في عدد يوليو ١٩٩٢ م من «الهلال» كتبت كلمة عن «الشيخ مصطفى إسماعيل وقراء مصر»، جعلتها تحية وصلة لكتاب أستاذنا الكبير الناقد الشاعر كمال النجمي، عن الشيخ مصطفى إسماعيل ﵀.
والحديث عن قراءة القرآن وإقرائه بمصر، لا بد فيه من التفرقة بين «القارئ» و«المقرئ»، ومعروف أن لمصر في الفريقين تاريخًا عريضًا وأيامًا زاهية.
فالقارئ: هو الذي يقرأ لنفسه وقد يسمعه غيره. والمقرئ: هو الذي يُقرئ غيره، تعليمًا وتوجيهًا، وتقول اللغة: «رجل قارئ، من قوم قراء وقَرَأه - بوزن فَعَلَة - وقارئين، وأقرأ غيره يُقرئه إقراءً، ومنه قيل: فلان المقرئ». وبهذه التفرقة بين الفعل اللازم والفعل المتعدي يحسن أن نقول عن الذي يقرأ بصوت حسن في المناسبات وفي الإذاعة، كالشيخ مصطفى إسماعيل ومن إليه، قارئ، ونقول عن الذي يحفَّظ الصغار في الكتاتيب وجماعات تحفيظ القرآن: مقرئ.
على أنه قد يجتمع الفريقان في جمع التكسير، فيقال: «القُرَّاء» لمن يقرأ ولمن يُقرئ، وعلى هذا سمَّى الحافظ الذهبي كتابه: «معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار»، وابن الجزري كتابه: «غاية النهاية في اختصار طبقات القراء».
_________________
(١) مجلة «الهلال»، مارس ١٩٩٣ م.
[ ١ / ٢٣٥ ]
على أن «للمقرئ» في تاريخنا التراثي معنى أوسع وأشمل من مجرد تحفيظ القرآن للصغار ومن فوقهم. فالمقرئ: هو ذلك العالم الذي يعرف القراءات القرآنية: رواية ودراية، بحيث يكون قادرًا على جَمْع الطرق والروايات، ومعرفة وجوه الخلاف بين القراء، والاحتجاج للقراءات وتوجيهها من لغة العرب، ويكون أيضًا متقنًا لطرق الأداء - وهو ما يُعرف الآن بعلم التجويد - ووقوف القرآن: الكافي منها والتام والحسن، ثم يتلقى الناس عنه ذلك كله مشافهة وسماعًا.
وقد نبغ في كل زمان ومكان من قاموا بهذا الأمر على خير وجه، فضلًا من الله وحياطة لكتابه وحفظًا له، ولم يكن لمصر على سواها من الدول العربية والإسلامية فضل وزيادة، فهو رزق الله المقسَّم على خلقه شرقًا وغربًا، ليتم وعده ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)﴾ [الحجر: ٩]، ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧]، لكن الأمر كاد يخلص لمصر في القرنين الأخيرين، فتربع قراؤها على عرش الإقراء والقراءة: رواية ودراية وجمال صوت، وصارت الرحلة إليهم من الشرق ومن الغرب، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة ذكرتها في مقالتي عن «الشيخ مصطفى إسماعيل».
ويذكر التاريخ أسماء عظيمة لمعت في سماء مصر في القرنين الأخيرين، وخدمت كتاب الله إقراءً وتأليفًا. ومنهم الشيخ محمد أحمد المتولي المتوفى سنة ١٣١٣ هـ = ١٨٩٥ م، والشيخ محمد مكي نصر المتوفى بعد سنة ١٣٠٨ هـ، وهو صاحب أعظم كتاب في طرق الأداء وصفات الحروف ومخارجها «نهاية القول المفيد في علم التجويد»، والشيخ علي محمد الضبَّاع المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ = ١٩٦١ م.
ومن المعاصرين: الشيخ المقرئ العالم عبد الفتاح عبد الغني القاضي المتوفى سنة ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٢ م، والشيخ إبراهيم علي شحاتة المقيم الآن بسمَنُّود، والشيخ أحمد عبد العزيز أحمد محمد الزيات، الأستاذ بكلية القرآن بالمدينة النبوية الآن، ويقال: إن الشيخ الزيات هو أعلى القراء الآن إسنادًا (وعلو الإسناد معناه قلة
[ ١ / ٢٣٦ ]
الوسائط بين القارئ الآن، وبين القارئ الأول، وهو المصطفى ﷺ بما نزل به جبريل ﵇، عن رب العزة والجلال).