(٥) أَحْكَامُ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ فِي المَسْجِدِ
قال - ﵀ -: قد ظنَّ بعضُ الناس من صلاةِ شيخ الإسلام سعد الدين الديري (١) على إبراهيم بن الجيعان (٢) في الجامع الأزهر: أنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ
_________________
(١) هو سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، علامة الدنيا، وحيد دهره وفريد عصره، ابن قاضي القضاة شمس الدين العبسي الديري المقدسي الحنفي، مولده ببيت المقدس المبارك في سابع عشر شهر رجب سنة ثمان وستين وسبع مئة، وبها نشأ، برع في الفقه والعربية والتفسير والأصول والوعظ، وأفتى ودرّس، وتولى بعد موت والده تدريس الجامع المؤيدي ومشيخة الصوفية بها، وصار إمام عصره ووحيد دهره. انتهت إليه رئاسة السادة الحنفية في زمانه شرقًا وغربًا، بلا مدافعة، هذا مع الديانة والصيانة وكثرة الحفظ لمختصرات مذهبه، بل وللمطولات أيضًا، ولمتون الحديث. وأما استحضاره لتفسير القرآن العزيز؛ فغاية لا تدرك، ومات سنة ٨٦٨ هـ. المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (١/ ٤٥٥ -).
(٢) قال السخاوي في الضوء اللامع (١/ ٤١): إبراهيم بن عبد الغني بن شاكر بن ماجد ابن عبد الوهاب بن يعقوب، سعد الدين بن فخر الدين، الدِّمياطي الأصل، القاهري، ويعرف كسلفه بابن الجيعان، ناظر الخزانة وكاتبها، وأصغر إخوته الخمسة الأشقاء، أمهم ابنة المجد كاتب المماليك في أيام الناصر، كان رئيسًا عاقلًا، محتشمًا، وقورًا، محبًا في العلماء، مكرمًا لهم، وله مآثر حسنة، منها: جامع بولاق بالقرب من منظرة الحجازية، وجعل فيه شيخًا، وصوفية قضاء الشام بعد، ثم رغب عنها لشيخ المكان، واتفق لكل من الأولين ماجرية في ذلك، أودعتها في الحوادث، وبالقرب منه له=
[ ٢١٩ ]
لذلك عندنا، وأنّه لا معنى لتركه لذلك، وصلاتي على بعض الناس في الرّحاب، فسألني؟ فقلت: المنقولُ: المنعُ.
قال الإمام محمَّد بن الحسن في مُوَطَّئِهِ (١): لا يصلَّى على جنازةٍ في مسجدٍ.
وقال الإمام الطحاوي في معاني الآثار (٢): النَّهي عن الصَّلاة على
_________________
(١) = عمائر هائلة، بل ملك منظرة البراحية وغيرها مما صار وقفًا عليه، وحجّ غير مرة، وزار بيت المقدس والخليل، وتقدم في الرياسة، وصاهر الجمالي ابن كاتب حكم على أخته، فاستولدها شقرا تزوجها ابن خالها الكمالي ناظر الجيش، ثم خلفه عليها حفيد عمها البدري أبو البقاء، ولم يكن للجمالي مع صاحب الترجمة أمر، وله ابنة أكبر منها تزوجها بعض من بني مخاطة، وهي من سرية له زوجها في حياته بعض أخصائهم الخيار، وماتت تحته بالمدينة النبوية. ومات في ليلة الجمعة ثالث عشر ربيع الأول سنة أربع وستين، ودفن من الغد بتربة أخيه المجد عبد الرحمن، قريبًا من تربة الأشرف برسباي من الصحراء، بعد أن صلى عليه بعد صلاة الجمعة بالأزهر، ويقال: إنه لم يبلغ الستين - ﵀ - وعفا عنه.
(٢) (٢/ ١٠١) رقم (٣١٣).
