رابطة علماء المسلمين
السبت٢٩شعبان١٤٣٢هـ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء خاتم المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد: فإن رابطة علماء المسلمين تهنئ شعبنا المسلم في تونس بحلول شهر رمضان المبارك، ونسأل الله -تعالى- أن يكون هذا الشهر العظيم فرصة كبيرة لتجديد الدين في أرض الزيتونة والقيروان، وقد سرنا كثيرًا عودة الناس إلى المساجد واعتزازهم بعقيدتهم وهويتهم بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، وسرنا عودة المدارس والكتاتيب القرآنية، ونحوها من المظاهر التي تدل على أصالة الشعب التونسي، وسلامة فطرته. لكن التيار (اللائكي) الإقصائي الذي فرض قبضته الحديدية السياسية والفكرية على تونس لعدة عقود ساءته تلك الصحوة الشعبية، بعد أن تبين له أن ذلك النموذج الحداثي المعادي للدين الذي كان يتشدق به، قد ظهر بناؤه هزيلًا هشًا، وليست له جذور حقيقية في النسيج الاجتماعي التونسي، وإنما كان يستمد قوته وبقاءه من العصى الأمنية الغليظة التي فرضت خياراتها السياسة والفكرية بلغة القهر والاستبداد والقمع الشمولي. وصدق المولى - جل وعلا -: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]
وبالرغم من سقوط رأس النظام، إلا أن كثيرًا من صناع المشروع العلماني وحماته لازالوا في دائرة القرار، ولهذا تعاملوا بتشنج وتوتر مع الواقع الجديد الذي فرضته الثورة، خشية أن تذهب مكتسباتهم السابقة أدراج الرياح، فسعوا لخطف ثمرات الثورة المباركة بوسائل متعددة، من أهمها:
أولًا: استفزاز الشعب التونسي المسلم بالهجوم على ثوابت الشريعة الإسلامية، والاستهزاء بالمقدسات العقدية، من أجل خلخلة كيان المجتمع، وقطع طريقه نحو الكرامة والحرية. وفي هذا السياق موَّلت وزارة الثقافة من أموال الشعب إنتاج فيلم سينمائي يكفي ما حمله عنوانه من تطاول: (لا الله .. لا سيدي)، ذلك العنوان الذي تجاوز حدود الأدب واللياقة الأخلاقية في التطاول على الذات الإلهية، والترويج لثقافة الإلحاد، والتمرد على المقدسات، بحجة الحرية والإبداع. وتزامن مع ذلك جرأة غير مسبوقة من بعض الأكاديميين وبقايا اليسار لإنكار السنة المشرفة، والقدح في مقام النبوة، والتطاول على أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂، وعلى الصحابة الكرام ﵃، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، مثل تحريم الخمر، والدعوة إلى الشذوذ الجنسي، ونحوها.
ثانيًا: تشويه صورة الدعاة والمصلحين، وتقديم صورة نمطية جائرة تصفهم بالتشدد، وتسعى لإلصاق التهم الملفقة بهم دون حجة أو برهان، كتهمة قتل القسيس البولوني، والاعتداء على الكنيس اليهودي، ونحوها من الأحداث التي تبين فيها للخاص والعام كذب تلك الدعاوي، وحجم التحريض والتزوير الذي يتعرض له الدعاة الصادقون.
