ويقف سيدي وشيخي الشيخ عامر السيد عثمان بين هؤلاء الكوكبة من القراء المعاصرين في مكان ضخم بارز، فهو أكثرهم إقراء للناس، واتصالًا بهم، وتأثيرًا فيهم.
وقد عرفته منذ عشرين عامًا قبل وفاته حين بدأ العمل في تحقيق كتاب «لطائف الإشارات في علم القراءات» لشهاب الدين القسطلَّاني، شارح البخاري، المتوفى سنة ٩٢٣ هـ، بالاشتراك مع الدكتور عبد الصبور شاهين.
وكان الشيخ يتردد على دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات - وكنت يومئذ أعمل به - فشدَّني إليه، ورغَّبني فيه، ودعاني إلى حلقته العامرة الممتدة على أيام الأسبوع كله، فوقفت منه على علم غزير جم، وتمثلت فيه وبه هذه الأوصاف الضافية التي تأتي في كتب التراجم والطبقات، ويظنها من لا علم عنده بتاريخ الأمة، وأحوال الرجال، من المبالغات والتهاويل التي يغص بها تاريخنا زعموا!
نعم رأيت في هذا الشيخ الجليل كثيرًا مما كنت أقرأه في طبقات القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء: من سعة الرواية، وكثرة الحفظ، وجمع الطرق، ودقة الضبط، وتحرير الرواية، وحسن الإتقان.
ولد شيخنا الشيخ عامر، ﵀، بقرية «ملامس» مركز منيا القمح، محافظة الشرقية، في ١٦ مايو سنة ١٩٠٠ م. وحفظ القرآن الكريم بمكتب الشيخ عطية سلامة، وأئمة ولم يتجاوز التاسعة من عمره، ثم أرسله والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا، وتلقى القرآن بقراءة الإمام نافع المدني، من فم عالم القراءات الشيخ السعودي. وقد أُوتي الشيخ عامر في صباه حظًا من حسن الصوت أهَّله لأن يكون قارئًا مرموقًا بمحافظة الشرقية، يقرأ في الليالي والمناسبات، وهو طريق جالب
[ ١ / ٢٣٧ ]
للرزق الواسع والشهرة المستفيضة، ولكنه عزف عن ذلك وولى وجهه شطر القاهرة، حيث الأزهر الشريف، وأئمة القراءة والإقراء.
وفي القاهرة أخذ في القراءة والتلقي والمشافهة والعرض والسماع، فتلقى القراءات العشر الصغرى من طريق الشاطبية والدرة، على الشيخ محمد غنيم، وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير، وهو على العلامة المقرئ أحمد الدري التهامي، وسنده إلى رسول الله ﷺ، معروف.
ثم تلقى القراءات العشر الكبرى على الشيخ علي عبد الرحمن سبيع، من أول القرآن إلى قوله تعالى في سورة هود (وقال اركبوا فيها)، ثم إن الشيخ عليًّا أرسل خلف الشيخ عامر يقول له: سوف نبدأ بعد ثلاثة أيام، فقال له الشيخ عامر: كيف سنبدأ بعد ثلاثة أيام يا سيدي ونحن قد وصلنا إلى قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها)؟ فقال له الشيخ علي: «بعدين ح تعرف»، ثم توفي الشيخ بعد ثلاثة أيام من هذا الكلام. وكان شيخنا الشيخ عامر إذا ذكر هذه القصة اغرورقت عيناه بالدموع، ويقول: «فكان معنى كلام الشيخ علي أن أيام الآخرة بالنسبة له ستبدأ بعد ثلاثة أيام».
وتوفي الشيخ علي سبيعة سنة ١٩٢٧ م.
ثم إن الشيخ عامر شرع في ختمة جديدة على تلميذ الشيخ علي سبيع، وهو الشيخ همام قطب، فقرأ عليه ختمة كاملة بالقراءات العشر الكبرى، من طريق الطيَّبة بالتحرير والإتقان، وقرأ الشيخ همام على الشيخ علي سبيع المذكور، وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير، وهو على الشيخ محمد المتولي، وهو على الشيخ أحمد الدري التهامي، وسنده معروف.