وقراء القراءات الشاذة أربعة من كبار علماء العربية وهم: ابن محيصن، ويحيى اليزيدي، والحسن البصري، وسليمان الأعمش. وقد ألّفت كتب في ذكر قراءتهم وتوجيهها، وعندي من كتب توجيه القراءات الشاذة هذه ثلاثة كتب، أولها: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، لان جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، ومختصر في شواذ القراءات لابن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.
والقراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب للشيخ عبد الفتاح القاضي، وهو عالم قراءات مصري كبير، توفي منذ عشر سنوات، سنة ١٤٠٣ هـ، ولا ذكر لهذه القراءة المنسوبة لأبي حنيفة وللخليفة عمر بن عبد العزيز في هذه الكتب الثلاثة، وكذلك لم أجد لها ذكرًا في كتاب الدمياطي: إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر.
[ ١ / ٢٢١ ]
ثانيًا: ذكر الآلوسي في كتابه روح المعاني ٢٢/ ١٩١: أن صاحب النشر - وهو ابن الجزري - طعن في هذه القراءة. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٢٧/ ٣١٢ بعد أن ذكر نسبة هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة: «ولعل ذلك لا يصح عنهما، وقد رأينا كتبًا في الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة، وإنما ذكرها الزمخشري».
قلتُ: نعم ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣/ ٣٠٨، وعبارته: «فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة؟ قلتُ: الخشية في هذه القراءة استعارة. والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عبادة». انتهى كلام الزمخشري.
وتأمل قول: «ويحكى عن أبي حنيفة»، فهو أسلوب غير قاطع بنسبة هذه القراءة إلى الإمام الأعظم. وأيضًا فإنَّ انفراد الزمخشري بذكر هذه القراءة وتوجيهه لها على أسلوب الاستعارة يتفق مع منهجه الذي غلب عليه في تفسيره، وهو العناية بالمجاز والاستعارة وتنزيل الكلام عليهما، وواضح أن تفسير الآية الكريمة على نصب لفظ الجلالة ﴿الله﴾ ورفع ﴿العلماء﴾ إنما هو على الخشية الحقيقية، وتفسيرها على العكس، بالرفع والنصب إنما هو على المجاز، كما سبق. فليس معنى الآية واحدًا في القراءتين، كما فهم الأستاذ حجازي!
ثالثًا: لم يلتفت إلى هذه القراءة المنكرة أئمة المفسرين الثقات: من أمثال أبي جعفر الطبري، وأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي الفداء ابن كثير، فلم يأت في تفاسيرهم شيء عنها البتة.
رابعًا: هذه القراءة المنكرة المنسوبة لأبي حنيفة ليست أول حكاية عن مخالفته لقواعد اللغة والنحو، فقد رُوِي عنه غيرها، كما تراه في ترجمة الخطيب البغدادي له في تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٢، ويرى المحققون أن الحامل للخطيب على
[ ١ / ٢٢٢ ]
ذلك هو عصبية المذهب، وهي آكلة القلب، ومغمضة العين، ومطلقة اللسان، لأن الخطيب كان شافعي المذهب، ولذلك عاب عليه ابن خلكان في وفيات الأعيان ٥/ ٤١٣ مَسْلَكه هذا في ترجمة أبي حنيفة، وقال إنه كان الأليق به تركه والإضراب عنه.
ومن وراء ذلك كله: فإن الكلام في القراءات القرآنية طريق مخوف العواقب، ليس من باب الديانة فقط - وهي عزيزة علينا - ولكن من باب اللغة أيضًا وضروبها المتشبعة الشائكة. ولعل الشاعر الكبير الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي يريح نفسه من الحديث في قضايا اللغة والنحو، فإنها مجلبة للهم، تكد الذهن وتصدع الرأس، والسالك فيها لا يأمن العثرة بن العثرة، والزلة إثر الزلة، والسعيد من وفقه الله.