ولقد عَبَّرَ القرَّاء في وجه الشيخ مصطفى، ورموه بتهم كثيرة، حسدًا من عند أنفسهم، وهم وإن كانوا يتلون كتاب الله فهم بشر من البشر. وقد روي بسند صحيح إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: «استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدُّ تغايرًا من التُّيوس في زروبها»، وعن مالك بن دينار قال: «يؤخذ بقول العلماء والقرَّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض».
ومن التهم التي وجهت إلى الشيخ مصطفى أنه يترخص ويتساهل في قواعد التلاوة ليستقيم له ما يريد من نغم وتطريب. وهذه فرية كبرى، فالذي يسمع الشيخ بإنصاف يرى أنه ملتزم غاية الالتزام، على ما ذكر أستاذنا النجمي ص ١٥، وأحب أن أضيف إلى ما ذكره أن أكبر علماء القراءات في عصرنا: الشيخ عبد الفتاح القاضي، وسيدي الشيخ عامر عثمان، كانا من أشد الناس إعجابًا بالشيخ مصطفى، وهما مأمونان في أحكامهما، ومن حراس كتاب الله، ولقد سألت مرة سيدي الشيخ عامر عما يقال عن تساهل الشيخ مصطفى، فقال: لا تصدقهم، إنه على الجادة، ثم أضاف: إن خامة صوت الشيخ مصطفى تشبه خامة صوت الشيخ يوسف المنيلاوي.
ومما قالوه عنه: إنه لا يلتزم بالوقوف المنصوص عليها. وهذا غير صحيح، ونعم إنه كان يقف أحيانًا على غير وقف لتصوير معنى، كما وقف على قوله تعالى: ﴿رأيته أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١]، وليس موضع وقف، ولكنه حين وصل بعد ذلك تلا الجملة السابقة، فيكون وقفه هذا أشبه بالوقف لانقطاع النفس، وهو جائز، وأحب أن أشير هنا إلى أن الشيخ مصطفى كان أكثر تحريًا للوقوف من الشيخ محمد رفعت - وهو من هو - فالشيخ رفعت مثلًا يقف على قوله تعالى من سورة الكهف ﴿فانطلقا﴾ وليس موضع وقف، ويقف على قوله تعالى في سورة طه: ﴿ثم جئت على قدر﴾، ثم يستأنف ﴿يا موسى﴾ وليس موضع وقف.
[ ١ / ١٩٢ ]
ومما أخذوه عليه أيضًا أنه يكثر من اختلاف القراءات لإثارة مكامن الطرب، وليس هو وحده الذي كان يفعل هذا، فقد كان يفعله أيضًا الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمد الصيفي. والجمع بين الروايات في القراءة الواحدة مكروه عند بعضهم، لكنه جائز عند بعض آخر، وبخاصة في مقام التعليم. على أن الحق يقتضيني هنا أن أشير إلى أن الشيخ مصطفى قرأ مرة آية على وجه من القراءات لم أجده في القراءات العشر المجمع على تواترها والقراءة بها، وذلك في قوله تعالى في سورة يوسف - في أحد تسجيلاتها - «وقال نُسوة» بضم النون، وهي في القراءة المتواترة بالكسر، ولم يقرأ بالضم إلا المفضل والأعمش والسُّلَمي وهي قراءة شاذة.