أرأيت يا سيدي الشاعر! هذا أبو علي الفارسي شيخ النحاة في القرن الرابع وتلميذه العظيم ابن جني، كلاهما مع الإبداع الشعري، ولعلي أذكر شيئًا من تخريج أبي علي لشعر الفرزدق الذي عابه عليه النحاة.
فذكر «النحاة» هكذا بصيغة التعميم غير صحيح. وأيضًا فإن وضع القضية على هذا الشكل يجعل النحاة - وبخاصة عند من لا يعرف تاريخ العلم والعلماء - بمعزل عن الشعر، بل في موقف المتربص به، الكاره له، البعيد عنه. وهذا غير صحيح أيضًا، فإن كثيرًا من نحاة الصدر الأول لم يكونوا منظرين من بعد، بل كانوا في قلب الحركة الشعرية، وفي الصميم منها: فهذا أبو عمرو بن العلاء الإمام النحوي اللغوي، وأحد القرَّاء السبعة كان راوية لذي الرمة الذي يقال: إن شعره يمثل ثلث لغة العرب. وعناية أبي عمر بالشعر الجاهلي معروفة، وقد كان يعول مع السماء والرواية على الكتابة والتقييد. وكان يونس بن حبيب شيخ سيبويه شديد الاختصاص برؤبة بن العجاج. وكان نِفْطويه يحفظ نقائض جرير والفرزدق وشعر ذي الرمة.
أما أبو العباس ثعلب - وهو مع الكسائي والفراء، زعماء مدرسة الكوفة النحوية - فإن له علقة شديدة بالشعر والشعراء: فقد صنع دواوين الأعشى وزهير
[ ١ / ٢١٥ ]
وابنه كعب وعروة بن حزام والنابغة الذبياني والجعدي والطرماح وطفيل الغنوي، وشرح لامية الشنفرى:
أقيموا بني أمية صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل
كما روى شعر ذي الرمة عن أبي نصر الباهلي صاحب الأصمعي، وعن هذه الرواية كانت نشرة الدكتور عبد القدوس أبو صالح العظيمة لديوان ذي الرمة بمجمع اللغة العربية بدمشق، وفضلًا عن ذلك كله فإن لثعلب في علم الشعر كتابًا شهيرًا هو «قواعد الشعر»، وهو على وجازته مفيد في بداية هذا العلم.
أما مسألة «سلطان النحاة على الشعر»، ووقوفهم في وجه الإبداع الشعري فهي من المسائل التي يتابع الناس بعضهم بعضًا فيها دون أن يعطوها حظها من النظر والتأمل.