(٦) [رِسَالَةٌ فِي] التَّرَاوِيحِ وَالوِتْرِ
قال - ﵀ -:
قد سألني الولد العاقل محمد بدر الدين بن الأخ محمد شمس الدين بن خير الدين، عن الصلاة بعد الوتر. وذكرَ: أنه وقع الكلام في ذلك بينه وبينَ جماعةٍ من أفاضل الطلبة، ويعض المشايخ، ولم يستحضر أحدٌ منهم منقولًا. وإنمّا جوّزوا الكراهة أخذًا من قوله: "وَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلاَتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا" (١).
فقلتُ: قد كتب الإمام حسام الدين في التراويح، والإمام الطحاوي في الوتر. فسألني أن أكتب له ذلك.
فقلتُ: قال الإمام حسام الدين الشهيد (٢) - رحمه الله تعالى -: اختلف
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦٠) عن ابن عمر قال: سأل رجل النبي - ﷺ - وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلّى واحدة، فأوترت له ما صلى". وإنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم وترًا، فإن النبي - ﷺ - أمر به. ورواه أحمد (٢/ ٢٠ و١٠٢ و١٤٣) وابن أبي شيبة (٦٧٠٢) والبخاري (٩٥٣) ومسلم (٧٥١) وأبو داود (١٤٣٨) وابن خزيمة (١٠٨٢) عن عبد الله بن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترًا".
(٢) قال المصنف في تاج التراجم (ص ١٦): عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، برهان الأئمة، أبو محمد، المعروف بالحسام الشهيد، تفقه على أبيه، وصنف الفتاوى الصغرى والفتاوى الكبرى، والجامع الصغير المطول، وهو أستاذ صاحب المحيط،=
[ ٢٣٩ ]
المشايخ - ﵏ - في التراويح، هل تُسَمَّى سُنة (١)؟
قال بعضهم: لاَ. وهي من النوافل.
وقال بعضهم: تسمّى سنة. وهو الصحيح.
وانقطع الخلاف برواية الحسن، عن أبي حنيفة بأنّها سنة (٢). وهذا: لأنّ النبي - ﷺ - قد أقامها في بعض الليالي وتركها في البعض. وبيّنَ العذر في ترك المواظبة عليها، وهو خشية أن تكتب علينا، ثم واظبَ عليها الخلفاء الراشدون.
وقد قال - ﷺ -: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاء مِنْ بَعْدِي" (٣).
_________________
(١) = ولد في صفر سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة، واستشهد في سنة ست وثلاثين وخمس مئة، وعنه أخذ صاحب الهداية. قلت [أي: ابن قطلوبغا]: ومن مصنفاته المبسوط في الخلافيات، وقال أمير كاتب: إن جدّه هو صاحب المحيط. والله أعلم.
(٢) قال أبو بكر الكاشاني في بدائع الصنائع (٣/ ١٤١): وأمّا الذي هو سنن الصّحابة، فصلاة التراويح في ليالي رمضان، والكلام في صلاة التّراويح في مواضع: في بيان وقتها، وفي بيان صفتها، وفي بيان قدرها، وفي سننها، وفي بيان أنّها إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا؟. أمّا صفتها فهي سنةٌ، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: القيام في شهر رمضان سنةٌ لا ينبغي تركها. وكذا روي عن محمدٍ أنّه قال: التّراويح سنةٌ إلا أنّها ليست بسنّة رسول الله - ﷺ -؛ لأنّ سنّة رسول الله - ﷺ - ما واظب عليه ولم يتركه إلّا مرّة أو مرتين لمعنى من المعاني، ورسول الله - ﷺ - ما واظب عليها بل أقامها في بعض اللّيالي، روي أنّه صلّاها لليلتين بجماعةٍ ثمّ ترك وقال: أخشى أن تكتب عليكم. لكن الصَّحابة واظبوا عليها فكانت سنّة الصّحابة.
(٣) انظر المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٥ دار الحديث).
(٤) رواه الدارمي (٩٥) والإمام أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢ و٤٣) وابن حبان (٥) والطبراني في الكبير (١٨/ رقم ٦١٧ - ٦٢٤=
[ ٢٤٠ ]
وسنِّيتها:
ما روى الحسن، عن أبي حنيفة أنّه قال: القيامُ في شهرِ رمضان سُنةٌ لاَ يَنْبَغِي تركها أو ينبغي لأهل كل مسجدٍ أن يصلُّوا في مسجدهم كل ليلةٍ خمس ترويحات يؤمهم رجل يقرأُ في كلّ ركعةٍ عشر آياتٍ أو نحوها يسلّم من كل ركعتين، وكُلّما يصلي ترويحة انتظر بين الترويحتين قدر الترويحة، وينتظر بعد الخامسة قدر الترويحة، ثم يوتر بهم، فتصير عشرين ركعةً سوى الوتر. وهذا مذهب أصحابنا - ﵏ -.
وقال مالك: يقومون ستًّا وثلاثين ركعةً اتباعًا لعمر وعلي. وإِنا نقول: إنّ في ذلك غير مشهور منها (١).
_________________
(١) = و٦٤٢) والأوسط (٦٦) ومسند الشاميين (٤٣٧ و٦٩٧ و٧٨٦ و١١٨٠ و١٣٧٩ و٢٠١٧) والبيهقي (٢/ ٤٢٢) عن العرباض بن سارية - ﵁ -.