(٣) (١/ ٤٩٢) رقم (٢٦٠٠) قال: حدثنا سليمان بن شعيب قال: حدثنا أسد قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة (ح). وحدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا يعقوب بن حميد قال: حدثنا معن بن عيسى، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "من صلى على جنازة في مسجد فلا شيء له". فلما اختلفت الروايات عن رسول الله - ﷺ - في هذا الباب، فكان فيما روينا في الفصل الأول، إباحة الصلاة على الجنائز في المساجد، وفيما روينا في الفصل الثاني كراهة ذلك، احتجنا إلى كشف ذلك، لنعلم المتأخر منه، فنجعله ناسخًا لما تقدّم من ذلك، فلما كان حديث عائشة فيه دليلًا على أنهم قد كانوا تركوا الصلاة على الجنائز في المسجد، بعد أن كانت تفعل فيه حتى ارتفع ذلك من فعلهم،=
[ ٢٢٠ ]
الجنازة في المسجد وكراهيتها، هو قول أبي حنيفة ومحمَّدٍ، وهو قول أبي يوسف أيضًا، غير أنّ أصحاب الإملاءِ رووا عنه (١) أنّه قالَ: إذا كان مسجدٌ قد أُفْرِدَ للصلاة على الجنائز، فلا بأس بأن يصلّى على الجنائز فيه (٢) (٣).
_________________
(١) = وذهبت معرفة ذلك من عامّتهم، فلم يكن ذلك عندها لكراهة حدثت، ولكن كان ذلك عندها؛ لأن لهم أن يصلوا في المسجد على جنائزهم، ولهم أن يصلوا عليها في غيره، ولا يكون صلاتهم في غيره دليلًا على كراهة الصلاة فيه، كما لم تكن صلالهم فيه دليلًا على كراهة الصلاة في غيره، فقالت بعد رسول الله - ﷺ - يوم مات سعد ما قالت لذلك، وأنكر عليها ذلك الناس، وهم أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن تبعهم، وكان أبو هريرة - ﵁ - قد علم من رسول الله - ﷺ - نسخ الصلاة عليهم في المسجد بقول رسول الله - ﷺ - الذي سمعه منه في ذلك، وأن ذلك الترك الذي كان من رسول الله - ﷺ - للصلاة على الجنائز في المسجد بعد أن كان يفعلها فيه، ترك نسخ، فذلك أولى من حديث عائشة؛ لأن حديث عائشة - ﵂ - إخبار عن فعل رسول الله - ﷺ - في حال الإباحة التي لم يتقدمها نهي، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - إخبار عن نهي رسول الله - ﷺ - الذي قد تقدمته الإباحة، فصار حديث أبي هريرة - ﵁ - أولى من حديث عائشة - ﵂ -؛ لأنه ناسخٌ له، وفي إنكار من أنكر ذلك على عائشة - ﵂ - وهم يومئذ أصحاب رسول الله - ﷺ - دليلٌ على أنهم قد كانوا علموا في ذلك خلاف ما علمت، ولولا ذلك لما أنكروا ذلك عليها، وهذا الذي ذكرنا من النهي عن الصلاة. . . فذكره.
(٢) أي: أبو يوسف.
(٣) تحرف في المخطوط إلى: (إذا كان مسجدًا فرد للصلاة على الجنائز فيه، يصلي على الجنائز فيه، فلا بأس أن). والمثبت من شرح معاني الآثار.
(٤) قال صاحب رد المحتار (٦/ ٣٣٨): مطلبٌ في كراهة صلاة الجنازة في المسجد: (قوله: وقيل تنزيهًا) رجّحه المحقّق ابن الهمام وأطال؛ ووافقه تلميذه العلّامة ابن أمبر حاجٍّ، وخالفه تلميذه الثّاني الحافظ الزّينيّ قاسمٌ في فتواه برسالةٍ خاصّةٍ،=
[ ٢٢١ ]
وقول صاحب الهداية في مختارات النوازل: ولا يصلّي صلاة الجنازة في مسجدِ يصلّي فيه الجماعة عندنا للحدث، وسواء كان الميت في المسجد أو خارجًا منه في ظاهر الرواية.
وفي رواية: إذا كان الميِّت خارجَ المسجد، لا يكرهُ (١).
وقال في المحيط: وتكره صلاة الجنازة في المسجد خلافًا للشافعي.
والصحيح: قولنا: لما روى - ﷺ - قال: "مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجدِ فَلاَ [٢٦/ ب] شَيءَ لَهُ" (٢).
_________________
(١) = فرجّح القول الأوّل لإطلاق المنع في قول محمَّدٍ في موطئه: لا يصلّى على جنازةٍ في مسجدٍ. وقال الإمام الطحاوي: النهي عنها وكراهيتها، قول أبي حنيفة ومحمدٍ، وهو قول أبي يوسف أيضًا وأطال، وحقق أن الجواز كان ثمّ نسخ وتبعه في البحر، وانتصر له أيضًا سيّدي عبد الغني في رسالةٍ سمّاها نزهة الواجد في حكم الصّلاة على الجنائز في المساجد. وانظر حاشية رد المحتار (٢/ ٢٤٣).
(٢) انظر رد المحتار (٦/ ٣٣٨).
(٣) رواه الطيالسي (٢٣١٠) وعبد الرزاق (٦٥٧٩) والإمام أحمد (٩٧٣٠ و٩٨٦٥ و١٠٥٦١) وانظر مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢) وابن أبي شيبة (٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥) وابن ماجه (١٥١٧) وأبو داود (٣١٩١) وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٨٤٦ و٢٨٤٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٩٢) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٦٦) وابن الأعرابي في معجمه (١٢١١) وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٣٤٦ و٣٤٧ و٣٤٨ و٣٤٩) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٣) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٧٤) والبيهقي (٤/ ٥٢) ومعرفة السنن والآثار له (٢٣٠٩) وأبو محمد البغوي في شرح السنة (١٤٩٣) وابن الجوزي في العلل المتناهية (٦٩٦) من طرقٍ عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة - ﵁ - به.=
[ ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صالح مولى التوأمة، هو صالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية، هو في الأصل حسن الحديث، قد حسّن القول فيه جماعة، وضعّفه آخرون بسبب اختلاطه، وكان قد اختلط اختلاطًا فاحشًا، حتى قال ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٦٦): تغيّر في سنة ١٢٥ هـ، وجعل يأتي بالأشياء التي تشبه الموضوعات عن الأئمة الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميّز، فاستحق الترك. وقال أحمد بن حنبل: كان مالك أدركه وقد اختلط، فمن سمع منه فذلك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث ما أعلم به بأسًا. وقال أحمد بن سعيد ابن أبي مريم: سمعت ابن معين يقول: صالح مولى التوأمة ثقة حجة. قلت له: إن مالكًا ترك السماع منه! قال: إن مالكًا إنما أدركه بعدما كبر وخرف، والثوري إنما أدركه بعدما خرف، وسمع منه أحاديث منكرات، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف. وقال الجوزجاني: تغير أخيرًا، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لسنه، وسماعه القديم. قال ابن عدي: لا بأس به إذا روى عنه القدماء، مثل: ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد. أقول: سماع ابن أبي ذئب من صالح قديم قبل أن يتغير، باتفاق أهل العلم على ذلك، لكن لا يبعد أن يكون قد سمع منه بعد الاختلاط أيضًا، لاجتماع دارهما ومكثهما فيها، وهي مدينة رسول الله - ﷺ -. وقال ابن حبان: خبر باطل، وردّ بحديث عائشة. وقال ابن المنذر في الأوسط (٩/ ٣٠٣): لا يصح عن النبي - ﷺ -. وقال البيهقي: هذا الحديث يعدّ في أفراد صالح، وحديث عائشة أصحّ منه، وصالح مولى التوأمة مختلف في عدالته، كان مالك بن أنس يجرّحه. وقال ابن الجوزي: لا يصح. وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٢٧٣): وفي هذا الباب عن النبي - ﷺ - حديثان: أحدهما حديث عائشة، والثاني حديث يروى عن أبي هريرة لا يثبت عنه: أن رسول الله - ﷺ - قال:. . . فذكره، ثم قال: وقد يحتمل قوله في حديث أبي هريرة هذا: "فلا شيء له"، أي: فلا شيء عليه، كما قال الله ﷿: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، بمعنى عليها. =
[ ٢٢٣ ]
ولأنَّ تنزيه المسجد واجبٌ، وفي إدخال الميت المسجد احتمالُ وقوع النّجاسةِ فيه، فيكره كما يكره إدخال الصبي والمجنون المسجد؛ لأنه لا يؤمن من تلويث المسجد، فكذا هذا.