فأمره أن يقول: " نزله روح القدس من ربك بالحق " والضمير في قوله " نزله " عائد على " ما " في قوله " بما ينزل " فالمراد به القرآن كما يدل عليه سياق الكلام، وقوله: " والله أعلم بما ينزل " فيه إخبار بأنه أنزله، لكن ليس في هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ولا أنه منزل منه.
ولفظ الإنزال في القرآن قد يرد مقيدًا بالإنزال منه كنزول القرآن، وقد يرد مقيدًا بالإنزال من السماء ويراد به العلو، فيتنازل نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك، وقد يرد مطلقًا فلا يختص بنوع من الإنزال بل ربما يتناول الإنزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى: " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد " والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء وغير ذلك فقوله " نزله روح القدس من ربك " بيان لنزول جبريل من الله ﷿، فإن روح القدس هنا هو جبريل بدليل قوله تعالى: " من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله " وهو الروح الأمين كما في قوله تعالى " وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به روح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين " وفي قوله الأمين دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص، فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما قال تعالى في صفته في الآية الأخرى: " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين ".
وفي قوله " منزل من ربك " دلالة على أمور: منها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة والبخارية والضرارية وغيرهم، فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة جهميًا، فإن جهمًا أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات، وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك
[ ٣ / ٨٩ ]
والدعوة إليه، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك، فإن الجعد أول من أحدث ذلك في الإسلام فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر، وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا " ثم نزل فذبحه، ولكن المعتزلة إن وافقوا جهمًا في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك، كمسائل الإيمان والقدر وبعض مسائل الصفات أيضًا، ولا يبالغون في النفي مبالغته، وجهم يقول: إن الله لا يتكلم أو يقول أنه متكلم بطريق المجاز، وأما المعتزلة فيقولون أنه يتكلم حقيقة لكن قولهم في المعنى هو قول جهم، وجهم ينفي الأسماء أيضًا كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، وأما جمهور المعتزلة فلا تنفي الأسماء.
فالمقصود أن قوله " منزل من ربك " فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من المخلوقات، ولهذا قال السلف: منه بدأ، أي هو الذي تكلم به لم يبتدئ من غيره كما قال الخلقية.
ومنها أن قوله " منزل من ربك " فيه بطلان قول من يجعله فاض على نفس النبي من العقل الفعال أو غيره (١) كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة وهذا القول أعظم كفرًا وضلالًا من الذي قبله.
ومنها أن هذه الآية أيضًا تبطل قول من قال أن القرآن العربي ليس منزلًا
_________________
(١) هذا يشبه قول بعض فلاسفة أوربة أن وحي الأنبياء يفيض من أنفسهم في أحوال مخصوصة تستولي عليها وتستغرق ادراكها ووجدانها كاستيلاء كراهة الوثنية على نبينا ﷺ. ويرده أن الوحي إليه لم يكن مقصودًا على إبطال الوثنية وخرافاتها واثبات التوحيد وما يناسبه من العبادات والفضائل، بل فيه من أخبار الغيب الماضية والآتية ومن الحكمة وأصول التشريع مالا يعقل أن يكون نابعا من نفس رجل أمي ولا متعلم. وإنما يعقل أن يكون وحيا من عالم الغيب والشهادة
[ ٣ / ٩٠ ]
من الله بل مخلوق إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون: القرآن العربي ليس هو كلام الله وإنما كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام: الهواء أو غيره، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمد فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون جبريل أخذه من اللوح المحفوظ أو غيره.
فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع هذا القول، فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولًا قبل أن يصل إلينا، وهذا القول يوافق قول المعتزلة ونحوهم في إثبات خلق القرآن العربي، وكذلك التوراة العبرية، ويفارقه من وجهين: أحدهما أن أولئك يقولون أن المخلوق كلام الله وهم يقولون إنه ليس كلام الله لكن يسمى كلام الله مجازًا هذا قول أئمتهم وجمهورهم، وقال طائفة من متأخريهم: بل لفظ الكلام يقال على هذا وهذا بالاشتراك اللفظي، لكن لفظ هذا الكلام ينقض أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به، ومع هذا لا يقولون أن المخلوق كلام الله حقيقة كما يقولوه المعتزلة مع قولهم أنه كلام حقيقة، بل يجعلون القرآن العربي كلامًا لغير الله وهو كلام حقيقة، وهذا شر من قول المعتزلة وهذا حقيقة قول الجهمية، ومن هذا الوجه نقول: المعتزلة أقرب، وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة، لكن المعتزلة في المعنى موافقون لهؤلاء وإنما ينازعونهم في اللفظ الثاني أن هؤلاء يقولون: لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته والخلقية يقولون لا يقوم بذاته كلام، ومن هذا الوجه الكلابية خير من الخلقية في الظاهر، لكن جمهور الناس يقولون إن أصحاب هذا القول عند التحقيق لم يثبتوا كلامًا له حقيقة غير المخلوق، فإنهم يقولون إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، ومنهم من قال هو خمس معان.
[ ٣ / ٩١ ]
وجمهور العقلاء أن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطؤ واتفاق كما في الأخبار المتواترة، وأما مع التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدًا، وقد يتفقون على جحد الضرورات وإن لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولم يفهم حقيقة القول الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ومحبته ليصير (١) ذلك القول كما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها بالضرورة.
وقال جمهور العقلاء: نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن ذلك معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا (٢) وكذلك معنى " قل هو الله أحد " ليس هو معنى " تبت يدا أبي لهب "، ولا معنى آية الكرسي معنى آية الدين، وقالوا: إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة، فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي.
ثم منهم من قال الناس في الصفات إما مثبت لها قائل بالتعدد وإما ناف بها، وأما إثباتها واتحادها فخلاف الإجماع، وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأبي المعالي وغيرهما، ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبي حسن الآمدي وغيره.
والمقصود هنا أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول كما تثبت بطلان غيره فإن قوله " نزله روح القدس من ربك " يقتضي نزول القرآن من ربه والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه، بدليل قوله " فإذا قرأت القرآن " وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المحددة، وأيضًا فضمير المفعول في قوله " نزله "
_________________
(١) كذا في الأصل ولعله لنصر ذلك القول
(٢) بياض بالأصل قليل، يظهر أنه موضع شاهد كالشواهد التي بعده
[ ٣ / ٩٢ ]
عائد إلى " ما " في قوله " والله أعلم بما ينزل " فالذي أنزله الله هو الذي نزله روح القدس، فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزله من الله، فلا يكون شيء منه نزله من عين من الأعيان المخلوقة ولا نزله من نفسه.
وأيضًا فإنه قال عقب هذه الآية " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذين يلحدون إليه أعجمي " الآية. وهم كانوا يقولون إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر، ولم يكونوا يقولون إنما يعلمه بشر معانيه فقط، بدليل قوله " لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " فإنه تعالى أبطل قول الكفار بأن لسان الذي ألحدوا إليه فجعلوه هو الذي يعلم محمدًا القرآن لسان أعجمي، والقرآن لسان عربي مبين، فلو كان الكفار قالوا يعلمه معانيه فقط لم يكن هذا ردًا لقولهم، فإن الإنسان قد يتعلم من الأعجمي شيئًا بلغة ذلك الأعجمي ويعبر عنه بعباراته، وقد اشتهر في التفسير أن بعض الكفار كانوا يقولون هو تعلمه من شخص كان بمكة أعجمي، قيل إنه كان مولى لابن الحضرمي.
وإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل به روح القدس بشرًا والله أبطل ذلك بأن لسان ذاك أعجمي وهذا لسان عربي مبين، علم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين، وأن محمدًا لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل به من الله، علم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله أن القرآن الذي هو اللسان العربي المبين سمعه روح القدس من الله، وكذلك قوله " هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا " الآية. والكتاب اسم للكلام العربي بالضرورة والاتفاق، فإن الكلابية أو بعضهم يفرق بين كلام الله وكتاب الله، فيقول كلام الله هو المعنى القائم بالذات وهو غير مخلوق، وكتابه هو المنظوم المؤلف العربي وهو المخلوق، والقرآن يراد به تارة وهذا وتارة هذا، والله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآنًا وكتابًا وكلامًا، فقال تعالى
[ ٣ / ٩٣ ]
" تلك آيات القرآن وكتاب مبين " وقال " طسم، تلك آيات الكتاب المبين " وقال " وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن " الآية، فبين أن الذي سمعوه هو القرآن وهو الكتاب وقال " بل هو قرآن " الآية، وقال " إنه لقرآن كريم " الآية وقال " يتلو صحفًا " الآية، وقال " والطور " الآية، وقال " ولو نزلنا عليك كتابًا " الآية، لكن لفظ الكتاب قد يراد به المكتوب فيكون هو الكلام وقد يراد به ما يكتب فيه كقوله " إنه لقرآن كريم " الآية، وقال " ونخرج له يوم القيامة كتابًا " الآية.
والمقصود هنا أن قوله " وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا " يتناول نزول القرآن العربي على كل قول، وقد أخبر أن " الذين آتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " إخبار مستشهد بهم لا مكذب لهم. وقال إنهم يعلمون ذلك لم يقل إنهم يظنونه أو يقولونه، والعلم لا يكون إلا حقًا مطابقًا للمعلوم بخلاف القول والظن الذي ينقسم إلى حق وباطل، فعلم أن القرآن العربي ينزل من الله لا من الهواء ولا من اللوح ولا من جسم آخر ولا من جبريل ولا محمد ولا غيرهما، وإذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرًا منه من هذا الوجه.
وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله " إنا أنزلناه في ليلة القدر " أنه أنزله إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى " بل هو قرآن مجيد " الآية. وقال " إنه لقرآن كريم " الآية، وقال: " إنها تذكرة " الآية، وقال " وإنه في أم الكتاب " الآية، وكونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو غير ذلك، وإذا كان قد أنزله مكتوبًا إلى
[ ٣ / ٩٤ ]
بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله تعالى يعلم ما كان وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون، وهو سبحانه قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها، كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة وآثار السلف، ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها، فيقابل من الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنها فلا يكون بينهما تفاوت، هكذا قال ابن عباس وغيره من السلف وهو حق، فإذا كان ما يخلقه ثابتًا عنه قبل كتبه أن يخلقه فكيف يستبعد أن يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم به.
ومن قال إن جبريل أخذ القرآن عن الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلًا من وجوه: منها أن يقال إن الله تعالى كتب التوراة لموسى بيده فبنوا إسرائيل أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو سبحانه فيه (١)، فإن كان محمد أخذه من جبريل وجبريل عن الكتاب كان بنو إسرائيل أعلا من محمد بدرجة، ومن قال إنه ألقي إلى جبريل معاني وأن جبريل عبر عنها بالكلام العربي، فقوله يستلزم أن يكون جبريل ألهمه إلهامًا، وهذا الإلهام يكون لآحاد المؤمنين كما قال تعالى: " وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي " وقال " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " وقد أوحى إلى سائر النبيين، فيكون هذا الوحي الذي لا يكون لآحاد الأنبياء والمؤمنين أعلا من أخذ محمد القرآن عن جبريل لأن جبريل الذي علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء، ولهذا زعم ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، قال: لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، فجعل أخذه وأخذ الملك الذي جاء إلى الرسول من معدن واحد، وادعى أن أخذه عن الله أعلا من أخذ الرسول للقرآن، ومعلوم أن هذا من أعظم الكفر، وإن هذا القول من جنسه.
