وكل حديثه عن شيوخه والعلماء الذين عاصرهم كان يجري على هذا النمط، كالشيخ السيد صقر والشيخ محمد عبد الخالق عضيمة وغيرهما، وهو في معرض حديثه عن أساتذته كان يذكر فضل بعض العلماء الذين اجتمع معهم على مائدة التراث، كالأستاذ محمد رشاد عبد المطلب فيقول عنه (المدخل ص ٥٢ هـ ١): «كان يرحمه الله من العلماء بالمخطوطات وأماكن وجودها، وكان لا يجارى في معرفة المطبوعات وأماكن طبعها شرقًا وغربًا، والفرق بين الطبعات وعدد طبعات الكتاب المختلفة، ومن وراء ذلك كانت له صلات وثيقة بعلماء الدنيا، من عرب وعجم، كنت لصيقًا به ملازمًا له عشر سنوات في معهد المخطوطات، وسافرت معه في بعثه المعهد إلى تركيا والمغرب وتعلمت منه الكثير، توفي إلى رحمة الله في غزة المحرم ١٣٩٥ هـ الموافق ١٩٧٥ م، وقد كتبت عنه كلمة غداة وفاته بمجلة الثقافة المصرية».
وهو لا ينسى كل من يسدي خدمة إلى تراث أمته فيقول عن «حسن عباس زكي»: «وقد سقت هذه الحكاية لأدل على فضل هذا الرجل (حسن عباس زكي)، ذلك الوزير الصالح، الذي أحب التراث العربي الإسلامي، حبًا ملك عليه نفسه، وكان هو على رأس وزارة خطيرة - وزارة الاقتصاد المصري - معنيًّا كل العناية بشؤون التراث، والمشتغلين به، من علماء وناشرين، يفسح لهم في مجلسه، ويذلل لهم العقبات، ومن أياديه البيضاء نشر كتاب «الجامع الكبير» للحافظ السيوطي، الذي صدر مصورًا عن مخطوطته، وإعادة نشر كتاب «الأم» للإمام محمد بن إدريس الشافعي، إلى كتب أخرى ساهم في طبعها، أو أغرى الناشرين بطبعها، ومكتبته الخاصة تضم قدرًا عظيمًا من نوادر المصحف الشريف، والمخطوطات والمصورات والمطبوعات القديمة. تقبل الله منه صالح عمله، وجعله في موازينه يوم يقوم الناس لرب العالمين» (المدخل ص ١٠٣).
ومن الملتقطات التي تتلألأ في نظرته إلى الأوائل - رحمه الله تعالى وبرّد
[ ١ / ١٢ ]
مضجعه - أنه كان يحبهم ويعظمهم ويراهم سببًا في شهرة أبناء عصرنا، يقول في خاتمة مقدمته لكتاب منال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير (ج ١ ص ٤٩):
(وغفر الله لنا، فقد جئنا إلى هذا التراث: لننال به الشهادات ونرتقي عليه إلى المناصب، ونطلب به المثالة عند الناس، ثم لم نعطه حقًا من الدرس والتأمل والاقتداء.
ورحم الله النضر بن شميل، فكأنه كان يعنينا حين قال قولته العظيمة في الخليل بن أحمد، شيخ العربية، يقول النضر: «لقد عاش الخليل بن أحمد في مربد من مرابد البصرة لا يجد قوت يومه، وأصحابه يأكلون بعلمه الأموال».
ويعيب على محققي التراث المرتزقين هذه الأيام حرصهم على أن يملأوا هوامشهم بما لا يتصل بالنص لتضخيم الكتاب.
وفي خصم الحديث عن العلماء والشيوخ لا ينسى ورَّاقي العصر الذين كنا نختلف إليهم نبحث في مكتباتهم عن نوادر المطبوع كالطيب وخربوش وغيرهما، ولم أكن أظن أنني سوف أجد ذكرًا لهم في كتاب أو مقالة كان لهم فضل في إرشاد كاتبها إلى بعض مادتها، يقول - ﵀ -: «وما أكثر ما وجدنا عندهم مما حفيت أقدامنا في البحث عنه في دور النشر وعند سماسرة الكتب، وفي مقدمة هؤلاء الورَّاقين الشيخ علي خربوش، وزكي مجاهد، ومحمد العبادي، ومحمد الطيب، وحجازي صاحب المكتبة الحجازية بالإسكندرية وغيرهم». (المدخل ص ١٤٢).