القلة، وأنه قد روي في اعتبار التحريك ثلاث روايات:
أحدها: عدم التحريك بالاغتسال [٢/ ب]. وهي رواية أبي يوسف، عن أبي حنيفة.
ثانيها: عدم التحريك بالوضوء. وهي رواية محمَّد، عن أبي حنيفة.
ثالثها: عدم التحريك الكثير.
إذا عرف هذا فيقال: إن كان أقل ما لا يخلص بعضه إلى بعض هو أقل ما لا يتحرك بالاغتسال يكون بالضرورة أقل ما لا يتحرك بالتوضؤ مما يخلص، فيكون في حد القلة، والرواية مبدأ حد الكثرة. وكذا أقل ما لا يتحرك بالتوضؤ يكون مما يتحرك بالاغتسال بالضرورة، وكذا أقل ما لا يتحرك بغسل اليد يكون ما لا يتحرك بالتوضؤ، فلا يتصور أن يكون أقل ما لا يخلص بعضه إلى بعض هو أقل ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر على اعتبار الروايات كلها للتنافي، وإن كان على اعتبار التحريك بأحد الروايات فليس في الكلام ما يفيده، ولا يصح له وجهٌ؛ لأنه امتحان أمرٍ حسيٍّ بأمرٍ حسيٍّ.
قوله: وامتحن المشايخ الخلوص بالمساحة فوجدوه عشرًا في عشر. يتأتى في فساده ما تقدم؛ لأنهم إن كانوا امتحنوا ما لا يخلص بحركة الاغتسال ورد عليه رواية التوضع، وغسل اليد إلخ ما قدمناه.
وفيه: مخالفة لما ذكروه في عامة الكتب المطولات، عن محمَّد -﵀-: أنه سئل عن الغدير العظيم. فقال: قدر مسجدي هذا، وذرع (١) فكان عشرًا في عشر من خارج الجدار إلى آخره.
_________________
(١) في هامش المخطوط: (فزرع).
[ ٦٣ ]
ولما قاله نوح الجامع (١) في جامعه، عن محمَّد -﵀-: أنه كان يوقت عشرًا في عشر.
ولفظ المشايخ في عرفهم يراد به من بعد أبي حنيفة وصاحبيه.
وإذا كانت المسألة منصوصة عن أحد الثلاثة، لا يقال فيها: امتحن المشايخ. . . إلخ.
قوله: وقال أبو مطيع: إذا كان خمسة عشر في خمسة عشر لا يخلص.
يقال للمصنف: لو كان امتحان المشايخ على ما ذكرت لم يتصور أن يقع فيه خلاف؛ لأن ما وجد على كمية مخصوصة لا يعقل مخالفته، وإن كان قول أبي مطيع على اعتبار التحريك بالاغتسال [٣/ أ]. وقول المشايخ الذي نسب إليهم الامتحان بعشر على اعتبار غير الاغتسال نفى قوله. وهذا معنى قولهم: لا يتحرك. . . إلى آخره إلباسٌ. وعلى هذا: فالخمسة عشر أعلى الاعتبارات، فما معنى قوله بعد ذلك: أما العشرون في العشرين فلا أجد في نفسي منه شيئًا؟.
_________________
(١) قال المصنف في تاج التراجم (ص ٧): الجامع، لقب أبي عصمة، نوح بن أبي مريم ابن جمونة الموزي، لقّب بذلك؛ لأنه أول من جمع فقه أبي حنيفة، وقيل: لأنه كان جامعًا بين العلوم، له أربعة مجالس: مجلس للأثر، ومجلس لأقاويل أبي حنيفة، ومجلس للنحو، ومجلس للشعر. روى عن: الزهريّ، ومقاتل بن حيّان، مات سنة ثلاث وسبعين ومئة، وكان على قضاء مرو لأبي جعفر المنصور. أقول: لكنه متروك الحديث، بل رمي بالوضع. قال ابن حجر في التقريب (ص ٥٦٧): كذّبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. وانظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/ ٤٨٤) والمجروحين لابن حبان (٣/ ٤٨) والكامل لابن عدي (٧/ ٤٠) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٥٦).
