لا عينه ولا غيره
سئل أيضًا ﵁: ما تقول السادة العلماء الجهابذة أئمة الدين ﵃ أجمعين فيمن يقول الكلام غير المتكلم، والقول غير القائل، والقرآن والمقروء والقارئ كل واحد منها له المعنى، بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد أثابكم الله بمنه.
[ ٣ / ١٦٢ ]
فأجاب ﵁: الحمد لله، من قال: أن الكلام غير المتكلم والقول غير القائل وأراد أنه مباين له منفصل عنه فهذا خطأ وضلال، وهو قول من يقول أن القرآن مخلوق فإنهم يزعمون أن الله لا يقوم به صفة من الصفات لا القرآن ولا غيره، ويوهمون الناس بقولهم العلم غير العالم والقدرة غير القادر والكلام غير المتكلم، ثم يقولون: وما كان غير الله فهو مخلوق وهذا تلبيس منهم.
فإن لفظ الغير يراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له، وعلى هذا فلا يجوز أن يقال علم الله غيره، ولا يقال أن الواحد من العشرة غيرها، وأمثال ذلك، وقد يراد بلفظ الغير ما ليس هو الآخر، وعلى هذا فتكون الصفة غير الموصوف لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة بصفاته مخلوقًا، لأن صفاته ليست هي الذات لكن قائمة بالذات، والله ﷾ هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله، وليس الاسم اسمًا لذات لا فات ها بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها.
والصواب في مثل هذا أن يقال الكلام صفة المتكلم، والقول صفة القائل، وكلام الله ليس منه بل أسمعه لجبريل ونزل به على محمد ﷺ كما قال تعالى " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " ولا يجوز أن يقال أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره، بل يقال كما قال السلف: أنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، فقولهم منه بدأ رد على من قال: أنه مخلوق في بعض الأجسام ومن ذلك المخلوق ابتدأ، فبينوا أن الله هو المتكلم به، ومنه بدأ، لا من بعض المخلوقات، وإليه يعود أي فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف حرف، وأما القرآن فهو كلام الله.
فمن قال أن القرآن الذي هو كلام الله غير الله فخطؤه وتلبيسه كخطأ من قال أن الكلام غير المتكلم، وكذلك من قال أن كلام الله له مقروء غير القرآن الذي تكلم به فخطؤه
[ ٣ / ١٦٣ ]
ظاهر، وكذلك من قال أن القرآن الذي يقرأه المسلمون غير المقروء الذي يقرأه المسلمون فقد أخطأ.
وإن أراد بالقرآن مصدر قرأ يقرأ قراءةً وقرآنًا وقال أردت أن القراءة غير المقروء فلفظ القراءة مجمل، قد يراد بالقراءة القرآن وقد يراد بالقراءة المصدر، فمن جعل القراءة التي هي المصدر غير المقروء كما يجعل التكلم الذي فعله غير الكلام الذي يقوله، وأراد بالغير أنه ليس هو إياه فقد صدق، فإن الكلام الذي يتكلم به الإنسان يتضمن فعلًا كالحركة ويتضمن ما يقترن بالفعل من الحروف والمعاني، ولهذا يجعل القول قسيمًا للفعل تارةً وقسمًا منه أخرى، فالأول كما يقول: الإيمان قول وعمل، ومنه قوله ﷺ: " إن الله تجاوز لا متى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به " ومنه قوله تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " ومنه قوله تعالى: " وما تكون في شأن وما نتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل " وأمثال ذلك فيما يفرق بين القول والعمل، وأما دخول القول في العمل ففي مثل قوله تعالى: " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون " وقد فسروه بقول لا إله إلا الله، ولما سئل ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: " الإيمان بالله " مع قوله " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ونظائر ذلك متعددة.
وقد تتوزع فيمن حلف لا يعمل عملًا إذا قال قولًا كالقراءة ونحوها هل يحنث؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره بناءً على هذا.
فهذه الألفاظ التي فيها إجمال واشتباه إذا فصلت معانيها وإلا وقع فيها نزاع واضطراب والله ﷾ أعلم.
