من الناس من يشغل بغيره عن نفسه، وتستعلن آثاره أو تتوارى في جهود سواه، وهو في كل ذلك سعيد بما يبذل من وقته وفكره، وسواء أذاع الناس فضله أم جحدوا فهو حيث هو، لا يتحول ولا يريم، لأنه يرضي سخاء نفسه الراغبة في البذل والعطاء.
وقد كان الأستاذ - آجره الله - من هذا الصنف من الناس، فقد فرضت عليه ظروفه الوظيفية في الإرشاد والتوجيه، ثم قبل كل ذلك قلبه المحب للناس الراغب فيهم المستزيد من صداقتهم، فرض عليه كل ذلك أن يعيش لغيره وأن يقف وقته لتلبية الرغبات وقضاء الحاجات. وقد كنت أرى الرسائل أكوامًا تلاحقه في مكتبه وفي بيته من الدارسين والمحققين، وقد تأخذ الرغبات بتلابيبه فيبدو منه بعض الضجر، ولكنه
[ ١ / ٧٦ ]
سرعان ما يثوب إلى نفسه السخية المعطاء فيلبي ويجيب. وافتح أي كتاب شئت من نصوص التراث المنشور لترى آثار علمه وفضله، يذكرها الناشرون تكريمًا للرجل وتزكية لعملهم.
لكن الله بارك له في وقته وسُنَّي له أن يُخرج بعض النصوص حاملة اسمه، وقد أبان فيها عن علم كثير. ففضلًا عن الفهارس العلمية التي صنعها لدار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، حقق ﵀ هذه النصوص، وهي بحسب ترتيبها الزمني:
١ - طبقات الأطباء والحكماء، لأبي سليمان بن حسان الأندلسي المعروف بابن جُلجُل (بجيمين مضمومتين) من علماء القرن الرابع الهجري. وقد كان الفقيد ﵀ يعتز كثيرًا بهذا الكتاب وبعمله فيه. وقد قام له بمقدمة علمية قيمة، قال فيها: «هذا كتاب يعتبر وثيقة هامة في تاريخ العلوم وتطور حركة التأليف والترجمة في القرن الرابع الهجري الذي يعد بحق العصر الذي ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية ونمت وبلغت غايتها من الإنتاج الواسع في شتى ميادين العلوم والآداب.
ولعل ميزة هذا الكتاب الأولى التي جعلت له قيمة علمية خاصة ونصًا قديمًا له خطره في تاريخ العلم أن مؤلفه يعتمد فيما رجع إليه من مصادر على تراجم عربية لأصول لاتينية تاريخية. فقد عهدنا دائمًا أن أكثر الكتب التي نقلها العرب أو غيرهم من المترجمين كانت عن أصول يونانية، والقليل منها عن اللغات الفارسية والسريانية والهندية، وأنهم أكثروا من النقل والترجمة عن هذا الطريق، ولكنا لم نظفر - إلا قيلًا جدًا - بنصوص عربية ترجمت عن اللغات اللاتينية. وربما كان كتابنا هذا أول كتاب استفاد من هذه الترجمات التي نرجح أنها تمَّت في عصره أو قبله بقليل».
ثم يمضي الأستاذ في مقدمته متحدثًا عن مصادر الكتاب، وعن هذا اللون من التصنيف، متتبعًا المسار الزمني له. وقد وقف ﵀ عند بعض النصوص التي أوردها ابن جُلجُل، والتي تذكر صراحة قدم حركة النقل والترجمة في صدر الدولة الأموية. وكان الشائع أنها تمت في العصر العباسي وفي عصر المأمون بالذات.
[ ١ / ٧٧ ]
وهذا النص هو ما جاء في صفحة ٦١ من الكتاب أثناء ترجمة ماسرجويه الطبيب البصري الذي عاش في الدولة الأموية، وتولَّى أيام حُكْم مروان بن الحكم (٦٤ - ٦٥ هـ) ترجمة كتاب «أهرن بن أعين القس» إلى العربية. وكان أهرن من الأطباء الذين عاشوا في الإسكندرية في عصر هرقل (٦١٠ - ٦٤١ م) في صدر الإسلام، ووضع «كناشة» باللغة اليونانية ثم نقله إلى السريانية، إلى أن قام بترجمته إلى العربية ماسرجويه المذكور. وقد ذكر ابن جُلجُل في هذه الترجمة أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) وجده في خزائن الكتب (الأموية) وأنه استخار الله في إخراجه إلى المسلمين.
وكثيرًا ما كان الأستاذ ﵀ يدلني على قيمة هذا النص، ويكثر من الحديث حوله. وقد طبع هذا الكتاب أول مرة بمطبعة الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة ١٩٥٥ م، ثم أعادت مكتبة المثنى ببغداد طبعه بالأوفست منذ ثلاث سنوات، بعد أن عزّت نسخه، فقدمت بذلك خدمة جليلة للعلم والعلماء.