[ ٦٤ ]
قوله: وإن كان له طول ولا عرض له، فالأصح: أنه لو كان بحال لو ضم طوله إلى عرضه يصير عشرًا في عشر، فهو كثير مبني على أنّ للكثرة أثرًا، وسيأتي ما يظهر به فساده.
قوله: والمختار في العمق ما لا ينحسر أسفله بالغرف، مقابل هذا المختار: ذراع وشبر وعرض السيال وما يستر وجه الأرض.
وفيه دليل على فساد ما تقدم، وذلك: أن امتحان الخلوص بالاغتسال، لا يتصور في حد العمق، ولا يمكن أن يقال فيه بطريق الفرض؛ لأن الكلام في أنهم امتحنوا ما لا يخلص بنفسه بفعل حسّي وهو الاغتسال على زعمه، ثم ذرعوا ما لا يتحرك فوجدوه عشرًا في عشر. هذا ظاهر كلامه على ما لا يخفى.
قوله: ثم إن كانت النجاسة مرئية، لا يتوضأ من موضع الوقوع. يقال له: إذا كان الحكم هذا، فأين الأصل الذي ادعيته؟! وهو: أن الكثير لا ينجس، وكيف خرج هذا عن دليل الأصل الذي أوردته وهو الحديث به، فيلزمك أحد أمرين:
إما عدم صحة الأصل الذي ادعيته.
أو عدم صحة دلالة الحديث عليه، أو مخالفة الحديث بالرأي.
قوله: لاحتمال انتقالها.
إذا كان فرض المسألة في نجاسة مائعة وقعت في ماءٍ راكدٍ، فأين تنتقل، وهل لا يجري هذا الاحتمال في البئر إذا وقعت فيها نجاسة مائعة ونزح بعضها.
[ ٦٥ ]
قوله: ومنهم من قال: لا يجوز أيضًا؛ لأن الظاهر بقاؤها في الحال طاهر السوق.
إن هذا مرجوح بالنسبة إلى المتقدّم، وقد صرّح بذلك صاحب التحفة والبدائع (١) على ما يأتي (٢)، فقال له: قد علم أن الحكم يكون مع الظاهر، إلا أن يقوم دليل يخالفه، فكيف [٣/ ب] كان الراجح هنا بخلاف الظاهر بلا دليل.
واحتمال الانتقال، قد علمت ما فيه، ثم مفهوم قوله: بقاؤها في الحال: أنه إذا أتى عليها زمان، بأن يجوز بلا خلاف ولم يظهر له وجه؛ لأنه متى حكم بنجاسته في الحال للاختلاط لا يحكم بطهارته بعد الاستهلاك، وهذا الكلام وإن كان قد سبق إليه الشيخ علاء الدين السمرقندي (٣) في التحفة (٤)، حيث قال: وأما إذا كان الماء راكدًا، [فقدِ] (٥) اختلف العلماء [فيه] (٦).
_________________
(١) تحفة الفقهاء للسمرقندي وشرحها بدائع الصناع لأبي بكر بن مسعود الكاشاني.
(٢) في المخطوط: (علي ماتي) خطأ.
(٣) قال المصنف في تاج التراجم (ص ٢٠): محمَّد بن أحمد بن أبي أحمد، الإِمام علاء الدين، أبو منصور السمرقندي، تفقّه عليه الإِمام أبو بكر بن مسعود الكاشاني وغيره، وله كتاب: تحفة الفقهاء، واللباب في الأصول، وغير ذلك. وترجمه تلميذه أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاشاني، الذي تزوج ابنة الإِمام علاء الدين السمرقندي من أجل أنه شرح كتاب التحفة، وسماه: بدائع الصنائع، وجعل الكتاب مهر ابنة الإِمام فاطمة، فقال الفقهاء: شرح تحفته، وزوج ابنته. تاج التراجم (ص ٢٨).
(٤) تحفة الفقهاء (١/ ٥٦ - ٥٨).
(٥) ما بين معكوفتين: من تحفة الفقهاء.
(٦) ما بين معكوفتين: من تحفة الفقهاء.
[ ٦٦ ]