إنَّ النحو علم وصناعة، وقد قعَّد النحاة القواعد بناء على الجمهور الأعظم الذي انتهى إليهم من كلام العرب شعرًا ونثرًا، فهو نظام مستتب، مبني على الأكثر والشائع، ولذلك يقول ابن عصفور «إن أئمة النحويين كانوا يستدلون على ما يجوز في الكلام بما يوجد في النظام».
والنحوي حريص على هذا النظام، متشبث به، فما خرج عنه رفضه أو ضعَّفه أو شذّذه، ولا يبالي النحوي أي نص كان هذا الذي خرج عن النظام، ولذلك يضعف النحوي - بناء على نظامه - بعض القراءات القرآنية الآتية من طريق التواتر. فقد تكلم النحاة على قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿إن هذان لساحران﴾ بتشديد نون ﴿إن﴾ مع رفع ﴿هذان﴾ بعدها، وحقه النصب. وتكلَّموا على حذف الفاء في جواب «أما» من قوله ﷺ: «أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله». وحقه: «فما بال »، وتكلَّموا على حديث: «صلّى رسول الله ﷺ قاعدًا، وصلى وراءه رجال قيامًا» لمجيء «قيامًا» حالًا، وقبله نكرة «رجال»، وحق
[ ١ / ٢١٦ ]
صاحب الحال في النظام النحوي أن يكون معرفة، وتكلَّموا أيضًا على قول العرب: «مكروه أخاك لا بطل»، وحقه «أخوك».
فالنحوي يعرض كل ما يرد عليه من كلام ونصوص على نظامه، فما وافقه قبله، وما خالفه رفضه، فلئن كانت عداوة بين النحاة والشعراء لهذه العلة، وجب أن تكون هذه العداوة أيضًا بين النحاة وكل من تكلَّم بكلام خالف فيه النظام واتبع هواه.