يتكلم بمشيئته وقدرته ممن يكون الكلام لازمًا لذاته ليس عليه قدرة ولا له فيه مشيئته، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له، ولا يكون الموصوف متكلمًا عالمًا قادرًا إلا بما يقوم به من الكلام والعلم والقدرة، وإذا كان كذلك فمن لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفًا بها لو كان حدوثها ممكنًا، فكيف إذا كان ممتنعًا؟ فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، ومن أجلها الكلام، فلم يزل متكلمًا إذا شاء ولا يزال كذلك، وهو يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن العربي، وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقًا منفصلًا عنه، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله تكلم بها.
فصل: ثم تنازع بعض المتأخرين في الحروف الموجودة في كلام الآدميين، وسبب نزاعهم أمران: أحدهما أنهم لم يفرقوا بين الكلام الذي يتكلم الله به فيسمع منه، وبين ما إذا بلغه عنه مبلغ فسمع من ذلك المبلغ، فإن القرآن كلام الله تكلم به بلفظه ومعناه بصوت نفسه، فإذا قرأه القراء قرؤوه بأصوات أنفسهم. فإذا قال القارئ " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم " كان هذا الكلام المسموع منه كلام الله لا كلام نفسه، وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت الله، فالكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، كما قال النبي ﷺ: " زينوا القرآن بأصواتكم " وكان يقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " وكلا الحديثين ثابت، فبين أن الكلام الذي بلغه كلام ربه وبين أن القارئ يقرأه بصوت نفسه، وقال ﷺ: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال أحمد والشافعي وغيرهما: هو تحسينه بالصوت، قال أحمد بن حنبل:
[ ٣ / ٤٥ ]
يحسنه بصوته، فبين أن القارئ يحسن القرآن بصوته نفسه.
والسبب الثاني أن السلف قالوا كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلمًا إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم، أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم أن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه، وكان منزلًا منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليًا قديمًا بقدم الله وإن كان الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، فجنس كلامه قديم، فمن فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض.
فمن قال أن حروف المعجم كلها مخلوقة وأن الله تعالى (١) مخالفًا للمعقول الصريح، والمنقول الصحيح، ومن قال أن نفس أصوات العباد أو مدادهم أو شيئًا من ذلك قديم فقد خالف أيضًا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرًا لكل أحد، وكان مبتدعًا قولًا لم يقله أحد من أئمة المسلمين ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك، ومن قال أن الحرف المعين أو الكلمة المعينة قديمة العين، فقد ابتدع قولًا باطلًا في الشرع والعقل، ومن قال أن جنس الحروف التي كلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة وأن الكلام العربي الذي تكلم به ليس مخلوقًا والحروف المنتظمة منه جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب.
وإذا قال أن الله هدى عباده وعلمهم البيان فأنطقهم بها باللغات المختلفة وأنعم عليهم بأن جعلهم ينطقون بالحروف التي هي مباني كتبه وكلامه
_________________
(١) كذا بالأصل ويظهر أنه قد سقط من هنا شيء فان قوله (وأن الله تعالى) ليس له خبر يتم به الكلام.وهو تمهيد للجواب عن الأقوال التي تقدم سؤال شيخ الإسلام عنها في صفحة ٣٥ وفيه أن الذين قالوا أنها مخلوقة بشكلها ونقطها إلخ وقوله " مخالفا للمعقول" سقط من قبله العامل فيه ولعله قال فقد قال قولا مخالفًا إلخ
[ ٣ / ٤٦ ]