ذهب الشعراء المكثرون بالذيوع والشهرة في مجال قراءة الشعر ودرسه، وبقي على ساحة القريض طائفة كبيرة من الشعراء الذين عرفوا بالشعراء المقلَّين، وقد قال هؤلاء من الشعر أحلاه، وصاغوا من النغم أعذبه، وتوزعت أغاريدهم وأنغامهم في المجاميع الأدبية والأمالي والمجالس، وكتب التاريخ والتراجم والبلدان، وموسوعات العلوم، كالتفسير والنحو واللغة والبلاغة.
ولن يستقيم درس الشعر العربي وتبرز صورته واضحة الملامح بيَّنة القسمات إلاَّ إذا جمع شعر هؤلاء الشعراء المقلَّين، وأوتي حظه من البحث والتأمل.
وقد نشط إخواننا أدباء العراق هذه الأيام لجمع هذا الشعر وإذاعته في دواوين صغيرة، وعلى الرغم مما شاب عملهم من بعض العجلة والقصور في تخريج الشعر وتوثيقه، فإنه جهد طيب خليق بكل الاحتفال والمؤازرة والاقتداء.
وليت أساتذة الجامعات العربية يغرون تلاميذهم في الدراسات العليا بجمع هذا الشعر ودرسه، وليتجه هذا الجمع إلى البلدان في عصورها المختلفة، فيقال مثلًا: «شعراء مصر في القرن الرابع الهجري»، وهكذا في سائر البلدان العربية على امتداء العصور، ومن أعجب العجب أن ما كتبه أسلافنا لإقامة مثل هذه الدراسات كبير وفير، ولكنه يخفى على كثير ممن يتعاطون الأدب والشعر هذه الأيام، كأنه كتب بلغة غير لغتنا لأمة سوى أمتنا:
فدع عنك نهبًا صِيح في حَجَراته ولكنْ حديثًا ما حديث الرواحلِ
وأقول: إن بعض هؤلاء الشعراء المقلين عرف بقصيدة واحدة تناقلها الرواة
_________________
(١) مجلة الشعر، العدد الأول، يناير ٧٦، القاهرة.
[ ١ / ١١٨ ]
وأنشدها المنشدون. ومنهم ابن زريق صاحب القصيدة العينية البديعة التي يسمع المحب فيها رجع أناته، ويحس الغريب منها لذع الغربة يكوي فؤاده ويشده إلى مراتع صباه ومراتع لهوه، ويغذي الصوفي بها مواجيده وأشواقه، ثم يجد فيها قارئ الشعر متعته بما يسري فيها من نغم علوي وإيقاع آسر.
وقد شرَّقت هذه القصيدة وغرَّبت، وعُدَّ حفظها من أسباب الظرف. روى أبو عبد الله الحميدي المتوفى سنة ٤٨٨ هـ، عن الإمام أبي محمد بن حزم، قال: «يقال: من تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل الظرف» (١).
وابن زريق صاحب هذه القصيدة هو: أبو الحسن علي بن زريق الكاتب البغدادي، عاش في بغداد ثم رحل إلى الأندلس وبها توفي. ولم أجد له ترجمة تعين تاريخ مولده أو وفاته. ويرى المستشرق الألماني كارل بروكلمان (٢) أنه توفي نحو سنة ٤٢٠ هـ، وقد أورد له صلاح الدين الصفدي (٣) ترجمة موجزة جدًا، ذكر فيها أنه أنشأ هذه القصيدة في مدح العميد أبي نصر وزير طغرلبك. وأبو نصر هذا هو: عميد الملك الوزير محمد بن منصور الكندري المتوفى سنة ٤٥٦ (٤)، لكن أبا حيان التوحيدي أنشد بيتين من قصيدة ابن زريق لم ينسبهما، وهما قوله:
أستودع الله في بغداد لي قمرا بالكوخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودَّي لو يودعني صفو الحياة وإني لا أودعه (٥)
_________________
(١) الظرف، بفتح الظاء: هو البراعة وذكاء القلب، وقيل: الظرف في اللسان: البلاغة، وفي الوجه: الحسن، وفي القلب: الذكاء.
(٢) تاريخ الأدب العربي، الملحق ١/ ١٣٣، الطبعة الأوربية، ومعجم المؤلفين، للأستاذ عمر كحالة ٧/ ٩٥.
(٣) الوافي بالوفيات، مصوَّرة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، برقم ٨٦١ تاريخ.
(٤) وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٢٢٣، تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٥/ ٢٦.
(٥) الإمتاع والمؤانسة ٢/ ١٦٦، تحقيق الأستاذين أحمد أمين وأحمد الزين.