من أجل ذلك كله فإننا نخاطب الشعب التونسي المسلم بمحبة وإشفاق، ونذكره بالأمور الآتية:
[ ١ / ١٧٢ ]
أولًا: إن التطاول على الذات الإلهية وعلى مقام النبي المصطفى ﷺ، من أعظم الموبقات وقد توعد الله - ﷿ من يتجرأ على ذلك باللعنة والعذاب في الدنيا والآخرة، قال الله -﷿ - في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٥، ٦] ولدينا يقين بأن الله - ﷿ - كتب على أولئك المتطاولين الذلة والصغار في الدنيا والآخرة- ان لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله - رغم محاولة بعض وسائل الإعلام تلميعهم وتزيين صورتهم أمام الرأي العام، وصدق المولى - جلَّ وعلا - إذ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠]
ثانيًا: الحرية التي تتطلع لها الشعوب العربية ومنها الشعب التونسي المسلم هي الحرية المسؤولة التي تستنقذه من آسار القهر وقيود الاستبداد، وتراعي كرامة الأمة، وتقدر عقيدتها وهويتها وجذورها التاريخية. وليست الحرية التي تختزل في تحقيق أهداف مشبوهة تستهين بكرامة الشعب، وتناقض هويته، وتتطاول على عقيدته، وتجرحه في أعز ما يؤمن به، ثم تستقوي بالأجنبي لفرضها بالقوة؛ والأمة لن تقبل بذلك النمط من الحرية، و(لن تنحي يدها) مطلقًا عن الدفاع عن نبيها ﷺ وعن صحابته الكرام - ﵃ أجمعين-، بل يجب أن يتنحى أولئك القوم المحادون لله ورسوله عن المقدسات والثوابت، ويدركوا أن الشعب التونسي الأبي لن يرضى الدنيَّة في دينه بعد اليوم.
ثالثًا: من حق الشعب التونسي المسلم أن يغضب لله - تعالى -، وأن يغار على دينه، وأن يذب عن مقدساته، ويصون حرماته، امتثالًا لقول الحق - تبارك تعالى -: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقوله - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. وغضب الشعب التونسي بكافة شرائحه الاجتماعية إزاء تلك الانتهاكات الصارخة دليل بيِّن على جذوره الإسلامية العميقة التي لم تغيبها عقود العلمنة والتغريب، وقد سرنا أن عموم الشعب وخاصة الشباب ممَّن لا تظهر على بعضهم سيما التدين تمعرت وجوهم غضبًا لله - تعالى-، وغيرة على نبيه المصطفى ﷺ، وهذا يؤكد أن الذب عن الدين ليس مهمة العلماء أو أئمة المساجد فحسب؛ بل هو مسؤولية عظيمة في رقاب جميع المسلمين (رجالا ونساء) ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ونؤكد ها هنا أن مواجهة الاعتداء على حرمات الأمة ليست مسؤولية الشعب التونسي وحده، وإنما هي مسؤولية جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ممن يواجهون المد العلماني في كل البلاد التي قامت بها الثورات الشعبية وغيرها من بلاد المسلمين، والسعيد كل السعادة من يستعمله الله - تعالى - في طاعته وينصر به الدين.
رابعًا: من واجب وزارة الشؤون الدينية في تونس أن تنزع لباس السليبة واللامبالاة، وتمارس مسؤولياتها الشرعية بجد، وتقف مع الشعب في صف واحد ضد من يسعى لتسفيهه، والاستهانة به، وتحطيم مقدساته والتطاول على حرماته.
[ ١ / ١٧٣ ]
خامسًا: نحسب أن الشعب التونسي الغيور على دينه قادر بعون الله - تعالى - على أن يقدم أنموذجًا راقيًا في الاحتجاج السلمي، والإنكار بحكمة وروية، والتعبير عن رأيه بهدوء وتوازن، مترفعًا عن اللجاج واللغط وسفساف الأمور، ونائيًا بخطابه الإسلامي وبرامجه الدعوية عن المناكفات الحزبية والصراعات الشخصية، فمقدسات الأمة أجلّ من ذلك كله وأسمى، وينبغي أن يظل الشعب التونسي المسلم معتصمًا بقول الحق - جلَّ شأنه -: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله - ﵎ - ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. كما نحسب أن الشعب التونسي المسلم يدرك أبعاد ومرامي تلك الفقاعات الإعلامية المصطنعة، ولذا فهي دعوة لضبط النفس، والتحكم بردود الأفعال، وأن يكون واعيا لمحاولات الاستدراج التي تتقصد استفزاز الشباب ودفعه إلى العنف وإسقاطه في شَرَك الفوضى والاحتراب الداخلي؛ من أجل أن يكون ذلك مسوغًا أمام الرأي العام المحلي والدولي للتراجع عن استحقاقات المرحلة التاريخية التي تمر بها البلاد. ولاشك أن التشنج في المواقف، والتسرع في ردود الأفعال لن ينصر حقًا ولن يدفع باطلًا، بل قد يجر إلى مفاسد أعظم، والنظر في مآلات الأفعال والأقوال علامة من علامات الوعي والنضج؛ فالشريعة المطهرة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، ولهذا نوصي الشباب وعامة الشعب بالرجوع إلى علمائهم الربانيين، والتشاور مع شيوخهم الثقات، والتواصل مع علماء الأمة والتعبير عن آرائهم برؤية شرعية ملتزمة هدي الكتاب والسنة.
