بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على نبينا محمد - ﷺ - وعلى آله وصحبه وبعد.
فإن إزالة هذه الشبهة ونحوها واضحة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، ولا شك أن دين الإسلام الذي هو تشريع خالق السموات والأرض على لسان رسوله - ﷺ - صالحٌ في كل الأزمنة والأمكنة إلى يوم القيامة، ولو بلغ التطوّرُ ما بلغ. وهو كفيل بحفظ جميع المصالح البشرية، وتنظيم علاقاتهم فيما بينهم وسائر أحوالهم. وفيه المحافظة التامة بأقوم الطرق وأعدلها على حفظ دين المجتمع وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأعراضهم وأموالهم.
ولا شك أن من أوضح أحكامه حكمةً، وأظهرها دليلًا، الحكم بالملك بالرقّ، المعبَّر عنه في القرآن "بالملك باليمين"؛ لأن اليمين هي الجارحة التي بها أغلب التصرفات، فأضيف ملك الرقيق إلى اليمين تأكيدًا لحكم ذلك الملك واقتضائه تصرفُّ السيد في عبده التصرفَ الكامل حسب ما اقتضاه الشرع الكريم. وذلك كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، والمعارج: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، وقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقولِه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، وقولِه
[ ١٨٣ ]
تعالى: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾ الآية [الروم: ٢٨] إلى غير ذلك من الآيات. والمراد بمِلك اليمين في جميعها ملكُ الرقيق بالرقّ، وإنما قلنا إنه من أوضح الأحكام حكمةً، وأظهرها دليلًا؛ لأن سبب الرقّ هو الكفر ومحاربة اللّه ورسوله.
وإيضاح ذلك: أن الله خلَقَ الخَلْق ليوحّدوه ويعبدوه ويمتثلوا أمرَه ويجتنبوا نهيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] وأسبغ عليهم نعمه ظاهرةً وباطنة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروا له، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
[ ١٨٤ ]
فتمرَّد الكفارُ على ربهم وطغَوا وعتَوا وأعلنوا الحرب على رسله لئلا تكون كلمتُه هي العليا، واستعملوا جميع المواهب التي أنعم الله عليهم بها في محاربته وارتكاب ما يُسخطه ومعاداته ومعاداة أوليائه القائمين بأمره. وهذا من أعظم الجرائم التي يتصوّرها الإنسان.
فعاقبهم الله الحَكَمُ العدل اللطيف الخبير جل وعلا عقوبةً شديدة تُناسب جريمتَهم، فوضعهم من مقام الإنسانية الكاملة إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات، وهم في الحقيقة كالحيوانات. كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] فأجاز بيعَهم وشراءهم وغير ذلك من التصرفات المالية.
وهذه العقوبة الثانوية التي شرعها خالق السموات والأرض المحيطُ علمه بكلّ شيء كأنه قِتلة أدبية لا قِتلةٌ قاطعةٌ للحياة بمفارقة الروح البدن.
ولو فرضنا - ولله المثل الأعلى - أن حكومة من هذه الحكومات - التي تنكر المِلك بالرق وتُشنِّع على دين الإسلام بذلك - قام عليها رجال من رعاياها - كانت تُغدِق عليهم النعم وتسدي إليهم جميعَ أنواع الإحسان - ودبَّروا عليها ثورةً مسلحة لمحاولة قلب نظام حكمها، ثم قدَرت عليهم بعد مقاومة شديدة فإنها تقتلهم شرَّ قِتلة قاضيةً بمفارقة
[ ١٨٥ ]
الروح البدن. والكافر يغدِقُ عليه خالقُه نِعَم الدنيا، وهو يُدبِّر ثورةً مسلحة لمحاولة قلب النظام السماوي الذي وصفه خالقُ السموات والأرض.
فكيف يُنكرون حكمَ الله بقتله القِتلةَ الأدبية المذكورة وهو لو كان مثلُه قائمًا عليهم لقتلوه أعظم قتلة؟
وهذا يدلّ على سخافة عقولهم في إنكارهم المِلكَ بالرق وهم يُسوِّغون لأنفسهم ما هو أعظم منه، بل عُرف يقينًا من عادتهم أنهم يستعبدون كلَّ مَن قدَروا على استعباده من الأحرار بدون مبرّرٍ يقتضي ذلك، فتوزعهم عن الحكم بالرقّ صيانةً لحقوق الأنسانية في زعمهم الكاذب مع استعبادهم كلَّ مَن قدَروا على استعباده شرَّ استعباد شبيه بتورُّع القائل:
أُريدُ هِجاءَه وأخاف ربي وأعلمُ أنه عبدٌ لئيم
مع أن خالق السموات والأرض لما عاقب الكفار العقوبةَ المذكورةَ الشبيهة بالقِتْلة الأدبية لم يسلبهم حقوقَ الإنسانية سلبًا كليًّا، بل أوجب على مالكهم الرفقَ بهم، والإحسانَ إليهم، وأن يُطعموهم مما يَطعمون، ويكسوهم مما يلبسون، ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وإن كلفوهم أعانوهم كلما هو معلوم.
وبالجملة فقد بذل الكافر كلَّ ما في وُسعه ليحول دون إقامة نظام الله الذي شرعَه ليسير عليه خلقه، فينشر به في الأرض الأمنَ والطمأنينة والرخاءَ والعدالةَ والمساواة في الحقوق الشرعية، وتنتظم به الحياة من
[ ١٨٦ ]