عرف تاريخ الثقافة العربية كثيرًا من البيوتات العلمية التي استفاض العلم فيها، وكان إرثًا طيبًا يؤول إلى الأبناء فيما يؤول إليهم من عقار وحطام، فكان علم الأبناء امتدادًا ناضجًا لعلم الآباء. وقد صان هؤلاء الأبناء ذلك الموروث العلمي العظيم، وعملوا على إثرائه وإخصابه.
وبحسبنا في هذا المقام أن نذكر أبا حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر، المتوفى سنة ٢٧٧ هـ، وابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، المتوفى سنة ٣٢٧ هـ، من أئمة علم الجرح والتعديل. والإمام ضياء الدين خطيب الري عمر بن الحسين بن الحسن، وابنه الفخر الرازي محمد بن عمر، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ من فرسان علم الكلام.
على أنه لم يستعلن تأثير والد في ولده كما استعلن في تاريخ الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، المولود في سنة ٦٨٣ هـ والمتوفى في سنة ٧٥٦ هـ، وولده العلامة تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي، المولود في سنة ٧٢٧ هـ، والمتوفى في سنة ٧٧١ هـ.
وقد أجمع المؤرخون على فضل الوالد وسعة علمه، فيقول عنه الذهبي - فيما ينقل عنه السبكي:
_________________
(١) مجلة «الرسالة»، إبريل/ نيسان ١٩٦٥ م.
[ ١ / ٤٧ ]
«القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، كان صادقًا ثبتًا خيرًا دينًا، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقربها، والعربية ويحققها».
ويكفي دليلًا على علم هذا الرجل أنه كان الوحيد من بين علماء عصره الذي تصدى لابن تيمية - على عنفه وشدته - ورد عليه في مسألتي الطلاق، وزيارة قبر النبيّ ﵊، وهما المسألتان اللتان زعزع بهما ابن تيمية كيان العلماء في عصره. فرد عليه الإمام السبكي في مسألة الطلاق برسالتين: رافع الشقاق في مسألة الطلاق، والتحقيق في مسألة التعليق. ورد عليه في الزيارة برسالة شفاء السقام في زيارة خير الأنام، أو شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة.
ويقول فيه ابن تيمية: «لقد برز هذا على أقرانه». وقد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري - عصر الموسوعات العلمية - هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الإسلامي، والتي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.
وقد ولد تاج الدين بالقاهرة، ونسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية. ولم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو واللعب، كما يفعل لداته وأترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم وتطلب الفتيا. فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل واتئاد، حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد. وكان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، وجلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد: «طبقات الشافعية الكبرى».
لقد انفسخ هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب الشافعي - لكثير من المباحث الفقهية والفتاوى الشرعية، والمقالات، والمناظرات، والنوادر
[ ١ / ٤٨ ]
والملح، كما حفل بالضوابط اللغوية ومسائل علم الكلام والأصول. كما كان مصدرًا أدبيًّا لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحب.
وكان أيضًا مرجعًا أصيلًا في جمع أشعار الشعراء. على أن أهميته الكبرى بعد كل ذلك ترجع إلى أنه حفظ لنا كثيرًا من النصوص التي ضاعت أصولها. كتاريخ نيسابور، للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله، المعروف بابن البَيَّع، المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، وتاريخ مصر لابن يونس، عبد الرحمن بن أحمد المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، وغير هذين الكتابين كثير من هذه الأمهات التي عبث بها الزمان.
وقد عالج ابن السبكي في كتابه هذا ذلك المنهج العلمي، الذي عرف فيما بعد، ونسب إلى ابن خلدون، ذلك المنهج القائم على تمحيص الأخبار، والتنبه لما تفعله المعاصرة والعصبية في المذهب.
استمع إليه بقول في ترجمة أحمد بن صالح المصري، في الطبقة الثانية: «ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد، واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة، فجرحه لذلك». ولم تقف تلمذته للإمام الذهبي حائلًا دون نقده مُرَّ النقد لمخالفته هذا المنهج القائم على الحيدة والتجرد، فيقول عنه: «وهو شيخنا ومعلمنا، غير أن الحق أحق أن يتبع، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه».
ولكن هذه الحياة العلمية المخلصة لم تشغل صاحبنا عن أن يلمس مظاهر الضعف والعسف التي استعلنت في الحكم المملوكي الجائر، فظهرت دعواته الإصلاحية النقدية في كتابه القيم: «معيد النعم ومبيد النقم».
لقد كان هذا الكتاب ثورة عاتية على نظم الحكم وأخلاق الناس، فقد أتيح لابن السبكي من خلال مشاركته في الحياة العامة - مدرسًا وخطيبًا وقاضيًا - أن يرى ويحس مدى التمزق الذي شمل الأمة نتيجة للحكم المملوكي البغيض، الذي نبتت فيه فكرة «تركي وفلاح». والذي استأثر فيه المماليك بالمناصب الكبرى، وتركوا أصحاب الأرض الحقيقيين يشربون العرق ويقتاتون السهد.
