يقول الناس في كلامهم: «كبر الولد يكبر» فيضمون الباء في الماضي والمستقبل، والصواب بالكسر في الماضي، وبالفتح في المستقبل: «كبرِ يكبَر» وهذا يكون في السن والعمر، يقال: كبر الرجل يكبر كبرًا فهو كبير، أي طعن في السن، ومنه قوله تعالى عن أموال اليتامى والنهي عن أكلها: ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا﴾ [النساء: ٦]، أما «كبر يكبر» بالضم في الحالتين، فليس من السن، وإنما هو بمعنى عظم، ضد صغر، وشواهده في الكتاب العزيز كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (٣)﴾ [الصف: ٣]، وقوله ﷿: ﴿قل كونوا حجارة أو حديدًا (٥٠) أو خلقًا مما يكبر في صدروكم﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١]. ويقولون: نقمت عليه كذا وكذا - أي عبته وكرهته - فيكسرون القاف في «نقمت» والأفصح الفتح: نقمت، وهذا الفعل من باب ضرب، وفي لغة من باب تعب، والأولى هي الأفصح، قال ابن السكيت: «وقد نقمت عليه أنقم، والكسر لغة - أي في الماضي - والفتح الكلام»، قلت: وبه جاء التنزيل، قال تعالى: ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ [التوبة: ٧٤]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (٨)﴾ [البروج: ٨]، وقال تقدَّست أسماؤه: ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩].
ويقولون: فلان ينقصني حقي، وينقص في الميزان، فيضمون ياء المضارعة، والأفصح والأكثر فتحها، ينقصني، وينقص، وهذا الفعل ثلاثي: يستوي فيه اللازم
[ ١ / ١٥٥ ]
والمتعدي، يقال: نقض الشيء، نقصته أنا، ونقصه هو. وفي لغة: أنقصه ونقَّصه، معدَّى بالهمزة والتضعيف، لكنها لغة ضعيفة، ولم تأت في كلام فصيح، وشواهد ذلك من القرآن المتلو المحفوظ، ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ [هود: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ [التوبة: ٤]. وقد جاء اسم المفعول من الثلاثي في قوله ﷿: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (١٠٩)﴾ [هود: ١٠٩].
ويقولون: حرص فلان على كذا، وحرصت على كذا، فيكسرون الراء، والأفصح فتحها، حرص وحرصت، وبالفتح جاء التنزيل، قال سبحانه وبحمده: ﴿وما أكثر الناس ولو حصرت بمؤمنين (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال ﷿: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩].
ويقولون: صلح حالي، وصلح أمري، فيضمون اللام، والأفصح فتحها: صلَح، قال تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ [الرعد: ٢٣]، وقال تقدَّست أسماؤه: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ [غافر: ٨]، ومن شواهد ذلك في الحديث الصحيح قوله ﷺ من حديثه الطويل: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»، قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر فتح العين في «صلح»: «وحكى الفراء الضم في ماضي صلح». وهذا بالفعل من باب قعد: صلح يصلح، وذكر ابن دريد أن ضم اللام في الماضي ليس بثبت.
وهكذا تكون النصوص التراثية - وأعلاها كلام ربنا ﷿ - وسيلة ضبط وإتقان، إذا اعتنينا بها قراءة وحفظًا.
ويبقى أمر لا بد من إثارته، لأنه يتصل بموضوعنا هذا بنسب وثيق، وإن كان في الظاهر دخيلًا عليه وبعيدًا عنه، ولأنه أيضًا يتصل بالثقافة العامة وتنمية وجدان الأمة: وذلك أنك كنت تجد - في الزمان القريب - من أوساط الناس وعوامهم من يأنس للكلام الفصيح ويرتاح له، ويحفظ منه الشيء بعد الشيء، وذلك من خلال ما
[ ١ / ١٥٦ ]
يسمعونه من خطيب الجمعة، العالم المتمكن، من نصوص القرآن العزيز والحديث الشريف، والأدعية المأثورة. أما الآن فتكاد خطب الجمعة - ولا سيما على ألسنة الشبان المتحمسين - تتحول إلى ثرثرة وكلام عام مبهم عن «مدرسة محمد ﷺ»، و«الإسلام في خطر» و«الإسلام هو الحل» وهذا وهذان مما يصرف عن الاستشهاد بالقرآن والحديث وكلام العرب، وإذا أتاك شيء من ذلك فهو يأتيك في معظمه ملحونًا ومزالًا عن جهته.
وكل هذا إنما جاء من مقولات مضللة، وهي أن «خطب الجمعة لا بد أن تتفاعل مع الأحداث المعاصرة، وأن تشارك في صنع القرار» إلى آخر ما تعرف.
وليتنا نعود إلى خطبة الجمعة المكتوبة على الورق الأصفر، والتي كان الخطيب يدعو في آخرها للسلطان بالنصر - ونستغفر الله مما سخرنا من هذه الخطب - فمن خلال هذه الخطب المكتوبة حفظنا كثيرًا من النصوص، وضبطنا كثيرًا من أبنية الأسماء والأفعال. وربنا المستعان على ما يصفون.
* * *
[ ١ / ١٥٧ ]