هل يتحول التراث العربي إلى ألغاز وطلاسم؟ !
لم يعد خافيًا على أحد ذلك التدني الذي وصل إليه خريجو أقسام اللغة العربية في جامعتنا خلال العقود الأخيرة، وهؤلاء الخريجون هم الذين يتولون تعليم أولادنا في المدارس، وهم أيضًا الذين يسمعوننا الكلمة العربية من خلال الإذاعة والتلفزيون، ولو ترك الأمر على ما هو عليه الآن فالله وحده هو الذي يعلم أبعاد الكارثة التي ستطبق على هذه الأمة، ونخشى أن تغشانا طوارقها ذات يوم وقد استحال تراثنا الذي ضني به الأوائل خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان: ألغازًا وطلَّسمات، كالذي تراه على جدران المقابر والمعابد ولفائف البردي، رموزًا قديمة تخفى على جمهرة الناس، ولا يعقلها إلا العالمون، ويومها سنقول:
استعجمت دار مي ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار
وها هي نذر الفتنة قد أطلت برأسها، فلن يستطيع أحد مهما غلا في تقدير كليته أو معهده أن يزعم أن طالبًا متخرجًا في هذا المعهد أو تلك الكلية يستطيع الآن أن يقرأ سطرًا من كتاب سيبويه، فضلًا عن أن يفهمه أو يحل رموزه، وإذا لم يستطع خرَّيج كلية تعنى باللغة العربية وآدابها أن يقرأ سيبويه، فمن ذا الذي يقرأه؟ وإذا لم يقرأه في سني دراسته فمتى يقرأه؟
إن الأخطاء اللغوية والنحْوية صارت تأخذ علينا الطرق وتأتينا من كل مكان؛
_________________
(١) مجلة «الهلال»، سبتمبر ١٩٩٠ م.
[ ١ / ١٣٦ ]
وهي أخطاء بشعة مفزعة تشمل كل شيء: من الأخطاء في أبنية الأسماء وأبنية الأفعال ومخارج الحروف وصفاتها، وأسماء الأعلام والكنى والألقاب والأنساب، ولا تسأل عن غياب العلامة الإعرابية أو التخليط فيها، وقد كنت عنيت يومًا برصد هذه الأخطاء وتحليلها، ولكني رأيت الأمر قد اتسع اتساعًا عظيمًا، وتشعب تشعبًا مفزعًا، وأصبحت أنا وهذه الأخطاء كالذي قاله الأول:
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
وإن أبناءنا وبناتنا في معاهد العلم ليأتوننا كل يوم بكل غريبة وعجيبة من معلميهم ومعلماتهم، وكلما رتقت فتقًا تخرَّق عليك آخر، وكلما سددت ثلمة انفتحت أمامك أخوات لها أوسع وأبشع.
والسوأة السواء في تلاوة القرآن العزيز، فقد استعجم كلام ربنا ﷿ على ألسنة معلمي المدارس، وصاروا يتلونه على تلاميذهم محرفًا ومزالًا عن جهته، ثم أصبحت تسمعه من بعض المذيعين والمذيعات كذلك مغلوطًا ملحونًا. وهذه هي المصيبة التي تتضاءل دونها كل مصيبة، وهذا هو الخطر الماحق الذي يجب أن نقف جميعًا أمامه ندرأه وندفعه، فإن القضية بهذه المثابة قد صارت دينًا يغتال وشريعة تنتهك، ولا بد أن يقول فيها كل غيور على دين الله كلمته، لا يتتعتع ولا يتلجلج، لا يفزعه سخط الساخط، ولا يخفيه سلطان هؤلاء الذين يظنون أن بيدهم إغلاق الأبواب وفتحها، وقد قال سيدنا رسول الله ﷺ: «ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه».