ولقد تابعت هذه القضية منذ زمان بعيد، ورأيت أهل العلم يردونها إلى أسباب كثيرة، على أني لم أرَ من وضع يده على أصل البلاد ومكمن الداء إلا قارئًا كريمًا هو الأستاذ طارق البوهي - بكَفْرِ الشيخ -. وقد علمت فيما بعد أنه من رجال التربية، وقد جاء رأيه هذا في سطر واحد منشور في باب (مجرد رأي) بجريدة الأهرام قال: «لا يجب أن نقسو كثيرًا على الشباب، فهم نتاج البذور التي ألقيت والتعليم الذي
[ ١ / ١٣٧ ]
أعطي لهم ومجالات الثقافة التي تلقوها». وهذا رجل صادق، عرف الحق فقاله، ولم يضيع نفسه ويضيعنا في متاهات التفلسف والتنظير واللف والدوران.
ثم إنه أحسن الله إليه قد وضع القضية في حاق موضعها: ماذا يتلقى طالب العربية الآن في كليات اللغة العربية وأقسامها بالجامعات؟ أمشاج من قواعد النحو والصرف مطروحة في مذكرات يمليها الأساتذة إملاء أو يطبعونها طبعات تزيد عامًا وتنقص عامًا، واختفى الكتاب القديم لتحل محله هذه المذكرات والمختصرات، ودفع الطلاب دفعًا إلى الملل من قراءة الكتب، و«المللُ من كواذب الأخلاق» كما قال عمرو بن العاص ﵁.
إن هجر الكتاب القديم - وهو وعاء العلم ومستودع التراث - والاستعاضة عنه بالمذكرات والمختصرات، قد حجب عن هذا الجيل كوى النور، وحلأهم عن موارد العلم وكان من أخطر الأمور ردُّ ذلك إلى التيسير والتسهيل والتخفيف على الناشئة، ولقد مضينا في التيسير والتسهيل خطوات وخطوات حتى انتهينا إلى هذا الذي نشكو منه ونضيق به، ونسأل الله السلامة منه.
على أن تيسير النحو قد سلك دروبًا مظلمة، فليس من التسهيل والتيسير أن تدع «زيدًا وعمرًا» في التمثيل لتقول: «سمير وأشرف»، وليس من التسهيل والتيسير أن تترك التمثيل على القاعدة النحوية بالشاهد القرآني والحديثي وأشعار العرب وأمثالها لتكتب قصة متكلفة عن نزهة في القناطر الخيرية، أو زيادة إلى أهرامات الجيزة، أو حكاية عن الفلاح في الحقل، لتستخرج من كل ذلك شواهدك على القاعدة النحوية والصرفية.
وليس يشك عاقل في أن التمثيل لتقدم المفعول على الفاعل بمثل: «قطف الوردة طفل» ليس في قوة الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿وإذ ابتلي إبراهيم ربه﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقوله: ﴿إذ حضر يعقوب الموت﴾ [البقرة: ١٣٣]، وقوله: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقوله: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ [الحج: ٣٧]، وقوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]،
[ ١ / ١٣٨ ]
وقوله ﷺ في الحديث السابق: «ألا لا يمنعن رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه»، وقول جرير:
جاء الخلافة أو كانت له قدرًا كما أتى ربَّه موسى على قدر
فأنت مع المثال الأول أمام تركيب تمثلت فيه القاعدة النحوية، لكنه كالتمثال الأصم، فاز من الوسامة والقسامة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنه تمثال جامد فاقد الحركة والنطق. أما مع الأمثلة القرآنية والحديثية والشعرية فأنت أمام نماذج تتنعَّش بالحياة وتمور بالحركة، مع ما تعطيه من أنس خبرة بالأبنية والتراكيب العربية. ومن هنا احتلت الشواهد التراثية في تقعيد النحو مكانة عالية.