تم الكتاب المجموع ولله الحمد
[ ٣ / ١٦٤ ]
يقول محمد رشيد آل رضا: قد جمع هذه المباحث والفتاوى عالم الشام السلفي
الاثري، الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي الشهير (رح) من كتاب الكواكب وغيره
من كتب شيخ الإسلام وفتاويه، وأرسله إلى صديقنا السلفي الاثري السري،
صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف الحجازي. وقد رفعه هذا إلى الإمام الهمام،
ومحي مذهب السلف وسنة خير الأنام، عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل
سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها فبادر إلى اصدار أمره الينا بطبعه مع رسائل أخرى
لشيخ الإسلام قدس الله روحه لنشره في مملكته وغيرها كسائر مطبوعاته النافعة (وهي
ماحواه هذا المجموع) وكنا نظن أن المرحوم القاسمي عني بقراءته وتصحيحه بنفسه،
أن يكون عني بتصحيحه، وقد هون علينا تصحيحه ما فيه من تكرار المسائل فاستفدنا
من مقابلة بعضها ببعض.
وأما قيمة هذا المجموع الدينية العلمية فهي لا تقدر، والتكرار فيه مفيد فان
هذه التحقيقات الواسعة قلما يعيها أحد إلا إذا تكررت على ذهنه مرارًا كثيرة
ومن الغريب أن هذه المسائل كان يكتبها شيخ الاسلام قدس الله روحه
أو يمليها من غير مراجعه كتاب من الكتب، وهي من الآيات البينات، والبراهين
الواضحات، على أن هذا الرجل من أكبر آيات الله في خلقه، أيد بها كتابه الذي
قال فيه انه (يهدي للتي هي أقوم) وسنة رسوله ﷺ، وما كان
عليه السلف الصالح من فهمها، والاعتصام بها.
ويعلم من كل فتوى منها - بله جملتها ومجموعها - انه رحمه الله تعالى قد
جمع من العلوم النقلية والعقلية الشرعية والتاريخية والفلسفية من الإحاطة بمذاهب
الملل والنحل وآراء المذاهب ومقالات الفرق حفظا وفهما ما لا نعلم مثله عن
أحد من علماء الأرض قبله ولا بعده، وأغرب من ذلك ما آتاه الله من قوة الحكم في
إبطال الباطل وإحقاق الحق في كل منها بالبراهين النقلية والعقلية، ونصر مذهب السلف
في فهم الكتاب والسنة على كل ما خالفه من مذاهب المتكلمين والفلاسفة وغيرهم
(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)
[ ٣ / ١٦٥ ]
فهرس عناوين الكتاب
(مذهب السلف القويم، في تحقيق مسألة كلام الله الكريم)
(١) سؤال من كيلان عن كلام الله ﷿ وكلام البشر وحكم من قال كل منهما
قديم وما نقل عن الإمام أحمد في المسألة - وجوابه ص ٢ - ١٦.
(٢) فصل في مسألة القرآن العزيز ودلالة الكتاب والسنة على ما اتفق عليه
السلف الصالح فيها من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم وما حدث
فيها من الأقوال بعدهم ١٧ - ٣٤.
(٣) مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم (ع. م) وهل هي قديمة أو مخلوقة ٣٥
فصل منه في نزاع المتأخرين في الحروف من كلام البشر وسببه ٤٥
فصل في الحكم بين المتنازعين في ذلك أيهم المصيب ٤٧
فصل في حروف المعاني التي هي قسمة الأسماء والأفعال ٨٤
فصل في بيان أن القرآن كلام الله لا كلام جبريل ولا محمد ومعنى إنزاله ٨٩
فصل في منشأ النزاع والاختلاف وهو علم الكلام الذي ذمه السلف ونظرياته الباطلة. ١٠٢
فصل في فروع الاختلاف وفرق الناس فيه ١٠٦
مسألة كلام الله تعالى في كتاب منهاج السنة ومذاهب الشيعة فيها ١١٣
فصل في كتاب موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ١٢٣
فتوى في مسألة الكلام ١٣١
فتوى ثانية في مسألة الكلام ١٤٦
فتوى ثالثة في مسألة الكلام ١٥١
فتوى رابعة في إثبات أن الكلام صفة المتكلم لا عينه ولا غيره ١٦٢
[ ٣ / ١٦٦ ]