[ ١ / ٤٩ ]
وقد وضع ابن السبكي كتابه هذا ردًا على سؤال ورد عليه، أو وضعه هو بين يدي كتابه، موضوعه: «هل من طريق لمن سلب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه، وردَّت عليه»؟ وإجابة عن هذا السؤال راح ابن السبكي ينقد بقسوة وصراحة طوائف الأمة، ابتداء من السلطان إلى أرباب الحرف، آخذًا في طريقه نواب السلطان والقضاة والمدرسين، ورجال الدين من العلماء والصوفية.
استمع إليه يلخص رأيه في الأتراك عمومًا، فيقول: «وقد اعتبرت كثيرًا من الأتراك يميلون إلى أول شاك، وما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم»، ثم يسخر من هؤلاء الأتراك وتعلقهم من الإسلام بالمظاهر الفارغة، فيقول: «وأما أنك ترتكب ما نهى الله عنه وتترك ما أمر به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال: هذا جامع فلان فلا والله لن يتقبله الله تعالى أبدًا».
ثمَّ يتكلَّم عن السلطان ويحدد اختصاصاته فيقول: «إن الله لم يوله على المسلمين ليكون رئيسًا آكلًا شاربًا مستريحًا، بل لينصر الدين ويعلي الكلمة».
وحين يتحدث عن العلماء والمفتين يأخذ على بعض هؤلاء وأولئك تعصبهم لمذاهبهم، وإضاعتهم الوقت في الخلافيات، فيقول مخاطبًا العلماء: «لو أن الشافعي وأبا حنيفة ومالكًا وأحمد أحياء يرزقون لشدَّدوا النكير عليكم وتبرأوا منكم فيما تفعلون»، ثم يأتي إلى المفتين فيقول: «ومنهم طائفة تصلبت في أمر دينها، فجزاها الله خيرًا، تنكر المنكر وتتشدد فيه، وتأخذ بالأغلظ، وتتوقى مظان التهم، غير أنها تبالغ فلا تُذكر لضعفة الإيمان من الأمراء والعوام إلا أغلظ المذاهب، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم. فمن حق هذه الطائفة الملاطفة وتسهيل ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير، إذا كان الشرع قد جعل لتسهيله طريقًا، كما أن من حقها التشديد فيما ترى أن في تسهيله ما يؤدي إلى ارتكاب شيء من حرمات الله».
[ ١ / ٥٠ ]
ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجًا تربويًّا راشدًا حين يقول: «وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدريهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات». وتتجلى دعوة صاحبنا الإصلاحية في أبهى صورها حين يأسى للفلاح الذي يستهلك في السخرة والإقطاع. فحين يتكلم عن منصب ناظر الجيش وتحديد اختصاصاته يقول: «ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر، لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه».
وبعد ألا تعتقد معي أيها القارئ الكريم أن هذا الرجل إنما يتكلم بلغة عصرنا، كمصلح اجتماعي، وكعالم نفساني، بصير بالنفس الإنسانية، عالم بضعفها.
وكان طبيعيًّا بعد هذا النقد المر الجارح لنظام الحكم وأخلاق الناس أن تتعرض حياة الرجل ومصير أسرته للزوابع والأعاصير، فيعزل عن منصب القضاء، لأسباب واهية ذكرها الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» وتُجرى له محاكمة، يحكم عليه فيها بالحبس سنة. ولكن هل ضعف ابن السبكي، أو تخاذل؟ استمع إلى معاصره الحافظ ابن كثير يقول: «جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وحصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، وأبان في أيام محنته عن شجاعة وقوة على المناظرة، حتى أفحم خصومه، ثم لما عاد عفا عنهم، وصفح عمن قام عليه».
وبعد هذه الحياة الخصية الزاخرة بالعلم والإصلاح انطفأت هذه الشعلة التي توهَّجت عبر أربع وأربعين سنة. وحق لابن السبكي أن يقول في زهو ورضا، في ورقة كتبها إلى نائب الشام: «وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد علي هذه الكلمة».
[ ١ / ٥١ ]
توفي تاج الدين شهيدًا بالطاعون (بالدهشة) ظاهر دمشق في ذي الحجة. خطب يوم الجمعة، وطعن ليلة السبت رابعه، ومات ليلة الثلاثاء سابعه سنة ٧٧١ هـ، ودُفن بتربة السبكية بسفح قاسيون، عن أربع وأربعين سنة، بعد أن جلا صفحة مشرقة في تاريخ علماء المسلمين.
* * *
[ ١ / ٥٢ ]