وفي ميدان تفسير القرآن الكريم ما زالت هناك أسفار ضخمة تمثل خير تمثيل تلك الحلقات المفقودة. ومن تلك الأسفار كتاب «البرهان في علوم القرآن» لأبي الحسن الحوفي المصري المتوفى سنة ٤٣٠ هـ. وكتابه هذا ضخم جدًا، تقع مخطوطته في نحو ثلاثين مجلدًا، ولا تقل إن «البرهان» للزركشي، و«الإتقان» للسيوطي يكفيان، فهذان بالنسبة إلى كتاب الحوفي قطرة في بحر، مع اختلاف المنهج والمادة العلمية. ومنها «البسيط» في التفسير، لأبي الحسن الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ هـ، وكتابه كبير أيضًا (والبسيط هنا بمعنى المبسوط الواسع، فعيل بمعنى مفعول، وليس على ما سيظنه بعض العامة بمعنى الموجز المختصر). ومنها «الكشف والبيان في تفسير القرآن» لأبي إسحاق النيسابوري الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ وهو كتاب كبير أيضًا، وقد رأيت منه نسخة نفيسة مكتوبة في السنوات ٦٢٦ هـ - ٦٣٠ هـ بمدينة الفيوم، وهذه النسخة المخطوطة محفوظة بالمكتبة المحمودية بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وصورتها لمعهد المخطوطات بالقاهرة سنة ١٩٧٣ م.
[ ١ / ١٦٦ ]
وفي الحديث النبوي وعلومه ما زالت هناك طائفة كبيرة من مخطوطاته تنتظر التحقيق والنشر. أما الفقه وأصوله فلعلها من أكثر علومنا غبنًا في ميدان التحقيق والنشر. والعجيب حقًا أننا ما زلنا نعيش على كتب الفقه التي طبعت بمصر منذ زمن بعيد، مثل الأم للشافعي، والمهذب للشيرازي، والمجموع للنووي، وبدائع الصنائع للكاساني، وشرح فتح القدير لابن الهمام، وحاشية ابن عابدين، وبداية المجتهد لابن رشد «الحفيد»، والفروق للقرافي، والمغني لابن قدامة ثم تنظر في فهارس المخطوطات فتجد ما لا يحصى كثرة الفقه وأصوله التي لم تطبع ولا سبيل هنا إلى ذكر أسماء تلك المخطوطات فهي إلى الكثرة والتنوع ما هي!
وقل مثل هذا في مخطوطات أصول الدين وعلم الكلام والفلسفة. وإليك مثلًا كتاب «أبكار الأفكار» لأبي الحسن الآمدي. لماذا لم يطبع هذا الكتاب إلى الآن؟ باهظًا في الحصول على هذه المخطوطات، وفي التعامل معها، ويتمنون اليوم الذي يرون فيه هذه الآثار منشورة مطبوعة.