على أنه مما ينبغي التنبه له والحذر منه أن الضرورة الشعرية - أو إن شئت لغة الشعر - لا تبيح للشاعر أن يخرج عن سَنَن العربية. قال أبو سعيد السيرافي، وهو يشرح كلام سيبويه، في الضرورة الشعرية: «وليس في شيء من ذلك رفع منصوب، ولا نصب مخفوض، ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحنًا، ومتى وُجدَ هذا في شعر كان ساقطًا مطًّرحًا، ولم يدخل في ضرورة الشعر».
والعميد الدكتور طه حسين، الذي قال عنه الأستاذ حجازي إنه أخرج الشعر الجاهلي من سلطان النحاة، يعيب على بعض الشعراء المحدَثين خروجهم على قواعد النحو، فيقول عن الشاعر إيليا أبي ماضي إنه اتخذ ضعفه في النحو مذهبًا، وقد ردد هذا الرأي الناقد اللبناني صلاح لبكي، في كتابه «لبنان الشاعر» فرأى أن شعراء المهجر آنسوا ضعفهم في اللغة، ويأسَهم من إصلاحها، فلم يجدوا بدًا من أن يتخذوا هذا الضعف مذهبًا، وآية ذلك فصل للأستاذ ميخائيل نعيمة في «الغربال» عنوانه ضفادع الأدب.
فليست لغة الشعر، أو الإبداع الشعري، مجازًا إلى الفوضى اللغوية، أو رخصة ليقول بعضهم: «قد فوق وقد تحت»، ولعل ذلك يذكرنا بمقالة أخرى للأستاذ حجازي، نشرها بجريدة الأهرام بتاريخ ٤/ ٣/١٩٩٢ م، بعنوان «حد الصواب وحد الخطأ»، وذكر فيها كلامًا عجيبًا حول اللغة الاعتباطية، وأن القاعدة اللغوية ليست نموذجًا مثاليًا لا يتغير ولا يتبدل، وأن اللغة إذا لم تكن تنزيلًا فكل شيء فيها مباح إلى كلام آخر كثير مما يقال فيه: «وآخر من شكله أزواج»، وهو
[ ١ / ٢٢٠ ]
كلام منقوض من جهاته كلها، لكن الذي يعنيني منه هنا استشهاده على تجاوز القواعد النحوية بالقراءة المنسوبة للإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وذلك قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، برفع لفظ الجلالة ونصب ﴿العلماء﴾، وعندي في هذه القراءة كلام كثير لا يتسع له هذا الموضوع، لكني أوجزه فيما يلي:
أولًا: هذه قراءة منكرة، لا شاذة، كما ذكر الأستاذ حجازي، وفرق كبير في علم القراءات بين القراءة المنكرة والقراءة الشاذة، فالقراءة المنكرة مرفوضة، أما القراءة الشاذة فإن لها حدودًا ومعالم، وليس وصف القراء بالشاذة غضبًا منها أو تهمة لها، وإنما وصفت القراءة بالشذوذ لخروجها عن قراء القرَّاء العشرة المعتبرين. ولذلك يقول ابن جني في مقدمة كتاب المحتسب، عن هذا الشاذ: «إلا أنه مع خروجه عنها - أي عن القراءات العشر - نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالرواية من أمامه وورائه، ولعله، أو كثيرًا منه، مساو في الفصاحة للمجتمع عليه.
ونعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنُف بغيره فصاحته ».