على أنه ينبغي أن يكون واضحًا أن فكرة التيسير على الناشئة كانت ظاهرة بينة في فكر النحاة الأوائل رضوان الله عليهم: فابن السراج المتوفى ٣١٦ هـ يؤلف كتابًا كبيرًا في النحو هو «الأصول» ثم يضع إلى جانبه مؤلفًا صغيرًا جدًا هو «الموجز»، وأبو علي الفارسي ٣٧٧ هـ يؤلف «الإيضاح» وهو متن صغير سهل العبارة إلى جانب كتبه الكبار: التذكرة والشعر والحجة والشيرازيات وغلامه ابن جني العظيم - كما كان يصفه أستاذنا الطيب الدكتور كمال بشر أطال الله في النعمة بقاءه - يؤلف بجانب الخصائص والمنصف وسر صناعة الإعراب والمحتسب رسائل موجزة في النحو والصرف، مثل اللمع والملوكي في التصريف.
وأبو القاسم الزجاجي ٣٤٠ هـ يصنف كتابًا في الفكر النحوي هو «الإيضاح في علل النحو» ثم يؤلفه للناشئة كتابه الشهير «الجمل»، وهو كتاب سهل رهو، وقد جاء عنوانه في الأصل المخطوط هكذا: «كتاب الجمل في النحو اختصار أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي» أرأيت إلى كلمة «اختصار»؟
وقد وقفت عند كتاب غريب أراه صورة واضحة الدلالة على أن علماءنا الأوائل كانوا مشغولين حقًا بتربية الناشئة والتيسير عليهم والتدرج معهم في تعليم النحو. وذلك هو كتاب «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» لأبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠ هـ. لقد كان المألوف في
[ ١ / ١٣٩ ]
زمن ابن خالويه والأزمان التي سبقته والتي جاءت بعده أن يتصدى العلماء لإعراب القرآن الكريم كله، ولكن الذي صنعه ابن خالويه شيء عجب: لقد وضع كتابه لإعراب ثلاثين سورة فقط، مبتدئًا بسورة الطارق، ومنتهيًا بسورة الناس، ثم افتتح كتابه هذا بإعراب الاستعاذة والبسملة، وفاتحة الكتاب ولا تفسير لصنيع ابن خالويه هذا وإيثاره لإعراب قصار السور هذه إلا أنه وضع الناشئة أمامه، لأن هذه السور من أوائل ما يحفظه الصبيان من الكتاب العزيز، وأنها كثيرة الدوران على ألسنتهم، وأن عرض قواعد النحو والصرف من خلال هذه السور القصار مما يثبتها ويمكنها في النفوس.
فتعليم النحو من خلال هذه الكتب القديمة الموجزة فيه تثبيت للعربية وتمكين لها في النفوس، مع التقاط معارف أخرى تأتي من خلال الشواهد والنصوص، وينبغي أن نحسن الظن بناشئتنا ولا نخشى عليهم من التعامل مع الكتاب القديم فإن فيهم خيرًا كثيرًا ولقد كانت لي تجربة جيدة هذا العام، حين دعيت إلى تدريس النحو لطالبات السنة الأولى بكلية البنات بجامعة عين شمس، وقد قرأت معهن شيئًا من كتاب شذور الذهب على خوف مني ووجل، لكني صبرت نفسي معهن واحتشدت لهن احتشادًا، وكانت تجربة ناجحة جدًا، وتلقت الطالبات كلام ابن هشام بقبول حسن، وقد رأيت من هؤلاء الطالبات نماذج مبشرة بخير كثير.
والغريب حقًا أن زملاءنا الأكرمين بالجامعات المصرية ينفرون من تدريس الكتاب القديم، وحين يخرجون إلى جامعات دول الخليج يحملون حملًا على تدريسه، وهناك يؤدونه بكفاءة عالية جدًا، لأنهم بلا ريب أهل فقه وبصيرة، ولأنهم أيضًا ينتمون إلى جيل المتون الذي سأحدثك عنه.