فقد بيَّن تعالى في سورة الحشر أن سببها عدم العقل بقوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر / ١٤]، ثم بين السبب بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر / ١٤]، ودواء ضعف العقل هو إنارته باتباع نور الوحي؛ لأن الوحي يُرْشدُ إلى المصالح التي تقصُرُ عنها العقول، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام / ١٢٢]، فبين في هذه الآية أن نور الإيمان يحيا به من كان ميتًا، ويضيء له الطريق التي يمشي فيها. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة / ٢٥٧]، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك / ٢٢]. إلى غير ذلك من الآيات.
وبالجملة فالمصالح البشرية التي بها نظام الدنيا راجعة إلى ثلاثة أنواع.
الأول: دَرْءُ المفاسد، المعروف عند أهل الأصول بالضروريات، وحاصله دفع الضرر عن الستة التي ذكرنا قبل، أعني: الدين والنفس، والعقل، والنسب، والعِرْضُ والمال.
[ ٢٥ ]
الثاني: جلب المصالح، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيَّات، ومن فروعه: البيوع على القول بذلك، والإجارات، وعامَّة المصالح المتبَادَلة بين أفراد المجتمع على الوجه الشرعي.
الثالث: التحلي بمكارم الأخلاق والجري على محاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينات والتتميمات، ومن فروعه خصال الفطْرةِ كإعفاء اللحية وقص الشارب إلخ. ومن فروعه أيضًا: تحريم المستقذرات ووجوب الإنفاق على الأقارب الفقراء. وكل هذه المصالح لا يمكن شيءٌ أشد محافظة عليها بالطرق الحكيمة السليمة من دين الإسلام: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود / ١].
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
[ ٢٦ ]
المحَاضرة الثانيَة
المصالح المرسَلة
_________________
(١) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: أفاد المحقق في المقدمة: أن هذه المحاضرة أملاها الشيخ، وأُلقيت نيابة عنه في الموسم الثقافي بالجامعة الإسلامية لعام ١٣٩٠ هـ
[ ٢٧ ]