المتنبى لقب عرف به الشاعر العربى أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفى (ابن خلكان: وفيات، القاهرة سنة ١٣١٠ هـ، ج ١، ص ٣٦؛ وفى هذا الكتاب سلسلتا نسب للمتنبى لا تتفق إحداهما مع الأخرى، ترفعانه إلى جده الأعلى). ولد بالكوفة عام ٣٠٣ هـ (٩١٥ م) فى حى كندة، ومن ثم كانت نسبة الكندى التى يعرف بها أحيانا.
وقد زعمت أسرته التى كانت تعيش فى أرق حال أنها تنتمى إلى عشيرة "جعف" اليمانية. وكان شاعرنا يؤمن طوال حياته بتفوق عرب الجنوب على عرب الشمال. (الواحدى: شرح ديوان المتنبى، طبعة ديترتشى Deitrici، ص ٤٨ - ٤٩، اليازجى: العرف الطيب، ص ٢٩). وتلقى المتنبى دروسه الأولى فى مسقط رأسه، وسرعان ما امتاز بذكائه الوقاد وحافظته العجيبة، كما ظهرت موهبته الشعرية مبكرة، ووقع حينذاك تحت تأثير الشيعة، وربما تحت تأثير الزيدية منهم، (عبد القادر البغدادى: خزانة، ج ١، ص ٣٨٢، س ١٢) فأثر هذا فى تطور فلسفته (سنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد) كما ساعدت الظروف أيضا على سرعة تطور عقيدته الدينية. وليس من شك فى أن أبا الطيب المتنبى فر فى أواخر عام ٣١٢ هـ (٩٢٤ م) من وجه القرامطة الذين استولوا على الكوفة وأعملوا فيها النهب، وعاش مع أسرته مدة عامين (السمعانى: الأنساب، ص ٥٠٦ ب، س ٢٤؛ البديعى: الصبح المنبى، ج ١، ص ٦) فى سماوة وهى الإقليم الواقع
[ ٢ / ٣٥٥ ]
بين سواد الكوفة فى الشرق وتدمر فى الغرب.
ولقد هذب دعاة القرامطة من شأن بنى كلب الذين كانوا يعيشون عيشة البدو فى فيافى تلك الصحراء. ومن المحتمل أن يكون هذا الشاعر الشاب قد اتصل فى ذلك الوقت ببعض هوْلاء الزنادقة. إلا أنه ليس من المرجح كثيرا أن يكون هذا الاتصال الأول قد ترك أثرا حاسما فى حياته لحداثة سنه. ومن المحقق من جهة أخري أن إقامة أبي الطيب بين هؤلاء البدو قد أكسبته معرفة عميقة باللغة العربية فاخر بها جد الفخر من بعد.
ويظهر أن أبا الطيب صمم على أن يقف مواهبه كلها على الشعر عند رجوعه إلى الكوفة فى أوائل عام ٣١٥ هـ (٩٢٧ م). وكان فى ذلك الوقت شديد الإعجاب بأبى تمام والبحترى وهما شاعرا المدح العظيمان اللذان ظهرا فى القرن السابق. إذ رأى، شأن هذين الشاعرين وشأن الكثير من معاصريه، أن الشعر وسيلة محققة للحصول على الثروة والسلطان، ولهذا سرعان ما تقرب الى أبى الفضل الكوفى ومدحه بقصيدة قصيرة (الواحدى ص ١٧ - ٣١؛ اليازجى، ص ١٠ - ١١) ويلوح لنا أن هذا الرجل قد أثر تأثيرا كبيرا فى تطور عقيدة المتنبى وفلسفته (أنظر خزانة الأدب، ج ١، ص ٣٨٣) ذلك لأنه كان فيما يظهر من الذين اعتنقوا مذهب القرامطة أو قل أنه كان على أى حال لا أدريًا صميمًا، نلمح ذلك من المدائح التى كان يسره أن توجه إليه، وقد جعله اتصاله بمولاه -بعد أن هيأته البيئة الشيعية التى قضى فيها صباه والصلات التى كانت بينه وبين القرامطة فى السماوة- ينبذ العقائد الدينية التى كان يرى أنها أداة روحية للظلم. واعتنق المتنبى فى ذلك الوقت فلسفة رواقية متشائمة ظهر صداها فى شعره: فالحياة عنده غواية يذهب بها الموت (الواحدى، ص ٣٩، الأبيات ١٣ - ٨؛ اليازجى ص ٩٧.