(٤) أَحْكَامُ الفَأْرَة إِذَا وَقَعَتْ فِي الزَّيتِ وَنَحْوِه
قال - ﵀ -: قد سألني بعض المشتغلينَ عن الفأرةِ إذا ماتت في الزيت ونحوه.
فقلتُ: عن علمائنا - رحمهم الله تعالى - يتنجَّس فلا يؤكل ويراقُ أو ينتفع به في غير الأكل. هكذا وردت عنهم إطلاقات لم يذكر معها مفسد بمقدارٍ.
وروي عنهم: أن المائع كالماء في القلة والكثرة.
قال شيخنا في شرح الهداية: يَعْنِي كُلُّ مِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مَاءً يَنْجُس، فَإِذَا كَانَ غَيَّرَهُ يُنَجَّسُ (١). انتهى.
وقول علمائنا في الماء: إن القليل كماء الأواني والحياض الصغيرة، ينجّس بمخالطة النجاسة وإن قلّت تغير أو لم يتغير.
وإن ماء الغدران والمصانع والحياض الكبيرة ينجس منه ما غلب على ظن المبتلى به وصول النجاسة إليه.
وروي اعتبارٌ بالحركة، فما تحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر فهو ممَّا يخلص للنجاسة إلى طرفه، وما لا فلا.
_________________
(١) انظر رد المحتار (٢/ ٤١) وحاشية رد المحتار (١/ ٢٠٠) والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٢٩٧).
[ ١٦٧ ]
واختلف في الحركة: بماذا هي؟.
فقيل: بالغسل.
وقيل: بالوضوء.
وقيل: بغسل اليد.
ورجّح الوسط.
وروي عن محمد اعتبار ذلك بالمساحة، وصحّح أنها عشرٌ في عشرٍ.
وروي عن أبي يوسف: أنّ ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر كثيرٌ لا ينجس إلَّا بالتغير (١).
_________________
(١) قال ابن الهمام في فتح القدير شرح الهداية (١/ ١٤١): قال: (والغدير العظيم الّذي لا يتحرّك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسةٌ في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر لأنَّ الطاهر أن النّجاسة لا تصل إليه) إذ أثر التّحريك في السّراية فوق أثر النّجاسة. ثمّ عن أبي حنيفة - ﵀ -: أنّه يعتبر التّحريك بالاغتسال، وهو قول أبي يوسف - ﵀ -، وعنه التحريك باليد، وعن محمّدٍ - ﵀ - بالتّوضّي. ووجه الأول أنّ الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشدّ منها إلى التّوضّي، وبعضهم قدّروا بالمساحة عشرًا في عشرٍ بذراع الكرباس توسعةً للأمر على النّاس، وعليه الفتوى، والمعتبر في العمق أن يكون بحالٍ لا ينحسر بالاغتراف هو الصّحيح. وقوله في الكتاب وجاز الوضوء من الجانب الآخر، إشارةٌ إلى أنَّهُ ينجس موضع الوقوع وعن أبي يوسف - ﵀ -: أنّه لا ينجس إلاّ بظهور أثر النّجاسة فيه كالماء البُخاريّ. وانظر الهداية (١/ ٢٠) والعناية شرح الهداية (١/ ١٠٥) ورد المحتار (٢/ ٦١) وحاشية رد المحتار (١/ ٢٠٧) ودرر الحكام في غرر الأحكام (١/ ١٩٩) والجوهرة =
[ ١٦٨ ]
قال القدوري في التقريب: قال يعقوب: في المصانع يكون فيها الجيفة، وهي لا يتحرك طرفٌ منها بتحريك الآخر، جاز الوضوء منها، إلاّ أن يرى الجيفة، وكذا الماء الجاري.
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن رمضان في كتابه المسمّى بالينابيع (١): قال أبو يوسف فِي ساقيةٍ صغيرةٍ فيها كلب ميِّتٌ قد سدَّ عرضها فتجرِي الماءُ فوقهُ، وتحتهُ أنَّه لا بأس بالوضوء من أسفل الكلبِ. انتهى.
وهذا اختيارٌ لصحّة دليله، وتوافق فروعه، بخلاف غيره. والله أعلم.