من العلو كالقبة الموضوعة على الأرض، وقد قال بعضهم أن الأفلاك غير السموات لكن رد عليه غيره هذا القول بأن الله تعالى قال (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقًا وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا) فأخبر أنه جعل القمر فيهن، وقد أخبر أنه في الفلك (١) .
وليس هذا موضع بسط الكلام في ذلك وتحقيق الأمر فيه وبيان أن ما علم بالحساب علمًا صحيحًا لا ينافي ما جاء به السمع وأن العلوم السمعية الصحيحة لا تنافي معقولًا صحيحًا، إذ قد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع، فإن ذلك يحتاج إليه في هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس حيث يرون ما يقال أنه معلوم بالعقل مخالفًا لما يقال أنه معلوم بالسمع، وأوجب ذلك إن كذبت كل طائفة بما لم تحط بعلمه. حتى آل الأمر بقوم من أهل الكلام إن تكلموا في معارضة الفلاسفة في الأفلاك بكلام ليس معهم به حجة لا من شرع ولا من عقل، وظنوا أن ذلك من نصر الشريعة وكان ما جحدوه معلومًا بالأدلة الشرعية أيضًا.
وأما المتفلسفة وأتباعهم فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات ولا يعملون ما وراء ذلك، مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابًا وأن السحاب إذا اصطك حدث عنه صوت (٢) به ونحو ذلك، لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن المني يصير
_________________
(١) الذي يفهمه أهل اللغة من الفلك هنا أنه مدار الكواكب وعبارة القاموس مدار النجوم قال: ومن كل شيء مستداره ومعظمه، وهذا غير المراد من الفلك عند الهيئة اليونانية فهو عندهم جسم مستدير صلب شفاف لا يقبل الخرق والالتئام، وكل فلك من الأول إلى السابع فيه كوكب من الدراري السبع يدور فيه والثامن للنجوم الثابتة كلها والتاسع أطلس ليس فيه شيء
(٢) يعنون بهذا الصوت الرعد، وهو قول باطل لم يجدوا ما يعللون به صوت الرعد غيره.وأما علماء الكون في هذا العصر فقد ثبت عندهم أن البرق والرعد يحدثان من اشتعال الكهربائية بالتقاء الايجابي منها والسلبي، وبهذا الاشتعال يحدث تفريغ في الهواء يكون له صوت بقدره كما يحدث باطلاق المدفع وهو صوت الرعد والصواعق
[ ٤ / ١١٤ ]
في الرحم (جنينًا) لكن ما الموجب للمني المتشابه الأجزاء أن يخلق منه هذه الأعضاء المختلفة والمنافع المختلفة على هذا الترتيب المحكم المتقن الذي فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الألباب وكذلك ما الموجب لأن يكون الهواء أو البخار ينعقد سحابًا مقدرًا بقدر مخصوص في وقت مخصوص على مكان يختص به وينزل على قوم عند حاجتهم إليه فيسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا. وما الموجب لأن يساق إلى الأرض الجرز التي لا تمطر أو تمطر مطرًا لا يغنيها كأرض مصر أو كان المطر القليل لا يكفيها والكثير يهدم أبنيتها (١) قال تعالى (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) .
وكذلك السحاب المتحرك وقد علم أن كل حركة فإما أن تكون قسرية وهي تابعة للقاسر، أو طبيعية، وإنما تكون إذا خرج المطبوع من مركزه فيطلب عوده إليه أو إرادته وهي الأصل، فجميع الحركات تابعة للحركة الإرادية التي تصدر عن ملائكة الله تعالى التي هي المدبرات أمرًا والمقسمات أمرًا، وغير ذلك مما أخبر الله تعالى به عن الملائكة. وفي المعقول ما يصدق ذلك. فالكلام في هذا وأمثاله له موضع غير هذا.
والمقصود هنا أن نبين أن ما ذكر في السؤال زائل على كل تقدير فيكون الكلام في الجواب مبنيًا على حجج علمية لا تقليدية ولا مسلمة، وإذا بينا حصول الجواب على كل تقدير كما سنوضحه لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض التقديرات هو الواقع وأن كنا نعلم ذلك، لكن تحرير الجواب على تقدير دون تقدير وإثبات ذلك فيه طول لا يحتاج إليه هنا، فإن الجواب إذا كان حاصلًا على كل تقدير كان أحسن وأوجز.
_________________
(١) أن كون نزول المطر في كل أرض بقدر حاجة أهلها لا يزيد ولا ينقص غير مسلم والمعلوم بالمشاهدة خلافه فكثيرًا ما يزيد فيحدث ضررا عظيما. أو ينقص فتهلك الزروع وتقل الغلال وتحدث المجاعات وقد علم البشر من سنن الله في ذلك في عصرنا أكثر مما كان يعلم من قبلهم ولا يزالون يجهلون منها أضعاف ما عملوا
[ ٤ / ١١٥ ]