٢٣) ولا يسودها إلا الحماقة والشر (الواحدى، ص ١٦١، الأبيات ٥ - ١٠؛ اليازجى، ص ٩٧). كما كان يرى أن الاْعاجم الغلاظ الجبناء قد غلبوا العرب على أمرهم، وهؤلاء كانوا فى نظره يمثلون
[ ٢ / ٣٥٦ ]
جنسا متفوقا (الواحدى، ص ١٤٨، الأبيات ١ - ٥، ص ١٦٠، الأبيات، ٢ - ٦، اليازجى، ص ٨٧، ٩٦). وبازدياد معرفة أبى الطيب بهذه الحياة التى كان يزهد فيها، نما شعوره سريعا بموهبته، فازداد غروره إلى درجة لا تكاد تتصور (الواحدى، ص ٦٠؛ اليازجى، ص ٣٤). وقد دفعته عصبيته العربية، شأن جميع أعداء الشعوبية، إلى مهاجمة الأعاجم المغتصبين (الواحدى ص ٥٨، البيتين ٣٠ - ٣١؛ اليازجى ص ٣٣). ولذلك نستطيع أن نعرف من التناقض الذى لم يكد يبرأ منه لماذا كان يطمع طوال حياته فى الثروة والسلطان اللذين كان يحتقرهما من أعماق نفسه، مع أنه كان يتميز عن بقية معاصريه بخلقه المتشدد وصرامته (البديعى: كتابه السابق، ص ٧٨ - ٨١).
ونجد أبا الطيب يقصر تفكيره أول الأمر على غزو العالم بمواهبه الشعرية، ولذلك رأى أن يبعث عن ميدان أوسع لنشاطه؛ فترك الكوفة حوالى نهاية عام ٣١٦ هـ (٩٣٨ م)، والراجح أن هذا الرحيل كان نتيجة لنهب القرامطة هذه المدينة مرة أخرى. ومن الطبيعى أن تجتذبه بغداد (البديعى، كتابه السابق، ب ١، ص ٨٢ - ٨٣) فيمدح فيها مواطنه محمد بن عبيد الله العلوى (الواحدى، ص ٦ - ٧؛ اليازجى، ص ٣ - ٤) ثم يرتحل منها إلى الشام، فيعيش فيها عامين عيشة الشعراء الجوالين فى ذلك العصر (Renaissance des lslams: Mez ص ٣٥٦). ولكنا لا نستطيع أن نتتبع تجوال الشاعر لأن ديوانه، وهو مرجعنا الوحيد، لم يرتب ترتيبًا زمنيًا مقنعًا. وقد مدح فى بعض قصائد هذه الفترة من حياته شيوخ البدو فى إقليم مَنْبج (انظر هذه المادة الواحدى، ص ٣٤ - ٢٥، ٣٨ - ٣٩، ٦٧ - ٦٦؛ اليازجى، ص ١٣ - ١٣، ٢٢ - ٢٣، ٢٨ - ٢٩) كما مدح بقصائد أخرى رجال الأدب فى طرابلس (الواحدى، ص ٨٨ - ٨٩، اليازجى ص ١٩ - ٢٠) واللاذقية (الواحدى ص ١١٦ - ١٣٥؛ اليازجى، ص ٦٦ - ٧٨) وشعر هذه المرحلة من حياة المتنبى متوسط القيمة تظهر فيه العجلة، ولكنا مع ذلك نلمح فى ثناياه آثار موهبته الحقة. فإذا استثنينا مرثية له وبعض مقطوعات ارتجالية فإن
[ ٢ / ٣٥٧ ]
جميع قصائد هذه الفترة تمثل الذين يتأثرون الشعر القديم، كما يغلب عليها أثر أبى تمام والبحترى.
وبرم أبو الطيب بهذا الطور من أطوار التجربة لأنه لم يلق من يقدر مواهبه، فأخذ يتطلع إلى تحقيق أحلامه فى السيادة بالقوة (الواحدى، ص ١٣٨، الأبيات من ٣ - ٧؛ اليازجى، ص ٧٩). وعزف آخر الأمر عن ذلك المديح الذى كان يؤجر عليه، وعاد إلى اللاذقية ثم بدأ دعوة ثورية أسئ فهم كنهها مدة طويلة من الزمن، فكتاب المشرق يقولون (البديعى، الكتاب السابق، ج ١، ص ٢٥ - ٣٠؛ ابن الأنبارى: نزهة الألباء، ص ٣٦٩) إن أبا الطيب ادعى النبوة فى السماوة، وأسرته جنود الإخشيد من ثم لقب بالمتنبى. وانتصر كراتشكوفسكى Kraschkowsky فى كتابه عن المتنبى وأبى العلاء (طبعة سانت بطرسبرج عام ١٩٠٩، ص ٩ - ١١) لهذه الروايات من غير أن يلقى نظرة شاملة على الإشارات الواضحة فى ديوانه؛ ففى هذا الديوان أشعار تقطع بقيام المتنبى بهذه الثورة (الواحدى، ص ٤٩ - ٥٨ - ٨٦؛ اليازجى ص ٢٨ - ٣٣، ٥٠) إلا أنها كانت بلاشك مثل غيرها من ثورات ذلك العهد سياسية ودينية معًا، وقد بدأت فى اللاذقية ثم امتدت إلى الحدود الغربية للسماوة حيث يسكن بنو كلب المتأهبون دائما للتمرد. وقد استغل أبو الطيب مبادئ القرامطة دون أن يؤمن بمذهبهم، ولم تجد هذه المبادئ أذنًا صاغية كل الإصغاء إلا بين أولئك البدو الرحل (الواحدى. ص ٥٧، البيتين ٢٢ - ٢٣؛ اليازجى، ص ٣٢، وبهذا الكتاب إشارة إلى مذبحة الحُجّاج الذين قتلهم أبو طاهر القرمطى عام ٣١٧ هـ ٩٣٠ م)، وربما سببت أقوال الثائر الغامضة ومبادئه التى تقوم على انتهاز الفرص وتصوره للإمامة على الأسس القرمطية بعض الالتباس فى فهم دعوته، ذلك لأن كل ثائر فى ذلك الوقت كان يعتبر قرمطيًا، وهزم المتنبى والبدو الذين كانوا معه بعد أن نجح بعض النجاح فى أول الأمر، ثم أسر وحبس فى حمص حوالى نهاية عام ٣٢٢ هـ (٩٢٣ م). وبعد أن حوكم وسجن سنتين (انظر ديوانه. مخطوط بباريس، رقم ٣٠٩٢، ورقة ١٦ أ) أطلق سراحه
[ ٢ / ٣٥٨ ]
على أن يرجع عن غيه. ولم يكتسب من هذه المغامرات إلا لقب "المتنبى" كما اقتنع بأن الشعر وحده هو الذى يقوده إلى تحقيق أحلامه الواسعة.
وتمتاز القصائد التى نظمها أبو الطيب قبيل هذه الثورة وفى أثنائها بتدفق الشاعرية، والحرية التى كان يعالج بها قوالب الشعر، وبقوة الأسلوب الذى ظهرت فيه شخصية الشاعر أكثر من ذى قبل.
وما إن رجع المتنبى إلى احتراف المديح حتى عاد بطبيعة الحال إلى استئناف حياة التجوال (بداية عام ٣٢٥ هـ -٩٣٧ م). فعاش عيشة غير مستقرة عدة سنوات، وقنع بمدح أهل أنطاكية ودمشق وحلب وغيرها وبعض صغار العمال فى هذه المدن الذين كانوا يقترون عليه فى العطاء كل التقتير (الواحدى ٥١ - ١٣١ ياقوت: إرشاد الأريب، ج ٥، ص ٢٠٣) وذاع صيته شيئا فشيئا حتى أصبح فى أوائل عام ٣٢٨ هـ (٩٣٩ م) شاعر الأمير بدر الخرَشَانى الذى ذكره فى ديوانه باسم بدر بن عمّار، وكان واليَا على دمشق من قبل أمير الأمراء السابق ابن رائق الذى كان قد احتل الشام وشيكًا.
ولما كان بدر من أصل عربى فقد اعتبره المتنبى مولاه الذى كان ينتظره منذ أمد بعيد؛ والمدائح التى مدح بها الأمير والقصائد العارضة التى وجهها اليه فى بعض المناسبات تفصح عن صادق الإعجاب به. وتمتاز بالإلهام الشعرى الرفيع (الواحدى، ص ٢٠٦ - ٢٤٥؛ اليازجى، ص ١٣٢ - ١٦٣)، وتؤلف هذه المقطوعات مع التى سبقتها بعد رجوعه إلى عالم الأدب ما نستطيع أن نطلق عليه المرحلة الثالثة من حياة المتنبى الشعرية؛ وقد نظم المتنبى المطولات فى هذه المرحلة، هذا إذا استثنينا مقطوعة فى الصيد تأثر فيها الشاعر أبا نواس (الواحدى ص ٢٠١ - ٢٠٢؛ اليازجى ص ١٢٨ - ١٢٩) وعددًا من القطع ارتجلها الشاعر وليست لها أهمية خاصة. وقد يبدو أن المتنبى عاد فى هذه المرحلة إلى مرحلته الشعرية الأولى، إذ كانت أشعاره فى هذه المرحلة لا تدل على تقدم يذكر فى القصيدة من حيث "قالبها".
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ولم تدم صداقة المتنبى لبدر إلا حوالى عام ونصف العام، فلما وجد أنه لم يعد آمنا على نفسه من دسائس منافسيه وحساده (الواحدى، ص ٢٥٣، الأبيات ١٣ - ١٦؛ اليازجى، ص ١٦٩) التجأ إلى بادية الشام (الواحدى، ص ٢٥٢ - ٢٥١؛ ص ١٦٨ - ١٦٩) وهناك تملكته فكرة الثورة من جديد (الواحدى ص ٢٥٣ - ٢٥٤؛ اليازجى، ص ١٧٠ - ١٧١).، من حسن الطالع أن نزوح بدر إلى العراق قد مكنه من الخروج من مخبئه ومعاودة التكسب بالمديح، فمدح عدة أشخاص ليسوا بذوى خطر (الواحدى، ص ١٠٧ - ١٠٨، ٢٨٤ - ٣٤٨؛ اليازجى ص ٦٠ - ٦١، ١٩٤ - ٢٤١) ثم نجح آخر الأمر فى توطيد مركزه فى بلاط الحمدانيين بحلب عندما) صبح الشاعر الرسمى للأمير سيف الدولة وكان ذلك فى أوائل عام ٣٣٧ هـ (٩٤٨ م).
وإذا نظرنا إلى أشعاره من الناحية الأدبية فى هذه الفترة التى تبتدئ على التقريب من منتصف عام ٣٢٩ هـ (٩٤٠ م) وهو تاريخ الوحشة مع بدر، وتنتهى فى أوائل عام ٣٣٧ هـ (٩٤٨ م) فإننا نجدها تكوَن المرحلة الرابعة التى ظل يلتزم) سلوبها حتى وفاته. ويمتاز شعره فيها بالتوفيق بين التقاليد الشعرية القديمة التى درج عليها المحدثون وبين القالب الشعرى المتحرر الذى اتخذه المتنبى فى مرحلة ثورته، ومع أنه لم ينبذ قالب القصيدة القديم فقد اقتصد إلى أقصى حد فى مقدماتها الغزلية، وكان أحيانا يستبدل بها مقدمة فلسفية غنائية يبث فيها أحلامه وشفاءه من الأوهام وسخطه.
وقد مكث أبو الطيب تسع سنوات مع سيف الدولة، وكان متعلقا به تعلقا شديدًا، إذ رأى أنه قد تمثلت فيه صفات الزعيم العربى الكامل، فقد كان عظيما شجاعًا مسماحًا، وقابل ذلك سيف الدولة بان قدر شاعره وغمره بالهبات ولم يسئ اليه قط. وصحبه المتنبى فى غزواته حتى إذا رجع إلى حلب تغنى الشاعر بمغامرات مولاه مع الروم والبدو. وكان المتنبى فى الفترات القصيرة التى تتخلل غزوات سيف الدولة الحمدانى يشترك فى لهو البلاط
[ ٢ / ٣٦٠ ]
بحلب ويتوفر على الانتاج، وينظم المدائح فى كل مناسبة للوح (الواحدى، ص ٥٢٢ - ٥٣٧، اليازجى ص ٣٧٦ - ٣٩٥) ويرثى أقرباء سيف الدولة الذين يتوفاهم الله (الواحدى، ص ٣٨٨ - ٣٨٩، ٤٠٨ - ٤٥٩، ٥٧٧ - ٥٧٨، اليازجى، ص ٢٧١ - ٢٧٢، ٢٨٦ - ٢٨٧، ٤٢٨ - ٤٢٧). وقد كان من شأن أخلاقه الشرسة وشهرته الواسعة أن ألبت عليه أعداء ألداء. وفى الحق لقد حاول نفر من أصدقائه كالببغاء الشاعر أن يدافعوا عنه، بيد أن حماستهم لم تجد شيئا أمام عداوة فريق من الخصوم الألداء يتزعمهم الشاعر المعروف أبو فراس ولم يحفل سيف الدولة بادئ الأَمر بحملات أولئك الخصوم على شاعره. ولما ضاق صددره وتخلى عن حماية المتنبى لم يستطع هذا أن يأمن على حياته، ففر خفية من حلب مع أسرته والتجأ إلى دمشق فى نهاية عام ٣٤٦ هـ (٩٥٧ م).
ويتفق نقاد الشرق بصفة عامة على أن المتنبى قد بلغ الذروة بقصائده التى نظمها أثناء إقامته مع سيف الدولة، ومع أن فى هذا القول شيئا من البالغة، فالمحقق أن الشاعر فى هذا العهد الذى يعتبر بمثابة الاستمرار فى مرحلته الشعرية الرابعة، قد كشف عن امتلاكه ناصية الشعر، وهو ما بلغ إليه فنه فى تلك المرحلة. وكان المتنبى أقدر من أبى فراس، الذى كان كثيرا ما يوازن به، على وصف انتصارات سيف الدولة على الروم؛ ولو أن شعره كان ينقصه حقا سحر شعر أبى فراس، إلا أنه كان أكثر منه شمولا وأقرب إلى الملاحم.
وانتقل أبو الطيب من دمشق إلى الفسطاط بمصر، واتصل بكافور الإخشيدى، وحياة المتنبى فى هذا الوقت تكشف لنا عن الضرورات التى كان يخضع لها شعراء القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). ذلك أن أبا الطيب، وقد حُرم من الاستقلال المعنوى والمادى، لم يجد مناصًا من أن يمدح مولى لم يكن يحمل له فى قرارة نفسه إلا الاحتقار. ومدائحه فى هذا الرجل تظهرنا بجلاء على أسفه لفقدان رضا سيف الدولة، وهى قصائد متكلفة بعض الشئ، فيها ما يمس كافورا (البديعى:
[ ٢ / ٣٦١ ]
الكتاب المذكور، ج ١ ص ١٢٥ - ١٢٦)، وربما كان الشاعر قد رأى أن يعلى من قدر كافور، لا لشئ إلا أن هذا وعده بولاية صيداء (البديعى، ج ١، ١١٥) فلما لم تتحقق وعوده حاول أن ينال الحظوة عند قائد إخشيدى آخر هو أبو شجاع فاتك (البديعى، ج ١، ص ١٣١ - ١٣٢) ولكن أبا شجاع توفى عام ٣٥٠ هـ (٩٦٠ م) ولما تزل العلاقات متوترة بين المتنبى وكافور، ولذلك صمم أبو الطيب مرة أخرى على الفرار، وفى يوم عيد الأضحى من هذا العام ترك الفسطاط خفية بعد أن كتب هجاء فى كافور وعبر جزيرة العرب بعد أن قاسى المحن والأهوال (البديعى، ج ١، ص ١٣٩ - ١٤٠) فوصل إلى العراق وأمضى مدة من الزمن فى الكوفة، ثم استقر فى بغداد. وربما كان قد فكر فى أن يتصل بالمهلبى الوزير البويهى المعروف الذى جمع حوله حاشية ممتازة، ولكنه انصرف عن ذلك للعداء الذى أظهره له الشعراء والعلماء المقربون من هذا الوزير أمثال ابن الحجاج وأبى الفرج الأصفهانى صاحب "كتاب الأغانى". وألقى المتنبى هنا -كما بدأ يفعل وهو فى مصر من قبل (ابن الفرضى: تاريخ الأندلس، رقم ٤٥٣) - دروسا على زمرة من الصحاب، شرح لهم فيها اشعاره إلى ذلك الحين (الذهبى: تاريخ الإسلام، باريس رقم ١٥٨١، ورقة رقم ١٢٦٥) فقضى عام ٣٥٣ هـ (٩٦٤ م) على هذا النحو، وربما زار الشاعر الكوفة حوالى هذا العام (انظر Vita di -Mutnabi: F. Gabrieli ص ٦٠، تعليق ٤). ومهما يكن من شئ فإن المتنبى نزح عن العراق عام ٣٥٤ هـ (٩٦٥ م) وذهب عن طريق الأهواز إلى أرَّجان من أعمال خوزستان وهناك نال رضا الوزير البويهى ابن العميد وخصه ببعض مدائحه (الواحدى، ص ٧٤٠ - ٧٤١؛ اليازجى، ص ٥٦٤ - ٥٦٥) ثم. ترك ابن العميد وذهب إلى شيراز بفارس واتصل هناك بالسلطان البويهى عضد الدولة الذى رغب فى أن يكون المتنبى من رجال بلاطه. وبعد أن امتدحه الشاعر بعدة قصائد تعتبر من غرر أشعاره ترك شيراز لأسباب غير واضحة، وربما لم يكن لهذا الرحيل من سبب سوى حنينه إلى وطنه (الواحدى، ص ٧٦٦، الأبيات ١ - ٣؛ اليازجى، ص
[ ٢ / ٣٦٢ ]
٥٨٩). ورجع أبو الطيب من بلاد الفرس إلى بغداد على مراحل قصيرة، وفى الطريق هاجمه البدو والنهابون قرب دير العاقول فى آخر رمضان عام ٣٥٤ هـ (أغسطس ٩٥٥ م) فقتل كما قتل ابنه فى عراكه معهم، فتناثر متاعه جميعًا وفى مخطوطات ديوانه التى خطها بنفسه (البديعى، ج ١، ص ٢٢٧ - ٢٣٩).
وقد كان المتنبى محاطًا، حتى فى حياته، بالمعجبين المتحمسين الذين دافعوا عن أشعاره بجملتها من هجمات الحاسدين الذين لم يكونوا أقل حماسة منهم فى الحط من شأنه. ومعظم هؤلاء نقدوا شعره فحسب لأنهم لم يكونوا راضين عن أخلاقه، ولذلك لا يمتاز نقدهم بالإنصاف، وإنما يعبر فقط عن رأى فريق من الناس. فلما توفى المتنبى نشأت طبقة ثالثة تعجب بشعره كانت أنفذ بصيرة من الأولى وأكثر حذرا من الوقوع فى التحيز والمبالغة من الثانية. (الجرجانى: الوساطة، ص ١١ - ١٢، ٤٦ - ٤٥). وسادت آراء هذه الطبقة الجديدة، فلما ذهب جميع معاصرى المتنبى ظل جمهور المتأدبين يناصر مناصرة تامة شاعر سيف الدولة، يستثنى من ذلك العسكرى وابن خلدون. ومنذ القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) أصبح اسم المتنبى مرادفا للشاعر العظيم، وقد أثر على الشعر العربى تأثيرا كبيرا لا مثيل له. وأصبح ديوان المتنبى طوال العصور الوسطى والعصر الحاضر فى متناول الدارسين والأدباء من فارس إلى الأندلس بفضل كتّاب انساقوا فى الغالب إلى شرح ديوانه بدافع العاطفة لا بدافع العقل، نخص منهم بالذبمر ابن جنى وبعده أبا العلاء والواحدى والتبريزى والعكبرى وابن سيده. ولا يتسع المجال هنا للإبانة عن أثر المتنبى فى الشعر الذى جاء بعده، ويكفى أن نشير إلى أن كل شعراء المديح من العرب قد تأثروا المتنبى بطرق شتى. ولا يزال الناس يقبلون على قراءة شعره إلى يومنا هذا فى شمال إفريقية، كما أن المتأدبين فى مصر والشام ينزلونه منزلة عليا، وقد خصه كثير من النقاد بالأبحاث التى تطفح بالثناء عليه. ويظهر أن أبا الطيب يجتذب الناس فى
[ ٢ / ٣٦٣ ]
مصر -على الأقل- بفلسفته الجريئة وحماسته للعصبية العربية، كما يجتذبهم بخصائصه الأدبية البحتة.