سادسًا: نوصي إخواننا في تونس من جميع الاتجاهات الإسلامية بتقوى الله - ﷿ - والاعتصام بحبله المتين، والسعي الحثيث لتحقيق أكبر قدر ممكن من التعاون والتكامل، وإحياء فقه النصيحة والتواصي بالحق، والبعد عن الاختلاف والتنازع والتشرذم، امتثالًا لقول الحق - جل وعلا -: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقول النبي ﷺ: «إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» متفق عليه، وقال ابن مسعود - ﵁ -: «الخلاف شر» رواه البخاري فالمرحلة التاريخية التي تمر بها البلاد تتطلب صدقًا مع الله - تعالى -، وتجردًا من الأهواء، وأفقًا واسعًا يتجاوز المكاسب الحزبية والتطلعات الشخصية؛ فالمعركة التي حمي وطيسها لا تستهدف فصيلًا أو تيارًا بعينه، وإنما تستهدف الإسلام نفسه، وها أنتم ترون كيف تواطأت الاتجاهات اللائكية في الداخل والخارج لتحقيق ذلك، فعليكم بالاجتماع والائتلاف وإياكم والفرقة والاختلاف.
سابعا: لن يحل مشكلات الأمة إلا بالسعي الجاد الحكيم لتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وتطبيق شرعه وفق منهج أهل السنة والجماعة، وذلك بروية وحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
أخيرًا: نذكر إخواننا في تونس المسلمة ونحن في مطلع هذا الشهر الكريم بضرورة الأوبة الصادقة إلى دين الله، والمسارعة إلى التطهر من أدران الذنوب كبيرها وصغيرها، واستثمار هذه الأيام المباركة بتطهير النفوس من رين المعاصي ورجس الآثام. ونوصي إخواننا الأئمة والدعاة باغتنام إقبال الناس على الطاعات وتذكيرهم بالله -﷿- والرفق بهم، واللين في دعوتهم، وسعة الصدر في تصحيح أحوالهم، وقد كان النبي ﷺ يوصي أصحابه باليسر والسماحة في تبليغ الدين، ولما بعث النبي ﷺ معاذًا وأبا موسى ﵄ أوصاهما قائلًا: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» رواه مسلم، وكما وصف النبي ﷺ نفسه الزكية بقوله: «إن الله لم يبعثني معنفًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا» رواه مسلم.
نسأل الله - تعالى - أن يجعل لأشقائنا في تونس الحبيبة نصيبًا وافرًا من التزام هدي النبي ﷺ، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر هذا الدين، وأن يرد عن أهله شر الأشرار وكيد الفجار. وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم
رابطة علماء المسلمين
الخميس ٢٧/شعبان/١٤٣٢هـ
الموقعون:
الأمين الحاج محمد أحمد رئيس الرابطة، السودان
د. عبدالرحمن المحمود، نائب رئيس الرابطة، السعودية
محمد سيديا (النووي)، نائب رئيس الرابطة، موريتانيا
أ. د ناصر بن سليمان العمر، أمين عام الرابطة، السعودية
د. عبد العزيز التركي، مساعد أمين الرابطة، السعودية
د. عبدالمحسن زبن المطيري، مساعد أمين الرابطة، الكويت
[ ١ / ١٧٤ ]