_________________
(١) الذي عندهم أن الذي كتبه الله في الألواح هو الوصايا العشر لاكل ما يسمونه التوراة
[ ٣ / ٩٥ ]
وأيضًا فالله تعالى يقول " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح " الآية. ففضل موسى بالتكليم على غيره ممن أوحى إليهم، وهذا يدل على أمور على أن الله يكلم عبده تكليمًا زائدًا على الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص، فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى عام وخاص، والتكليم العام هو المقسم في قوله " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا " الآية، والتكليم المطلق هو قسيم الوحي الخاص ليس قسمًا منه، وكذلك لفظ الوحي قد يكون عامًا فيدخل فيه التكليم الخاص كما في قوله لموسى " فاستمع لما يوحى " وقد يكون قسيم التكليم الخاص كما في سورة الشورى، وهذا يبطل قول من يقول الكلام معنى واحد قائم بالذات، فإنه حينئذ لا فرق بين التكليم الذي خص به موسى، والوحي العام الذي هو لآحاد العباد، ومثل هذا قوله في الآية الأخرى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء " فإنه فرق بين الإيحاء وبين التكليم وراء من حجاب وبين إرسال الرسول يوحى بإذنه ما يشاء، فدل على أن التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى أمر غير الإيحاء.
وأيضًا فقوله " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " وقوله " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " وقوله " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " وأمثال ذلك يدل على أنه منزل من الله لا من غيره، وكذلك قوله تعالى " بلغ ما أنزل إليك من ربك " فإنه يدل على أنه مبلغ ما أنزل إليه من ربه وأنه مأمور بتبليغ ذلك.
وأيضًا فهم يقولون أنه معنى واحد فإن كان موسى سمع جميع المعنى فقد سمع جميع كلام الله، وإن كان سمع البعض فقد استمع بعضه فقد تبعض، وكلاهما ينقض قولهم، فإنهم يقولون أنه معنى واحد ولا يتعدد ولا يتبعض، فإن كان ما سمعه موسى والملائكة هو ذلك المعنى كله كان كل منهم علم جميع كلام الله وكلامه متضمن لجميع خبره وجميع أمره فيلزم أن يكون كل واحد ممن كلمه الله
[ ٣ / ٩٦ ]
وأنزل عليه شيئًا في كلامه عالمًا بجميع أخبار الله وأوامره وهذا معلوم الفساد بالضرورة، وإن كان الواحد من هؤلاء إنما سمع بعضه فقد تبعض كلامه وذلك يناقض قولهم.
وأيضًا فقوله " وكلم الله موسى تكليمًا " وقوله " ولما جاء موسى لميقاتنا " وقوله تعالى " وناديناه من جانب الطور الأيمن " وقوله " فلما أتاها نودي " الآيات دليل على تكليم موسى، والمعنى المجرد لا يسمع بالضرورة، ومن قال إنه يسمع فهو مكابر - ودليل أنه ناداه والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا لا يعقل في لغة العرب لفظ النداء بغير صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازًا، وقد قال تعالى " فلما جاءها نودي أن بورك من في النار - إلى قوله - رب العالمين ".
وأيضًا فقوله " فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك " وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي ولم يناد قبل ذلك و" لما " فيها من معنى الظرف، كما في قوله " وإنه لما قام عبد الله يدعوه " ومثل هذا قوله " ويوم يناديهم فيقول أين شرائي الذين كنتم تزعمون " " ويم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين " فإن النداء وقت بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه.
ومثل هذا قوله تعالى " وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " وقوله " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته، ومن هؤلاء من قال إنه معنى واحد لأن الحروف والأصوات متعاقبة يمتنع أن تكون قديمة، ومنهم من قال بل الحروف والأصوات قديمة الأعيان وأنها مترتبة في مقارنة وجودها لم تزل ولا تزال قائمة بذاته.
[ ٣ / ٩٧ ]
ومنهم من قال بل الحروف قديمة الأعيان بخلاف الأصوات، وكل هؤلاء يقولون أن التكليم والنداء ليس إلا مجرد خلق إدراك في المخلوق بحيث يسمع ما لم يزل ولا يزال لا أنه يكون هناك كلام يتكلم الله به بمشيئته وقدرته ولا تكليم بكلام الله بمشيئته وقدرته، بل تكليمه عندهم جعل العبد سامعًا لما كان موجودًا قبل سمعه بمنزلة ما يجعل الأعمى بصيرًا لما كان موجودًا قبل رؤيته من غير إحداث شيء منفصل عنه، وعندهم لما جاء موسى لميقات ربه سمع النداء القديم، لا إنه حينئذ نودي، ولهذا يقولون إنه يسمع كلامه لخلقه بدل قول الناس يكلم خلقه، وهؤلاء يردون على الخلقية الذين يقولون القرآن مخلوق ويقولون عن أنفسهم أنهم أهل السنة الموافقون للسلف الذين قالوا القرآن كلام الله غير مخلوق وليس قولهم قول السلف لكن قولهم أقرب إلى قول السلف من وجه.
