ويقول ابن خلدون: «ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم، من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضًا في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم».
ويقول أيضًا: «وتعلم مما قررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب، حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه، ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم، وخالط عبارتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم».
ويقول أيضًا عن هذه الملكة التي تحصل بالحفظ والدُّربة: « فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلَّة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابًا وبلاغة أمر طبيعي، ويقول: كانت العرب تنطق بالطبع، وليس كذلك، وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع. وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع، والتفطن لخواص تراكيبه وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك، التي استنبطها أهل صناعة اللسان، فإن هذه القوانين إنما تفيد علمًا بذلك اللسان، ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها».
وهذا الكلام الأخير هو الذي ينتهي إليه كلام الدكتور الربيعي، وهو الذي
[ ١ / ١٥١ ]
أدرت عليه مقالتي هذه. فإن «معرفة القوانين العلمية التي استنبطها أهل صناعة اللسان» هي «النظريات والمناهج» في أيامنا هذه. فكما أن الوقوف عند «معرفة القوانين العلمية» هذه لا يصنع ملكة أدبية لغوية، كذلك الاكتفاء «بالنظريات والمناهج» لا يكسب هذه الملكة.
ويقرر ابن خلدون أيضًا: «أنه لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي، وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ».
ويقول القاضي عبد الرحيم بن علي بن شيث الإسنائي القوصي، في سياق حديثه عن أدوات الكاتب وعدته: «والحفظ في ذلك ملاك الأمر، فإنه يؤهل ويدرب، ويسهل المطلوب ويقرَّب».