٢ - طبقات فقهاء اليمن، لابن سمرة الجعدي، عمر بن علي المتوفى بعد سنة ٥٨٦ هـ، وهو أول كتاب يظهر خاصًا بعلماء اليمن. وترى في آخره فهرسًا لبلاد اليمن، صنعه الفقيد، آية في التثبُّت والتحرَّي والاستقصاء. وقد طبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة ١٩٥٧ م، وجعله الأستاذ الحلقة الأولى في سلسلة «المكتبة اليمنية» التي كان يريد أن يمضي في نشرها.
٣ - شروط المؤرخ في كتابة التاريخ (مجموعة فتاوى لبعض العلماء فيما يشترط في المؤرخ لكتابة التاريخ من الجرح والتعديل)، نشرت بمجلة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية سنة ١٩٥٧.
٤ - إعارة الكتب عند الأقدمين (نصان قديمان لليزيدي والسيوطي)، نشرت بمجلة معهد المخطوطات سنة ١٩٥٨ م.
٥ - الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (موريتانيا) للشنقيطي أحمد بن الأمين. أشرف الفقيد على طبعه وقدم له. طبع بالقاهرة سنة ١٩٥٩ م.
[ ١ / ٧٨ ]
٦ - العبر في خبر من عبر (١)، للحافظ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ، وهو مختصر لكتابه الكبير «تاريخ الإسلام»، حقق الأستاذ منه الجزئين الثاني والثالث. وطبعا بالكويت سنة ١٩٦١ م.
٧ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (مكة) لتقي الدين الفاسي المتوفى سنة ٨٣٢ هـ وهو أكبر موسوعة في تاريخ مكة ومن عاش فيها أو دخلها أو سكنها من العلماء والفقهاء والشعراء والأدباء وغيرهم. حذا فيه مؤلفه حذو الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والسمعاني في تاريخ مرو. والكتاب في ثمانية أجزاء حقق الفقيد العزيز منه الأجزاء من الثاني إلى السابع، وأعجلته المنية عن إتمام الثامن. وقد كان في نيته ﵀ أن ينشر «ذيل العقد» لابن فهد المكي تلميذ الفاسي. وقد رأيت بعيني مدى ما كابده الأستاذ من جهد في تحقيق الكتاب. ومكة البلد الأمين مهوى الأفئدة ومطمح الأنفس، ارتبطت أرضها الحرام بأداء ركن من أركان الإسلام، فلن تحد عالمًا من علماء الإسلام إلا وردها حاجًّا مجاورًا. ومن هنا كثرت تراجم هذا الكتاب، وانفسح مجال القول أمام الفاسي، فأكثر من النقول والنصوص، ونقل أسماء المترجمين ووفياتهم من أحجار القبور (وتلك منزلة عليا في درجات التأريخ). فكان لزامًا على من يتصدى لتحقيق مثل هذا العمل أن يشارف ذلك المستوى في التحقيق والتوثيق. وقد فعل الرجل، ورجع إلى مصادر الفاسي، مطبوعها ومخطوطها - وما أكثر - وصحح كثيرًا من الأسماء والبلدان.
وقد كان ﵀ حجة في ضبط الأعلام والأنساب. وعلى هذا الذكر أقول إن الأستاذ كان كثير الرجوع في ضبط الأعلام إلى «تاج العروس» للمرتضى الزبيدي، وكان دائم الإشادة بالتاج فيما يتصل بذكر الأعلام والأنساب والألقاب والبلدان. وكان يقول لي كثيرًا: إن هذه فضيلة للتاج عري عنها «لسان العرب» لابن منظور. وقد ابتدأ طبع العقد الثمين بالقاهرة سنة ١٩٥٩ م، وحقَّق الفقيد الجزء الثاني عام ١٩٦٢ م.
_________________
(١) انظر في ضبط اسم الكتاب ص ٢٩٧، في مقالة الطناحي حول الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي.
[ ١ / ٧٩ ]
وحين توفي ﵀ كان في برنامجه تحقيق جملة صالحة من الكتب أذكر منها:
١ - نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، للإدريسي. وكان يقوم على طبع هذه الموسوعة الجغرافية إحدى جمعيات الاستشراق بإيطاليا، عهدت إلى القيد تحقيق القسم الخاص باليمن، ووزعت بقية الأجزاء على خمسة عشر عالمًا ومستشرقًا، وكان ﵀ على نية العمل في هذا الكتاب خلال شهر رمضان الذي لقي ربه فيه.
٢ - طبقات المفسرين، للداودي تلميذ السيوطي.
٣ - فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، وهو من التراث الذي اجتلبه من رحلتي اليمن.
٤ - جزء من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور، الذي يخرجه معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية.