أم محمد، وكان أبوها وهب بن عبد مناف من زهرة، عشيرة من قبيلة قريش، وأمها بَرّة بنت عبد العُزَّى، من عشيرة بنى عبد الدار.
ويقال إنها كانت فى حجر عمها وُهَيب بن عبد مناف. وفى اليوم الذى زوجها فيه من عبد الله بن عبد المطلب زوج كذلك ابنته هالة من عبد المطلب (ابن سعد، جـ ١، ق ١، ص ٥٨)، وإذا صح هذا فقد يكون مثالا لعادة من عادات الزواج التى أهملت.
والظاهر أن آمنة أقامت مع أسرتها، وكان يختلف إليها هناك عبد الله، الذى توفى قبل ميلاد محمد فى القول السائر.
وكان محمد يعيش فى كنف آمنة طيلة حياتها، وعلى هذا فمن المفروض أنه عاش مع أسرة أمه (إلا حين أرسل للرضاع فى قبيلة بدوية).
ويقال إن أمه آمنة توفيت بالأبواء بين مكة والمدينة فى عودتها من زيارة أقارب لمحمد هناك، وكان محمد عندها
[ ١ / ٣٦ ]
فى السادسة من عمره.
وهذه الزيارة -وإن بدت غامضة- غير أننا لا نملك أسبابا قوية لدحض تفصيلاتها، وهذا لا يعنى التسليم بالقصص المتصل بحملها، كزعمها حين قالت إنها رأت نورا خرج منها أضاء قصور بُصرى بالشام.
المصادر:
(١) ابن هشام، ص ٧٠، ١٠٠ - ١٠٢، ١٠٧.
(٢) ابن سعد، جـ ١، ق ١، ص ٦٠، ٧٣.
(٣) الطبري، جـ ١، ص ٩٨٠، ١٠٧٨ - ١٠٨١.
(٤) Annali: Caetani جـ ١، ص ١١٩، ١٥٠، ١٥٦.
الأبيارى [مونكومرى وات W.: Montgomery]
تعليق على مادة "آمنة"
إنا لا نأبى على كاتب سيرة أن يستنبط ما شاء، بعد أن يعرض الوقائع كلها بين يديه جملة لايستثنى، حتى يكون أقرب إلى الصواب فى حكمه. أما أن يغيب شيئا ويكشف عن شيء فتلك ليست حلية الحريص على الحقيقة ولا يفعلها إلا مغرض.
وسيرة آمنة من الجلاء بمكان، اختلف فى بعضها المؤرخون، وذلك هو كنه التاريخ قبل أن تضبطه الكتابة، وحين كان رواية. ولكن استخلاص الصحيح من بين هذه الخلافات ليس بالعسير.
فزواج عبد الله من آمنة، كما رواه ابن سعد عن الواقدى بتلك الرواية التى جعلها كاتب المادة عمدته، رواه غير ابن سعد ممن هو أسبق منه وجودا، وهو ابن هشام عن ابن إسحاق.
يقول ابن هشام: "فخرج به عبد المطلب -يعنى عبد الله لبنه- حتى: أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن حرة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسبا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا" (السيرة، ج ١، ص ١٦٤ - ١٦٥ طبعة الحلبى).
ولم يشر ابن هشام إلى الرواية الأخرى التى انفرد بها ابن سعد. وعن هاتين الروايتين: رواية ابن هشام ورواية ابن سعد، كان نقل المؤرخين من
[ ١ / ٣٧ ]
بعدهما، غير أنا نلاحظ أن هؤلاء المؤرخين اللاحقين، مثل الطبرى، يبدءون بما رواه ابن هشام ويثنون بما رواه ابن سعد، على الرغم من تغليط ابن سعد للرواية الأولي، كما نجد منهم من يشكك فيها مثل الزرقانى فى كتابه "شرح المواهب ١: ١٠٣" حيث يقول بعد أن ساق الرواية الأولي، أى رواية ابن هشام: "وقيل كانت فى حجر عمها وهيب، وهو المزوج لها. قاله ابن إسحاق فى رواية".
ويأبى كاتب المادة إلا أن يجعل من هذه الأيام الثلاثة التى أقامها عبد الله مع أسرة زوجته حين بنى بها إقامة دائمة، وما يعنينا أكانت هذه أم كانت غيرها، ولكن الذى يعنينا هو التأريخ الحق. يقول ابن سعد: "لما تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب أقام عندها ثلاثا. وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته فى أهلها" (الطبقات، ج ١، ص ٩٥ طبعة بيروت).
ثم يأبى كاتب المادة إلا أن يغفل رعاية جد محمد له، وما كان عبد المطلب بعيدا عن حفيده، يقول ابن هشام: "وكان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب ابن هاشم فى كلاءة الله وحفظه".
وأغرب من هذين تشكك كاتب المادة فى زيارة آمنة لأخوال أبى محمد بالمدينة، إد كانت أم عبد المطلب هى سلمى بنت عمرو النجارية. ومن قبل أن تنزل بهم آمنة بابنها محمد نزل بهم عبد الله أبو محمد، وأقام عندهم مريضا مدة، ومات بين أيديهم، ودفن مى دار التابع، من بنى عدى بن النجار. فهل يعد غريبا بعد هذا أن تصحب الأم الوفية لزوجها ابنها لتزيره قبر أبيه؟
يقول ابن سعد (الطبقات ج ١، ص ١١٦ - ١١٧): "كان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بنى عدى بن النجار -يعنى أخوال جده- بالمدينة تزورهم به: فأقامت عندهم شهرا. فكان رسول الله ﷺ يذكر أمورا كانت فى مقامه ذلك: لما نظر إلى أطم بنى عدى بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب أنيسة، جارية من الأنصار، على هذا
[ ١ / ٣٨ ]
الاطم، وكنت مع غلمان من أخوالى نطير طائرا كان يقع عليه".
ثم يقول ابن سعد: "ونظر إلى الدار فقال: هاهنا نزلت بى أمي، وفى هذه الدار قبر أبى عبد الله بن عبد المطلب".
ثم يقول ابن سعد: "ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب، فقبرها هناك".
ويقول ابن سعد رادّا على من يزعم أن قبر آمنة بمكة: "هذا غلط. ليس قبرها بمكة، وقبرها بالأبواء".
اللهم إن هذا جرأة على الحق يأتيها كاتب المادة، فهذا إجماع من المؤرخين، وهذا سبب قوى واضح دافع إلى تلك الزيارة، ثم هذه شهادة الصادق الأمين بما ورد على لسانه تؤيد ما كان.
ولكن كاتب المادة أراد أن يتخذ من شكه هنا تكأة للدخول فى شك أعظم حين يجرح ماجاء على لسان آمنة من حملها وولادتها، لاسيما حديث ذلك النور.
يقول ابن إسحاق (السيرة ج ١، ص ١٧٥): "إن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: نعم، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشرى اْخى عيسي، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام".
ويرويه ابن سعد مسندا إلى أبى أمامة الباهلى (الطبقات ١: ١٠٢، طبعة بيروت) قال: "قال رسول الله ﷺ: رأت أمى كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور بصرى".
ويقول السهيلى فى كتابه "الروض الأنف": "وتأويل هذا النور ما فتح الله عليه -يعنى رسول الله ﷺ- من تلك البلاد".
وكما لا نكبر ما وقع لمريم كذلك لا نكبر ما وقع لآمنة ما دمنا نؤمن بالنبوة والنبوات، وما كان ما وقع لآمنة وجاء على لسانها غير إرهاص بمولد ذلك النبى العظيم الذى امتد نور هديه إلى ما وراء بصرى شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. والأمر على التشبيه، وتزكِّيه رواية ابن سعد.
إبراهيم الأبيارى