[ ١ / ١١٩ ]
وأبو حيان توفي نحو سنة ٤٠٠ هـ، فيتطرق الشك إذن إلى أمرين: الأول كون القصيدة قيلت في مدح عميدالملك الذي تأخرت وفاته كثيرًا عن وفاة أبي حيان. الثاني: نسبة البيتين لابن زريق. ولما كنا لا نملك ما ندفع به الأمر الأول، برغم أن القصيدة ليس فيها ذكر لعميد الملك، لا من قريب ولا من بعيد، فإن الشك ينحصر في الأمر الثاني، وهو أن البيتين ليسا لابن زريق، ويقوي هذا دليلان: الأول: أن أبا حيان لم ينسب البيتين لقائل، لا لابن زريق ولا لغيره. الثاني: أن أبا منصور الثعالبي (١)، نسبهما مع بيتين يأتيان بعدهما في ترتيب القصيدة إلى الوأواء الدمشقي المتوفى نحو سنة ٣٨٥ هـ، والثعالبي حجة فيما يورده، لأنه يسجل أدب عصره، وقد أورد محقق ديوان الوأواء (٢) هذه الأبيات الأربعة عن الثعالبي، ووضعها في الزيادات التي ليست بأصل الديوان، ثم ذكر أن الأبيات من قصيدة ابن زريق، وأحال على كتاب «الكشكول» للعاملي.
وإذا صح كلام الثعالبي فيكون ابن زريق قد ضمَّن هذه الأبيات الأربعة قصيدته التي لا شك في نسبتها إليه، أو أن بعض الرواة أقحم الأبيات على القصيدة، لاتفاق القافية والوزن والنفس الشعري.
ولعل مما يتصل بهذه القضية أني وجدت أبياتًا للتهامي المتوفى سنة ٤١٦ هـ، شديدة الشبه بأبيات ابن زريق، أوردها أسامة بن منقذ (٣)، أولها:
أستودع الله في أرض الحجاز رشا في روضة القلب مأواه ومرتعه
ونأتي إلى من أثبت قصيدة ابن زريق، فأول من عرفت: أبو سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٣ هـ، وذكر أبياتًا من القصيدة غير تامة، وبعده: أسامة بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ هـ، وذكر من القصيدة عشرة أبيات، وصلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وتاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ، وأبو بكر بن حجة
_________________
(١) يتيمة الدهر ١/ ٢٩٣، تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية.
(٢) ديوان الوأواء الدمشقي، ص ٢٧٣، تحقيق الدكتور سامي الدهان، طبعة دمشق.
(٣) المنازل والديار، ص ٢٢٠، تحقيق أخي الأستاذ مصطفى حجازي، ولم ترد هذه الأبيات في ديوان التهامي المطبوع في دمشق.
[ ١ / ١٢٠ ]
الحموي المتوفى سنة ٨٣٧ هـ، وبهاء الدين العاملي المتوفى سنة ١٣٠١ هـ (١)، وهؤلاء الأربعة ذكروا القصيدة كاملة، وانفرد السبكي وابن حجة بإيرادها بسندهما المتصل إلى ابن زريق.
ومما ينبغي التنبه له أن هناك شاعرًا آخر في القرن الرابع، عرف أيضًا بابن زريق، وقد ترجم له الثعالبي في اليتيمة، وأورد له شعرًا، ولم يذكر له اسمًا، إنما ذكره بكنيته، فقال: «أبو محمد بن زريق الكوفي الكاتب» (٢)، وأنشد له بيتين في مدح بغداد، في كتابه: «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» (٣)، وأنشد هذين البيتين أيضًا ياقوت الحموي في «معجم البلدان» عند كلامه على بغداد.
وقد أنشد ابن خلكان البيت: أستودع الله في بغداد إلخ. ثم قال: وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب الكوفي، من جملة قصيدة طويلة (٤).
ومهما يكن من أمر فهذه رائعة ابن زريق، وقل أن أخلي بينك وبينها، وأقول: إن هذه القصيدة ليست كل ما تركه ابن زريق من إنتاج شعري، فقد وجدت له قصيدة جيدة في رثاء ديك، أوردها صلاح الدين الصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» ولعلي
_________________
(١) السمعاني في كتابه ذيل تاريخ بغداد، كما حكى عنه السبكي في الموضع الآتي من كتابه الطبقات، وأسامة بن منقذ في كتابه المنازل والديار المذكور من قبل، ص ٣٣، ٣٤، والصفدي في كتابه الوافي بالوفيات الذي مرَّ ذكره، والسبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى ١/ ٣٠٨ - ٣١١، تحقيق أخي الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، وكاتب هذه المقالة، وابن حجة في كتابه ثمرات الأوراق ص ٤٧٥ - ٤٧٨، تحقيق الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم، والعاملي في كتابه الكشكول ١/ ١١٨ - ١٢٠، تصحيح الشيخ طاهر الزاوي، وقد خمس قصيدة ابن زريق هذه طه أفندي أبو بكر، وسمى تخميسه: بث الشجن على عينية أبي الحسن، وطبع هذا التخميس بمطبعة بولاق سنة ١٣١٢، مع كتاب الدر الذي انسجم على لامية العجم، للشيخ سيد بن علي المرصفي، كما جاء في فهرس الأدب بدار الكتب المصرية.
