لمَّا عاد الدكتور محمود الطناحي من مكة المكرمة - وقد قضى فيها ما يقارب أحد عشر عامًا -كتب كلمة تفيض وفاءً ومحبة وذكرى للسنين التي قضاها فيها؛ حيث يقول في مقدمة تحقيقه لكتاب «منال الطالب» لابن الأثير (١/ ٧) الطبعة الثانية: «وتبقى كلمة:
لقد قلت: إنَّ الطبعة الأولى من ذلك الكتاب قد صدرت عن مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، زادها الله تشريفًا وتكريمًا ومهابة، وتلك أيامٌ عزيزة، أذكرها فتفيض النفسُ سعادةً وتَحنانًا، ففي عام ١٣٩٨ هـ = ١٩٨٧ م، تلقَّيتُ دعوةً علميَّةً كريمة من كلية الشريعة بمكة المكرمة، للمشاركة في إرساء قواعد مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي الذي قام في تلك الأيام ملحقًا بكلية الشريعة. وقد أنزلني القومُ آنذاك مُنْزَلًا كريمًا (١).
_________________
(١) حيث عوملت وظيفيا تحت بندٍ هناك يسمَّى «كفاءة نادرة» يُعامل به الإنسان الذي أكرمه الله بشيء من العلم معاملة «العالم» لا معاملة «حامل الشهادة العليا». وفي ظل هذا البند كان يعامل الأساتذة: محمد متولي الشعراوي، ومحمد الغزالي، والسيد أحمد صقر، والسيد سابق، ومحمد قطب، وطائفة من كبار مشايخ الأزهر، من طبقة الفقهاء الحفظة، منهم: محمد الصادق عرجون، ومحمد أبو شهبة، وعثمان مريزق، وسيد العقبى، ومحمد شعبان حسين، وأحمد أبو سنة، وعلي العماري، ثم الشيخ المعمر الفقيه، شيخ الشافعية في وقته، ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر، الشيخ محمود عبد الدائم. ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر، الشيخ محمود عبد الدائم. وفي رحاب هذه الكوكبة النادرة من العلماء الأعلام، التي قل أن تجتمع في مكان، تخرجت =
[ ١ / ١٩ ]
ولم يكن في تقديري البقاءُ بتلك الديار المباركة أكثر من عامين أو ثلاثة، لأعود إلى عملي بمعهد إحياء المخطوطات بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - ومعهد المخطوطات هي بيتي وشبابي وأحلامي - ولكن شاء ربك أن تمتد الإقامة أحد عشر عامًا، فكنت كما قال أحمد بن الحسين بن حيدرة، الشاعر المعروف بابن خراسان (٤٩٧ هـ):
نزلنا على أن المُقام ثلاثةٌ فطابتْ لنا حتى أقمْنا بها عَشْرا
* * *
وكان مما قدر الله وقضى أن أترك مركز البحث العلمي؛ للتدريس بقسم الدراسات العليا العربية، والإشراف على بعض الرسائل الجامعية العليا. وكانت أيامًا زاكية مباركة، قرأت فيها مع إخواني الشباب (١) هناك شيئًا من علوم العربية، وقد أعطيتهم وأعطوني، أعطيتهم خبرة الأيام، وثمار مجالسة أهل العلم ومشافهتهم والرواية عنهم، وأعطوني حماسة الشباب وتوقده، بل إنهم فتحوا لي أبوابًا من
_________________
(١) = طائفة من الشباب السعوديين النابهين، مؤسسين تأسيسًا علميًا صحيحًا. ومن أمانة التاريخ، ومعرفة أقدار الناس أذكر هنا أصحاب الفضل في إرساء هذه المبادئ العلمية الرفيعة: الشريف راشد الراجح، ومحمد بن سعد الرشيد، وناصر بن سعد الرشيد، وعليان بن محمد الحازمي، وعبد الله بن سليمان الجربوع، وحسين حامد حسان، وحسن محمد باجودة. فهؤلاء هم الذين سعوا إلى العلماء في بيوتهم، وأحلوهم دار الكرامة، ولم يتغيروا عليهم بطول المكث والإقامة. () أذكر منهم: عياد بن عيد الثبيتي، وسليمان بن إبراهيم العايد، ومحمد بن حمود الدعجاني، وعثمان بن حسين الصيني، وحماد بن محمد الثمالي، وصالح الغامدي، إلى شباب آخرين، لم أشرف عليهم، ولكني سعدت بمذاكرتهم ومجالستهم، ومناقشة بعضهم في رسائلهم الجامعية، منهم: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، وسعد بن حمدان الغامدي، وحمد الزايدي، وعبد الله القرني، ومحمد العمري، ومحسن العميري، والشريف عبد الله الحسيني البركاتي - شفاه الله -، ومحمد بن مريسي الحارثي، وعبد الله العبادي، سقى الله أيامهم جميعًا بالخير.
[ ١ / ٢٠ ]
النظر، ودلوني على فوائد في الكتب، لم أكن أقف عليها لولا نظرهم ومفاتشتهم، ولا زلت أقول: إننا حين نعلم ونخرج أبناءنا الطلبة إنما نقرأ معهم العلم مرة أخرى، بل ربما استفدنا منهم مثل الذي استفادوه منا، ولأمر ما كان التلميذ قديمًا يسمى «صاحبًا» لشيخه: فأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، والربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، وابن جني صاحب أبي علي الفارسي وهلم جرا.
وهكذا مضت أيامي مع هؤلاء الأحباب، فقضيت معهم وبهم أحلى الأوقات، وسعدت بأكرم جوار، ونعمت بأرحب دار، ولولا أكبادنا التي تمشي على الأرض، لما كان لي عن هذه الديار مذهب ولا متحول، ولا زلت مع تطاول الأيام وكرور الليالي أجد لذع تلك الدمعة السخينة التي تحدرت من عيني ساعة غادرت مكة، وأنا أنشد أقول الشريف الرضي:
وتلفتت عيني فمذ خفيت عني الطلول تلفت القلب
وما برح القلب يتلفت، وما زالت العين تشتاق حتى يأذن الله بلقاء.
اللهم اجز إخواننا هؤلاء خير الجزاء، واربط على قلوبهم، واجعلهم موصولين بالعلم، بارين به، حافظين لأمانته ».
* * *
[ ١ / ٢١ ]