المصادر:
كتبت للمتنبى فى الشرق عدة ترجمات، المبتكر القيم منها خمس هى:
(١) عبد الله الإصفهانى: إيضاح المشكل لشعر المتنبى، فى "خزانة الأدب" لعبد القادر البغدادى (القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ) ج ١، ص ٣٨٢ - ٣٨٩.
(٢) الثعالبى: يتيمة الدهر (دمشق عام ١٣٠٤ هـ) ج ١، ص ٧٨ - ١٦٢، وفى مواضع أخرى.
(٣) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد (باريس، فهرس المخطوطات، رقم ٢١٢٩، ورقة رقم ١٠٥ - ١٠٦) وقد أثبت ما ورد عن المتنبى فى هذا الكتاب كل من ابن الأنبارى فى كتابه "نزهة الألباء" (القاهرة سنة ١٢٩٤ هـ) ص ٣٦٦ - ٣٧٤، والسمعانى فى كتابه "الأنساب" (ليدن سنة ١٩١٣ هـ) الورقة رقم ٥٠٦ أ [وقد طبع كتاب تاريخ بغداد للبغدادى بمطبعة السعادة،
القاهرة سنة ١٣٤٩ هـ = ١٩٣١ م].
(٤) ابن خلكان: الوفيات، (القاهرة سنة ١٣١٠ هـ) ج ١، ص ٣٦ - ٣٨.
(٥) البديعى: الصبح المنبى عن حيثيات المتنبى (على هامش شرح العكبرى) على "ديوان" المتنبى، القا هرة سنة ١٣٠٨ هـ) ج ١، ص ٥ - ٢٤٥.
وقد درس أشعار المتنبى فى الشرق غير شراحه كثيرون منهم.
(٦) أبو الحسن الجرجانى: الوساطة بين المتنبى وخصومه (صيدا سنة
١٣٣٦ هـ).
(٧) الثعالبى، كتابه المذكور.
(٨) ضياء الدين بن الأثير: المثل السائر (بولاق سنة ١٢٨٢ هـ).
(٩) وقد أورد حاجى خليفة ثبتا بشراحه فى كتابه "كشف الظنون"، ج ٣، ص ٣٠٦ - ٣١٢، غير أن هذا الثبت ناقص. وأهم شراحه.
(١٠) الواحدى: - Mutanabbii car mina cum commentario Wahidii (طبعة ديتريتشى Dieterici برلين سنة ١٨٦١).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
(١١) العُكْبرى: التبيان فى شرح الديوان (القاهرة سنة ١٣٠٨).
(١٢) ناصيف اليازجى: العرف الطيب فى شرح ديوان أبى الطيب (بيروت سنة ١٣٠٥). - وقد درس المستشرقون كثيرًا من شعر المتنبى عمومًا وتفصيلا، وسنذكر هنا الدراسات العامة فقط.
(١٣) Commentatio de Mata Bohlen nabbi: (بون سنة ١٨٢٤).
(١٤) Motanabbi،: Hammer Purgstall der grosste arabiche Dichter فينا سنة ١٨٢٤).
(١٥)، G. A. L.: Brockelmann ج ١، ص ٨٧ - ٨٨.
(١٦) A Literary History: Nicholson of the Arabs(لندن سنة ١٩٢٣) ص ٣٠٤ - ٣١٣.
(١٧) La Vita di al-: f. Gabrieli Mutanabbi R. S. O) ج ١١) ص ٢٧ - ٤٢.
(١٨) الكاتب نفسه: Studi sulla poesia di al- Mutanabbi (Rendic della Acad) dei Lincei سنة ١٩٣٧.
(١٩) الكاتب نفسه: La poesia di al- Mutanabbi (Giornale della Soc asiat. italiana سنة ١٩٢٩ ج ