ما عدّو ما هي مستحبّة في صلاةٍ، فكلّ ركعتين من ذلك يجريان عن تسليمةٍ، ومتى لم يكن كذلك لم يجز إلّا عن قدر المستحبّ؛ لأنّ في الزّيادة كراهة. وفي استحبابه خلافٌ.
ففي هذا اختلافٌ أيضًا.
فعلى هذا: إذا صلّى ستًا تجزئ عن ثلاثِ تسليماتٍ، عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه عن تسليمتين.
فإن صلّى عشرًا، فعندهما تجزئ تسليمتين.
وعنده في الرِّواية الشّاذة: عن خمس تسليماتٍ.
وفي روايةِ الأصل: وَإِلَّا فلَا. عن أربعِ تسليماتٍ.
وفي رواية الجامع الصغير: عن ثلاثِ تسليماتٍ، وَإِن صَلَّى التّراويح كلها بتسليمةٍ واحدةٍ عمدًا، وقعدَ في كلّ ركعتين.
فعلى قول الأولين: جاز عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وعلى قول عامّة المتأخرين: جازت عن الكل على قول بعض المتأخرين على الاختلاف الّذي حكينا.
والصَّحيحُ قول العامّة.
* * *
فصلٌ وإذا صلّى ترويحةً بتسليمةٍ، ولم يقعد في الرّكعة الثّانية.
فالقياس وهو قول محمّد وزفر، وهو رواية عن أبي حنيفة: أنّه تفسد
[ ٢٥٧ ]
صلاته، ويلزمه قضاءُ هذه التسليمة، ولا يجوز ذلك عن شيئين.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. يجوز.
ثمّ اختلف المشايخ فيه على قولهما.
قال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ. وهو الصّحيح؛ لأنه أكمل الأريع بتسليمةٍ واحدةٍ فحسب. بخلاف ما إذا قعد في الثّانية؛ لأنه أكمل كلّ شفعٍ بالقعود.
وإن صلّى ثلاث ركعات بتسليمةٍ واحدةٍ، ولم يقعد في الثّانية ساهيًا، أو عامدًا، فلا شك: أن صلاته باطلة في القياس. وهو قول محمّد وزفر. وهو رواية عن أبي حنيفة. وعليه قضاء ركعتين فحسب.
وأمّا في الاستحسان وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ.
وقال بعضهم: لا يجزئه عن شيءٍ أصلًا.
وكذا الخلاف في غير التّراويح إذا تنفّل بثلاث ركعات، ولم يقعد إِلّا في آخرها جاز عند الأولين، ولم يجز عند الآخرين.
أما من قال: يجوزُ يقول: الفرض يجوز. بمثل هذه الصّفة. وهو المغرب. فكذا النّفل، ويجب أن يجوز، وإذا جاز النّفل جازت التّراويح؛ لأنها نافلة.
فصار هذا كما لو صلَّى الأريع بقعدةٍ واحدةٍ. وذلك: يجوز عن تسليمةٍ واحدةٍ. فكذا هذا.
وأمَّا من قال: لا يجوز؛ فإنه يقولُ: إن القعدةَ المشروعة قد
[ ٢٥٨ ]
تركها.
والتي فعلها في غير موضعها؛ لأنهّا لم تشرع في النّوافل في الثّالثةِ، فصار كأنّه لم يقعد فيها أصلًا، ولو لم يقعد فيها أصلًا، لا يجوز، وإذا لم يجز النفل، لم تجز التراويح؛ لأنّها نافلة بخلاف الأربع؛ لأنّ القعدة في آخرها قعدة في موضعها.
ثمّ على قول أولئك إذا جازت هذه الثّلاثة عن تسليمةٍ، هل يلزمه شيءٌ آخرَ لأجل الثّالثة إن كان ساهيًا؛ لَا لأَنّه شروعٌ في مظنونٍ وإن كان عامدًا، يلزمه ركعتان في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنّه قد صحّت الثّالثة حيث حكم بصحّة التحريمة حين قعد في آخر الصّلاة، ولم يكملها بضمِّ أخرى إليها، فيلزمه القضاءُ على قول هؤلاء إذا لم تجزئ الثلاث عن شيءٍ أصلًا. فيلزمه قضاء الأوليين.
وهل يلزمه قضاء الثالثة: فعلى وجهين:
إن كان ساهيًا فلا يلزمه لما قلنا، وإن كان عامدًا لزمه ركعتان في قول أبي يوسف.
وفي قول أبي حنيفة: لا يلزم؛ لأنّ التحريمة قد فسدت حتّى لم يقعد على رأس الىانية، ولم يأتِ بالرّابعة. فإذا قام إلى الثَّالثةِ فقد شرع في الثّالثة بتحريمةٍ فاسدةٍ.
وهذا موجبٌ للقضاءِ عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة: لا، في الصّحيح من مذهبه.
فعلى هذا: إذا صلّى التّراويح عشر تسليماتٍ، كلّ تسليمة ثلاث ركعاتٍ، ولم يقعد إلّا في آخرها.
[ ٢٥٩ ]
ففي القياس: وهو قول محمّد وزفر وهو رواية عن أبي حنيفة: عليهِ قضاءُ التراويح كلِّها، ولا شيءَ عليه سوى ذلك.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف على قول أولئك. جازت التراويح، ولا شيءَ عليه، إن كان قام ساهيًا، وإن قام عامدًا، فعليه أيضًا قضاء عشرين ركعة.
وعلى قول هؤلاء: عليه قضاء التراويح كلها كما في القياس، ولا شيء عليه سوى ذلك في قول أبي حنيفة كيفما كان.
وفي قول أبي يوسف: إن كانَ ساهيًا فهو كذلك. وإن كان عامدًا فعليه مع التراويح قضاء عشرين ركعة أخرى.
وإن صلّى التراويح كلها بتسليمةٍ واحدةٍ عمدًا ولم يقعد إلّا في آخرها.
ففي القياس: وهو قول محمّد وزفر روايةً عن أبي حنيفة: لم يجزِئ عن شيء، وعليه قضاء ركعتين فحسب.
وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يجزئه عن التراويح كلها.
وقال بعضهم: يجزئه عن تسليمةٍ واحدةٍ كما ذكرنا من الاختلاف، فيما إذا صلّى ترويحة بتسليمةٍ ولم يقعد على رأس الرّكعتين.
وقال بعضهم: يُنظر إلى قدر المستحبّ، فكل ركعتين من المستحب تجزئ عن تسليمةٍ كما قال هذا القائل فيما إذا صلّى ستًّا أو ثمانيًا فقعد على رأس كلّ ركعتين.
[ ٢٦٠ ]