ومع كل هذه الصرامة النحوية، فقد قام نحاة آخرون بتوجيه هذا الكلام الخارج عن النظام، ورده إليه من طريق موافقته لبعض لغات العرب - أي لهجاتهم - أو من طريق الحذف والتقدير، والحذف من خصائص العربية، وهو سمة من سمات فصاحتها وبلاغتها، ويجعله ابن جني من «باب شجاعة العربية»، وعلم التوجيه النحوي هذا علم ضخم جدًا، وبخاصة توجيه القراءات السبع.
ولما كان الشعر كلامًا من الكلام فقد عرضوه أيضًا على نظامهم، فقبلوا منه ورفضوا، لكنهم قد وقفوا منه موقفًا آخر غير موقفهم من النصوص النثرية - وهذا يدل على احتفالهم به، وإجلالهم له - فهم قد نظروا إليه من أول الأمر على أنه كلام ذو طبيعة خاصة ونسق متميز، وحيث كانت هذه حاله عومل معاملة مباينة لمعاملة منثور الكلام، فأجازوا فيه ما لا يجوز في النثر. وكان صنيع إمام النحاة سيبويه في ذلك دليلًا ومرشدًا، فقد عقد بابًا في أول الكتاب سمَّاه: «باب ما يحتمل الشعر» قال في أوله: «اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في غيره».
ويقول ابن عصفور: «اعلم أن الشعر لما كان كلامًا موزونًا يخرجه الزيادة فيه والنقص منه عن صحة الوزن، ويحيله عن طريق الشعر، أجازت العرب فيه ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه، لأنه موضع ألِفَت فيه الضرائر».
وتأمل جيدًا قوله: «اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه»، فهو كلام صريح
[ ١ / ٢١٧ ]
في الاعتراف بأن للشعر لغة خاصة، وأن الضرورة الشعرية ليست كما يفهمها بعض الناس: أنها الذي لا يجد الشاعر عنها محيصًا. وهذا ما عليه المحققون من العلماء، فإن الشاعر الذي قال:
تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكمُ عليَّ إذن حرامُ
كان يستطيع أن يقول:
مررتم بالديار ولم تعوجوا
فيسلم له الوزن مع رعاية النظام النحوي في تعدية الفعل «مر» بالباء، ولكنها لغة الشعر، فيا بُعد ما بين «تمرون» و«مررتم» في المذهب الشعري! ومع التسليم بهذه الضرائر الشعرية وتصنيف العلماء فيها: فإنك لو أحصيت ما خرج به الشعراء جميعًا في كل عصور الاستشهاد والاحتجاج، وما بعدها، عن النظام النحوي، لوجدته قطرة في بحر، وأن جمهور شعرهم جار على هذا النظام، وما كان ذلك كذلك إلا لأن ذلك النظام النحوي فطرة وسليقة عند العرب، ألم يقل الشاعر القديم:
ولست بنحوي يلوك لسانَه ولكن سيلقيّ أقول فأعربُ