أما كون قولهم أقرب فأنهم يثبتون كلامًا قائمًا بنفس الله وهذا قول السلف بخلاف الخليقة الذين يقولون ليس كلامه إلا ما خلقه في غيره، فإن قول هؤلاء مخالف لقول السلف، وأما كون الخلقية أقرب فلأنهم يقولون أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وهذا قول السلف، وهؤلاء عندهم لا يقدر الله على شيء من كلامه فليس كلامه بمشيئته واختياره بل كلامه عندهم كحياته، وهم يقولون الكلام عندنا صفة ذات لا صفة فعل، والخلقية يقولون صفة فعل لا صفة ذات، ومذهب السلف أنه صفة فعل وصفة ذات معًا، فكل منهما موافق للسلف من وجه دون وجه.
واختلافهم في أفعاله ومسائل القدر بنسبة اختلافهم في كلامه تعالى فإن المعتزلة أنه يفعل لحكمة مقصودة وإرادة الإحسان إلى العباد، لكن لا يثبتون لفعله حكمة تعود إليه، وأولئك يقولون لا يفعل لحكمة ولا لمقصود أصلًا فأولئك أثبتوا حكمة لكن لا تقوم به، وهؤلاء لا يثبتون له قصدًا يتصف به
[ ٣ / ٩٨ ]
ولا حكمة تعود إليه، وكذلك في الكلام أولئك أثبتوا كلامًا هو فعله لا يقوم به، وهؤلاء يقولون ما لا يقوم به لا تعود حكمته إليه، والفريقان يمنعون أن تقوم به حكمة مرادة له، كما يمنع الفريقان أن يقوم به كلام وفعل يريده، وقول أولئك أقرب إلى قول السلف والفقهاء إذ أثبتوا الحكمة والمصلحة في أفعاله وأحكامه، وأثبتوا كلامًا يتكلم به بقدرته ومشيئته، وقول هؤلاء أقرب إلى قول السلف إذ أثبتوا الصفات وقالوا: لا يوصف بمجرد المخلوق المفصل عنه الذي لم يقم به أصلًا، ولا يعود إليه حكم شيء لم يقم به، فلا يكون متكلمًا بكلام لم يقم به، ولا قديرًا بقدرة لم تقم به، فكل من المعتزلة والأشعرية في مسائل كلام الله وأفعال الله وافقوا السلف والأئمة من وجه وخالفوهم من وجه، وليس قول أحدهم قول السلف دون الآخر، لكن الأشعرية في جنس مسائل الصفات والقدر أقرب إلى قول السلف والأئمة من المعتزلة.
فإن قيل: فقد قال تعالى " إنه لقول رسول كريم " وهذا يدل على أن الرسول أحدث الكلام العربي، قيل: هذا باطل، وذلك أن الله ذكر هذا في موضعين والرسول في أحد الموضعين محمد والرسول في الآية الأخرى جبريل، قال تعالى في سورة الحاقة " إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلًا ما تؤمنون " الآية، فالرسول هنا محمد ﷺ، وقال في سورة التكوير " إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين " فالرسول هنا جبريل، فلو كان أضافه إلى الرسول لكونه أحدث حروفه أو أحدث منه شيئًا لكان الخبران متناقضين، فإنه إن كان أحدهما الذي أحدثها امتنع أن يكون الآخر هو الذي أحدثها.
