أما وفاؤه فأنت تراه في مواضع كثيرة مما كتب، وهي طبيعة صاحب النفس الصافية التي لا تحمل حقدًا ولا تنسى فضلًا، ويذكر من هؤلاء الذين أحسنوا إليه «الشيخ الأصولي الفقيه عبد الغني عبد الخالق الأستاذ في كلية الشريعة، محقق كتاب آداب الشافعي ومناقبه، لابن أبي حاتم الرازي، وكان صاحب غرائب وعجائب
[ ١ / ١٣ ]
وكان كثير البر بتلاميذه وأبنائه، وقد تخرج على يديه عدة من أبناء الجزيرة العربية، وبخاصة طلبة العراق، والمملكة العربية السعودية، وقد أحسن إليّ كثيرًا وقرَّبني من مجلسه في أول اشتغالي بالعلم، توفي عام ١٤٠٣ هـ ﵀ رحمة واسعة» (المدخل ص ١٤٢ - ١٤٣).
وقال عن المرحوم محمد رشاد عبد المطلب: إنه «قد تعلم منه كثيرًا»، وعند حديثه عن الشاعر المحقق حسن كامل الصيرفي يقول: «ولهذا الرجل فضل عليَّ سابغ» (مستقبل الثقافة العربية كتاب الهلال ما يون ٩٩ ص ٥٦).
ويقول عن فترة عمله في جامعة أم القرى: «إنهم أنزلوه آنذاك منزلًا كريمًا» (منال الطالب في شرح طوال الغرائب ج ١ المقدمة ص ٧، ٨، ٩)، وشرح هذا في الهامش فقال: «حيث عوملت وظيفيًا تحت بند هناك يسمى «كفاءة نادرة» يعامل به الإنسان الذي أكرمه الله بشيء من العلم معاملة «العالم» لا معاملة «حامل الشهادة العليا» - لاحظ تواضعه ﵀ - وفي ظل هذا البند كان يعامل الأساتذة: محمد متولي الشعراوي ومحمد الغزالي والسيد أحمد صقر والسيد سابق ومحمد قطب».
وهذه الأسماء لعلماء عصرنا الكبار تنبئك عن مكانة فقيدنا - يرحمه الله - العلمية الكبيرة.
ثم يفيض وفاء وشهامة فيقول:
«ومن أمانة التاريخ، ومعرفة أقدار الناس أذكر هنا أصحاب الفضل في إرساء المبادئ العلمية الرفيعة: الشريف راشد الراجح، ومحمد بن سعد الرشيد »، ثم يذكر مجموعة من القياديين الذين أرسوا هذه المبادئ
وهو لا ينسى أن يذكر مذاكرته العلم مع زملاء له وطلاب كانوا يدرسون على يديه، ويرى في هذه المدارسة والمذاكرة فائدة للعالم قبل المتعلم.
يقول: «وكانت أيامًا زاكية مباركة، وقرأت فيها مع إخواني الشباب هناك شيئًا من علوم العربية، وقد أعطيتهم وأعطوني، أعطيتهم خبرة الأيام، وثمار مجالسة أهل
[ ١ / ١٤ ]
العلم ومشافهتهم والرواية عنهم، وأعطوني حماسة الشباب وتوقده، بل إنهم فتحوا لي أبوابًا من النظر، ودلوني على فوائد من الكتب لم أكن أقف عليها لولا نظرهم ومناقشتهم، وما زلت أقول: إننا حين نعلم ونخرج أبناءنا الطلبة إنما نقرأ معهم العلم مرة أخرى، بل ربما استفدنا منهم مثل الذي استفادوه منا، ولأمر ما كان التلميذ قديمًا يسمى «صاحبًا» لشيخه: فأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، والربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، وابن جني صاحب أبي علي الفارسي وهلم جرًّا».
ثم لا يترك هذا الموضع حتى يذكر في هامش الصفحة أسماء هؤلاء الشباب الذين أفادهم واستفاد منهم، ومنهم: عياد بن عيد الثبيتي، سليمان بن إبراهيم العايد، عثمان بن حسين الصيني، عبد الرحمن بن سليمان العثيمين وغيرهم.
ولعل هذه الإشارة من عالمنا الجليل إلى توقير واحتفال الجامعات السعودية بأهل العلم والحفظة والرواد، الذين ضاقت بعلمهم الواسع الشهادات الجامعية، فالتقطتهم دررًا واستقطبتهم نجومًا، أثرت بهم هيئاتها التدريسية وانتفع طلابها بعلمهم العظيم، هي التفاتة مهمة وتنبيه واجب للقائمين على إدارة المؤسسات الجامعية في بلادنا العربية، فهذه السُّنَّة الحميدة، وهي التعيين دون الالتزام بمسميات الشهادات، أسلوب عرفته الجامعات الأجنبية قبل العربية، فاستفادت منه، وبسبب هذا النهج رأينا العقاد وعبد السلام هارون وعمر الدسوقي، وغيرهم كثيرين، رأيناهم في أروقة الجامعات يحاضرون ويناقشون ويفيدون وهم لا يحملون لقب العصر وصرعته «الدكتوراه» ولا يعبأون بها، وكان الأمر كذلك في مؤسساتنا العلمية إلى أن ابتليت بالنظام الأمريكي الفجّ، الذي جعل الطلاب يمتحنون أساتذتهم في بعض المقابلات الخارجية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.