(٢) يتيمة الدهر ٢/ ٢٧٧.
(٣) ثمار القلوب ص ٥١٢، تحقيق الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم.
(٤) وفيات الأعيان ٤/ ٤٢٠، ترجمة موسى بن عبد الملك الأصبهاني، و«أبو محمد» عند الثعالبي جاءت عند ابن خلكان «محمد» كما ترى.
[ ١ / ١٢١ ]
أوفق في نشرها قريبًا، ثم ذكر بروكلمان أن له أرجوزة في الأخلاق، مخطوطة في برلين، ومن يدري لعل له أشياء غير هذه وتلك، فكم في الزوايا من خبايا:
[«عينية ابن زريق»]
لا تعذلية فإن العذل يولعه قد قلت حقًا ولكن ليس يسمعه (١)
جاوزت في لومه حدًا أضر به من حيث قدرت أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا من عذله فهو مُضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعًا بالبين يحمله فضلعت بخطوب البين أضلعه (٢)
يكفيه من لوعة التفنيد أن له من النوى كل يوم ما يروعه (٣)
ما آب من سفر إلا وأزعجه رأي على سفر بالعزم يجمعه
كأنما هو من حل ومر تحل موكل بفضاء الأرض يذرعه (٤)
إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه (٥)
تأبى المطامع إلا أن تجشمه للرزق كدا وكم ممن يودعه
وما مجاهدة الإنسان واصلةً رزقًا ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بين الخلق رزقهم لم يخلق الله مخلوقًا يضيعه
لكنهم ملئوا حرصًا فلست ترى مسترزقًا وسوى الغايت تقنعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه يومًا ويطمعه من حيث يمنعه
أستودع الله في بغداد لي قمرًا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
_________________
(١) أشير هنا إلى أن هناك بعض اختلاف في رواية أبيات القصيدة، فمن أراده فليطلبه فيما ذكرت من مراجع.
(٢) ضلعت: أي أثقلت وتكسرت، يقال: داهية مضلعة: أي تثقل الأضلاع وتكسرها.
(٣) التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي، وفي التنزيل العزيز، حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿لولا أن تفندون (٩٤)﴾، قال الفراء: يقول: تكذبون وتعجزون وتضعفون. معاني القرآن ٢/ ٥٥.
(٤) الحل: نقيض الارتحال، وهو بفتح الحاء، وكثير من الناس ينطقه بكسر الحاء، وهو خطأ.
(٥) الزماع، بفتح الزاي وكسرها: المضاء في الأمر والعزم عليه.
[ ١ / ١٢٢ ]
ودعته وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي ألا أفارقه وللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله: ثوب العذر منخزق عني بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكًا فلم أحسن سياسته وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابسًا ثوب النعيم بلا شكرٍ عليه فعنه الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته كأسًا تجرَّع منها ما أجرَّعه
كما قائل لي ذقت البين قلت له الذنب والله ذنبي لست أدفعه
ألا أقمت فكان الرشد أجمعه لو أنني يوم بان الرشد أتبعه
إنني لأقطع أيامي وأنفذها بحسرة منه في قلبي تقطعه
بمن إذا هجع النوام بت له بلوعة منه ليلي لست أهجعه
لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا لا يمطئن له مُذ بنت مضجعه
ما كنت أحسب ريب الدهر يفجعني به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى البين فيما بيننا بيد عسراء تمنعني حظي وتمنعه
وكنت من ريب دهري جازعًا فرقًا فلم أوق الذي قد كنت أجزعه
بالله يا منزل الأنس الذي درست آثاره وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله وجاد غيث على مغناك يسرعه
من عنده لي عهد لا يضيعه كما له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني به ولا بي في حال يمتعه
علمًا بأن اصطباري معقب فرجًا فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا جسمي ستجمعني يومًا وتجمعه
وإن تغل أحدًا منا منيته فما الذي بقضاء الله يصنعه
* * *
[ ١ / ١٢٣ ]