كانت نفحة عطرة، تلك التي نشرها قلم الشاعر الناقد (السمَّيع) الأستاذ كمال النجمي - أطال الله في النعمة بقاءه - وذلك في كتابه «الشيخ مصطفى إسماعيل - حياته في ظل القرآن».
والحديث عن الشيخ مصطفى إسماعيل، ﵀، يستدعي تاريخًا عريضًا ممتدًا عن إقراء القرآن وقراءته بمصر، وهو تاريخ حافل بكل عجيبة وغريبة. ولقد سمعنا من أهل العلم في ديارنا وغير ديارنا هذه الكلمة المأثورة: «القرآن الكريم نزل بمكة وقرئ في مصر وكتب في استانبول»، وهي كلمة حكيمة يصدقها التاريخ ويؤكدها الواقع، ولولا ضيق المقام لكان لي فيها تفسير وبيان.
ولقد أثرت طريقة أداء القرَّاء المصريين في قرَّاء الدنيا شرقًا وغربًا، وخاصة بعد شيوع آلات الإيصال الحديثة من المذياع والأسطوانات والأشرطة، ولقد أذكر أني دعيت إلى مؤتمر علمي في الموصل بالعراق سنة ١٩٨٢ م، وذات يوم كنا نتجول في شوارع الموصل تلك المدينة صاحبة التاريخ، فانتهى إلى سمعي صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يجلجل من بعض المحلات التجارية، فقلت بصوت مسموع: الشيخ عبد الباسط هنا! فرد علي العالم العراقي الكبير الدكتور حسين علي محفوظ: «يا أخي، نحن العراقيين كانت لنا لحون خاصة وأداء خاص للقرآن الكريم حتى كان عام ١٩٤٨ م وتوفيت الملكة «عالية» وجاءنا قارئان من مصر لإحياء ليالي
_________________
(١) مجلة «الهلال»، يوليه ١٩٩٢ م.
[ ١ / ١٨٧ ]
المأتم: الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ أبو العينين شعيشع، فأعجب الناس بها إعجابًا شديدًا استحال إلى محاكاة وتقليد للأداء المصري وهجر القرَّاء العراقيون طريقتهم «المأثورة».
وفي سنة ١٩٧١ م كنت في زيارة لمدينة «أدرنة» بشمال تركيا، وفي مسجد السلطان سليم استقبلنا مقيم الشعائر بالمسجد، وما أن علم أننا مصريون حتى هش وبش وقال بالحرف: ما شاء الله، مصر، أزهر شريف، أنا الشيخ يوسف، سلموا على الشيخ مصطفى إسماعيل، فأنا أحبه كثيرًا، لقد جاء إلينا وقرأ في هذا المسجد، ثم انطلق يردد بصوت عال آيات من سورة آل عمران جهد أن يقلد فيها صوت الشيخ مصطفى.
واستمع إلى قرَّاء القرآن الآن في الباكستان والهند والصين، وبلاد جنوب شرقي آسيا، تجد لهذا الذي ذكرته من التأثير المصري أشباهًا ونظائر، بل إن التسجيلات التي ملأت مصر الآن لقرَّاء الحرمين الشريفين، والتي يعجب بها الناس إعجابًا شديدًا، للمشايخ: علي الحذيفي، وإبراهيم الأخضر، وعلي باجابر، وعبد الرحمن السديس، إنما يظهر الأثر المصري فيها واضحًا جدًا لمن يعرفون الأصوات وتاريخ الشعوب في قراءة القرآن، ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧].
لكن الأمر كاد يخلص لمصر في القرنين الأخيرين، فتربع قراؤها على عرش الإقراء: رواية ودراية، وصارت الرحلة إليهم من الشرق والغرب، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة: منها بروز الأزهر الشريف قوة كبرى مؤثرة بعد الحملة الفرنسية، وتأثير رجاله على الحياة العامة: سياسيًّا واجتماعيًّا، ومنها استقرار الأوضاع وازدهار الحياة بمصر أيام محمد على وذريته، ومنها - وهو الأهم - إنشاء مطبعة بولاق والمطابع الأهلية الأخرى، وفي هذه المطابع خرجت منظومات علم القراءات ومتونه: كالشاطبية وشروحها، وطيبة النشر، والمقدمة الجزرية، وغير ذلك مما لا يحصى الآن. ثم كان أبقى أثر وأخلده هو «مصحف الملك فؤاد» الذي طبع بمصر سنة ١٣٣٧ هـ وقد قام بتصحيحه ومراجعته على أمهات كتب الرسم والضبط والقراءات:
[ ١ / ١٨٨ ]
الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني، وحفني بك ناصف، والمشايخ مصطفى عناني، وأحمد الإسكندري، ونصر العادلي، وهذه الطبعة هي أصح طبعة للقرآن الكريم بشهادة أهل العلم والخبرة.
ثم كانت الوثبة الكبرى في طريق علم القراءات بمصر هي إنشاء معهد خاص للقراءات تابع لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف عام ١٩٤٣ م، وفي هذا المعهد تخرجت أجيال حافظة للقرآن ضابطة لقراءاته وعلومه.
ويذكر التاريخ أسماء عظيمة لمعت في سماء مصر في القرنين الأخيرين، وخدمت كتاب الله إقراء وتأليفًا، ورحل الناس إليهم من كل مكان لمشافهتهم والتلقي عنهم ومنهم.