تعريف العنوان: اعلم أولًا أن المُثُل -بضمتين- جمع مثال، وهو من جموع الكثرة المطردة. قال في "الخلاصة".
وفُعُلُ الاسم رباعي بمد قد زيد قبل لام اعلالًا فقد
ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف .. إلخ.
والمثال يُطلق لغةً على عدة معان منها: القصاص، المقدار، وصفة الشيء، والقالب الذي يقدر عليه مثله كالمثل في الأخيرين وهما المراد هنا.
والعليا: تأنيث الأعلى وهو ما له فضل على غيره في العلو مع مشاركته له في ذلك، ووجه كون المنعوت جمعًا والنعت مفردًا مع أن النعت الحقيقي أعني غير السببي يلزم مطابقته للمنعوت إفرادًا وجمعًا وتثنية وتذكيرًا وتأنيثًا هو ما تقرر في النحو من أن الجمع المكسر بنوعيه والسالم من جموع التأنيث كلها يجوز إجراؤها مجرى الواحدة المؤنثة التي هي غير حقيقة التأنيث قال في "الخلاصة":
والتاء مع جمع سوى السالم من مُذَكَّر كالتاء مع احدى اللبن
[ ١٢٧ ]
وقال بذلك بعض الكوفيين أيضًا في الجمع المذكر السالم، وعليه قول الزمخشري:
لا أبالي بجمعهم كل جمع مؤنث
والتأنيث بالألف كالتأنيث بالتاء الساكنة في الأفعال المتحركة في الأسماء قال في "الخلاصة":
علامة التأنيث تاء وألف
فنعت الجمع المفرد في "المثل العليا" كقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه / ١٨] وقوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾ [طه / ٢٣] وقوله: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه / ٥١] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف / ١٨٠] وقوله: ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام / ١٩] ونحو ذلك. والمَثَل -بفتحتين أيضًا- يطلق على الصفة، ويطلق على الشيء الذي يُضرب لشيء مثلًا فيُجْعل مثله.
وإذا علمتَ ذلك فاعلم أن المثل العليا التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - بالتقسيم الأول إنما هي قسمان:
قسم منها: وهو القسم الأعلى الذي لا يُماثل إنما هو لله جل وعلا وحده، كما بين ذلك بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل / ٦٠]. قال ابن جرير ﵀: يقول: ولله المثل الأعلى، وهو الأفضل والأطيب والأحسن والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره.
والتحقيق: أن المثل الأعلى المذكور شامل للتوحيد، والإذعان
[ ١٢٨ ]
له جل وعلا بأنه لا إله غيره ولما هو متصف به من صفات الكمال والجلال مما لا شبيه له ولا نظير، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ [النحل / ٧٤] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى / ١١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس / ١٠٤ - ١٥٧]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج / ٧٣]. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت: ٤١].
فهذه الآيات وأمثالها الكثيرة في القرآن مما يوضح المثل الأعلى الذي هو الله جل وعلا وحده.
والقسم الثاني: من المثل العليا في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وينقسم بالاستقراء إلى ثلاث أقسام:
الأول منها: المثل العليا في التشريع بحيث يكون النظام التشريعي جاريًا على أكمل الوجوه وأحسنها.
[ ١٢٩ ]