرية كلها ففي وجوب هدمها قولان ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت ولو أقرت بأيديهم لكونهم أهل الوطن كما أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر ثم ظهرت شعائر المسلمين فيما بعد في تلك البقعة بحيث بنيت فيها المساجد فلا يجتمع شعائر الكفر مع شعائر الإسلام كما قال النبي ﷺ: " لا يجتمع قبلتان بأرض " ولهذا شرط عليهم عمر والمسلمون أن لا يظهروا شعائر دينهم وأيضًا فلا نزاع بين المسلمين أن أرض المسلمين لا يجوز أن تحبس على الديارات والصوامع ولا يصح الوقف عليها بل لو وقفها ذمي وتحاكم إلينا لم يحكم بصحة الوقف فكيف نحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التي يشرك فيها بالرحمن ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب وكان من سبب إحداث هذه الكنائس وهذه الأحباس عليها شيئان: أحدهما أن بني
[ ١ / ٢٢٩ ]
عبيد الله القداح الذين كان ظاهرهم الرفض، وباطنهم النفاق يستوزرون تارة يهوديًا وتارة نصرانيًا واجتلب ذلك النصراني خلقًا كثيرًا وبنى كنائس كثيرة.
والثاني استيلاء الكتاب من النصارى على أموال المسلمين فيدلسون فيها على المسلمين ما يشاؤون، والله أعلم. قاله أحمد بن تيمية.
بسم الله الرحمن الرحيم: مسألة فيمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى في النيروز ويفعل سائر المواسم مثل الغطاس، والميلاد وخميس العدس، وسبت النور، ومن يبيعهم شيئًا يستعينون به على أعيادهم أيجوز للمسلمين أن يفعلوا شيئًا من ذلك أم لا؟ الجواب: الحمد لله، لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام، ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصه، وأما إذ أصابه المسلمون قصدًا فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر
[ ١ / ٢٣٠ ]
الكفر.
وقال طائفة منهم من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرًا.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من تأسى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة.
وفي سنن أبي داود عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببوانة فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي ﷺ: " هل كان فيها من وثن يعبد من دون الله من أوثان الجاهلية؟ " قال: لا، قال: " فهل كان فيها عيد من أعيادهم " قال: لا، قال رسول الله ﷺ: " أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم " فلم يأذن النبي ﷺ أن يوفي بنذره مع أن الأصل في الوفاء أن يكون واجبًا حتى أخبره أنه لم يكن بها عيد من أعياد الكفار، وقال: " لا وفاء لنذر في معصية الله " فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف بمشاركتهم في نفس العيد، بل قد شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في دار المسلمين وإنما يعملونه سرًا في مساكنهم فكيف إذا أظهرها المسلمون حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تتعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخط ينزل عليهم، وإذا كان الداخل لفرجة أو غيرها نهي عن ذلك لأن السخط ينزل عليهم فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم مما هي من شعائر دينهم؟ وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: " والذين لا يشهدون الزور " قالوا أعياد الكفار فإذا كان هذا في شهودها من غير فعل، فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها؟
[ ١ / ٢٣١ ]
وقد روي عن النبي ﷺ في المسند والسنن أنه قال: " من تشبه بقوم فهو منهم " وفي لفظ " ليس منا من تشبه بغيرنا " وهو حديث جيد فإذا كان هذا في التشبه بهم وإن كان في العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالًا له فيما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب، وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا: إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحمًا، ولا دمًا ولا ثوبًا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين على ذلك لأن الله تعالى يقول: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " ثم إن المسلم لا يحل له أن يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ذلك فكيف على ما هو من شعائر الكفر؟ وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك، والله أعلم.
قاله أحمد بن تيمية.
[ ١ / ٢٣٢ ]