وأيضًا فإنه قال " لقول رسول كريم " ولم يقل لقول ملك ولا نبي، ولفظ الرسول يستلزم مرسلًا له، فدل ذلك على أن الرسول مبلغ له عن مرسله لا إنه أنشأ منه شيئًا من جهة نفسه، وهذا يدل على أنه أضافه إلى الرسول لأنه بلغه وأداه، لا لأنه أنشأ منه شيئًا وابتدأه
[ ٣ / ٩٩ ]
وأيضًا فإن الله قد كفر من جعله قول البشر بقوله " إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر " (١)، ومحمد بشر، فمن قال إنه قول محمد فقد كفر، ولا يفرق بين أن يقول بشر أو جني أو ملك، فمن جعله قولًا لأحد من هؤلاء فقد كفر، ومع هذا فقد قال " إنه لقول رسول كريم، ما هو بقول شاعر " فجعله قول الرسول البشري مع تكفيره من يقول إنه قول البشر، فعلم أن المراد بذلك أن الرسول بلغه عن مرسله، لا أنه قوله من تلقاء نفسه، وهو كلام الله تعالى الذي أرسله، كما قال تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " فالذي بلغه الرسول هو كلام الله تعالى لا كلامه، ولهذا كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف ويقول " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " رواه أبو داود وغيره، والكلام كلام من قاله مبتدئًا لا كلام من قاله مبلغًا مؤديًا.
وموسى سمع كلام الله بلا واسطة والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض، فسماع موسى سماع مطلق بلا واسطة، وسماع الناس سماع مقيد بواسطة، كما قال تعالى " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا التكليم أو من وراء حجاب " ففرق بين التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى بين التكليم بواسطة الرسول كما كلم الأنبياء بإرسال رسوله إليهم، والناس يعلمون أن النبي ﷺ إذا تكلم بكلام تكلم بحروفه ومعانيه بصوته ﷺ ثم المبلغون عنه يبلغون كلامه بحركاتهم وأصواتهم كما قال ﷺ: " نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه " فالمستمع منه مبلغ حديثه كما سمعه، لكن بصوت نفسه لا بصوت الرسول، فالكلام هو كلام الرسول تكلم به بصوته، والمبلغ بلغ كلام رسول الله بصوت نفسه.
_________________
(١) يعني إلى قوله (إن هذا إلا قول بشر)
[ ٣ / ١٠٠ ]
وإذا كان هذا معلومًا في تبليغ كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بذلك، ولهذا قال تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " وقال النبي ﷺ: " زينوا القرآن بأصواتكم " فجعل الكلام كلام البارئ، وجعل الصوت الذي يقرؤه به العبد صوت القارئ، وأصوات العباد ليست هي الصوت الذي ينادي الله به ويتكلم به، كما نطقت النصوص بذلك بل ولا مثله، فإن الله تعالى " ليس كمثله شيء " لا في ذاته ولا أفعاله، فليس علمه مثل علم المخلوقين ولا قدرته مثل قدرتهم، ولا كلامه مثل كلامهم، ولا نداؤه مثل ندائهم، ولا صوته مثل أصواتهم، فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله أو هو كلام غير الله فهو ملحد مبتدع ضال، ومن قال إن أصوات العباد أو المداد الذي يكتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع، بل هذا القرآن هو كلام الله وهو مثبت في المصاحف، وكلام الله مبلغ عنه، مسموع من القراء ليس مسموعًا منه، فالإنسان يرى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة ويراها في ماء أو مرآة، فهذه رؤية مقيدة بالواسطة، وتلك مطلقة بطريق المباشرة، ويسمع من المبلغ عنه بواسطة، والمقصود بالسماع هو كلامه في الموضعين كما أن المقصود بالرؤية هو المرئي في الموضعين.
فمن عرف ما بين الحالين من الاجتماع والافتراق والاختلاف والاتفاق زالت عنه الشبهة التي تصيب كثيرًا من الناس في هذا الباب، فإن طائفة قالت هذا المسموع كلام الله، والمسموع صوت العبد وصوته مخلوق، فكلام الله مخلوق، وهذا جهل فإنه مسموع من المبلغ، ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقًا أن يكون نفس الكلام مخلوقًا، وطائفة قالت: هذا المسموع صوت العبد وهو مخلوق والقرآن ليس بمخلوق، ولا يكون هذا المسموع كلام الله، وهذا جهل، فإن المخلوق هو الصوت لا نفس الكلام الذي يسمع من المتكلم به ومن المبلغ عنه، وطائفة قالت: هذا
[ ٣ / ١٠١ ]