(٢) قال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (١/ ١٢١): فيمن افتتح الصلاة قائمًا ثم قعد، قال أبو حنيفة ومالك والثوري والشافعي: يجوز أن يقعد. وقال الحسن ابن حي وأبو يوسف ومحمد: يصلي قائمًا ولا يجلس في عدد قيام رمضان. قال أصحابنا والشافعي: يقومون بعشرين ركعة سوى الوتر. وقال مالك: تسع وثلاثون ركعة بالوتر، ست وثلاثون، والوتر. وقال: هذا الأمر القديم الذي لم يزل الناس عليه. عن السائب بن يزيد: أنهم كانوا يقومون في رمضان بعشرين ركعة، وأنهم كانوا يعتمدون على العصي في زمن عمر بن الخطاب. الحسن بن حي عن عمرو ابن قيس عن أبي الحسناء: أن علي بن أبي طالب أمر رجلًا أن يصلي بهم في شهر رمضان بعشرين ركعة. وقال أبو بكر الكاشاني في بدائع الصنائع (٣/ ١٤٢): فصلٌ: وأمّا قدرها: فعشرون ركعةً في عشر تسليماتٍ، في خمس ترويحاتٍ كل تسليمتين ترويحةٌ وهذا قول عامّة العلماء. =
[ ٢٤١ ]
فإن زادوا ستّ عشر ركعة، فهذا على وجهين:
إنْ أرادوا الترويحات منفردين بغير جماعةٍ، ولا بأسَ به. وهو مستحبٌّ أيضًا.
وإن صلّوا بجماعةٍ [٢٩/ أ] كَمَا هوَ مذهب مالكٍ، كُرِهَ لأنَّ النوافلَ بالجماعةِ لو كانت مستحبةً لكانت أفضل كالمكتوبات. ولو كانت أفضل لكان المجتهدون القائمون بالليل يجتمعون فيصلون جماعةً طلبًا للفضيلة. فلمّا لم يرو ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وعن الصحابة: أنّه لا فضلَ في ذلك لو ثبت الفضل ثبت لمكان التراويح، ولم يثبت ذلك.
وذكر الطحاوي - ﵀ - في اختلاف العلماء: عن المعلى (١)، عن أبي يوسف أنّه قال: من قدر أن يصلّي في بيته كما يصلّي مع الإمام في شهرِ رمضان، فأَحبُّ إليَّ أن يصلِّي في البيت (٢). وهذا خلافُ ظاهرِ الرواية.
_________________
(١) = وقال مالكٌ في قولٍ: ستّةٌ وثلاثون ركعةً. وفي قولٍ: ستةٌ وعشرون ركعةً. والصّحيح قول العامّة، لما روي أن عمر - ﵁ - جمع أصحاب رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان على أبيّ بن كعبٍ، فصلّى بهم في كل ليلةٍ عشرين ركعةً، ولم ينكر أحدٌ عليه فيكون إجماعًا منهم على ذلك.
(٢) تحرف في المخطوط إلى: (المصلي).
(٣) قال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (١/ ١٢٢ - ١٢٣) ونقله عنه صاحب المحيط برهان الدين مازه (٢/ ١٨٢): القيام مع الناس أفضل، أو التفرد؟ روى المعلى عن أبي يوسف قال من قدر أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان فأحبُّ إليَّ أن يصلي في البيت. وكذلك قال مالك، وقال مالك: كان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. قال مالك: وأنا أفعل ذلك، وما قام رسول الله - ﷺ - إلا في بيته. وقال الشافعي: صلاة المنفرد في قيام رمضان=
[ ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أحب إلي. وقال الليث: لو أن الناس في رمضان قاموا لأنفسهم ولأهليهم كلهم حتى يترك المسجد لا يقوم فيه أحد كان ينبغي أن يخرجوا من بيوتهم إلى المسجد حتى يقوموا فيه؛ لأن قيام الناس في شهر رمضان من الأمر الذي لا ينبغي تركه وهو مما سن عمر بن الخطاب للمسلمين وجمعهم عليه. وقال الليث: فأما إذا كانت الجماعة في المسجد فلا بأس أن يقوم الرجل في بيته أو لأهل بيته، وقال أبو جعفر وكل من اختار التفرد فينبغي أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه القيام في المساجد، فأما التفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا، وقد قال قوم إن الجماعة في ذلك أفضل منهم عيسى بن أبان وبكار بن قتيبة والمزني وأحمد بن أبي عمران واحتج ابن أبي عمران بحديث أبي ذر أن النبي - ﷺ - خرج لما بقي سبع من الشهر فصلى بهم حتى مضى ثلث الليل، ثم لم يصل بهم السادسة، ثم خرج الليلة الخامسة فصلى بنا حتى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا، فقال: إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة، ثم خرج الليلة الثالثة فصلى بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح؛ يعني: السحور. واحتج آخرون بحديث موسى بن عقبة، عن أبي النضر، عن بشر بن سعيد، عن زيد ابن ثابت أن النبي - ﷺ - احتجر حجرة في المسجد من حصير، فصلى فيها رسول الله ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته فظنوا أنه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم منذ الليلة حتى خشيت أن يكتب عليكم قيام الليل، ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، فأخبر أن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد، لا سيما مع رسول الله - ﷺ - في مسجده، وقد روي عن ابن عمر وإبراهيم والقاسم وسالم ونافع إنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. قال أبو جعفر: قد أجمعوا أنه لا يجوز للناس تعطيل المساجد عن قيام رمضان، وكان هذا القيام واجبًا على الكفاية فمن فعله كان أفضل ممن انفرد به كالفروض التي هي الكفاية من فعلها أسقط فرضًا وكان فعلها أفضل من تركها. وقال محمد بن فرامرز بن عليّ في درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٣٩):=
[ ٢٤٣ ]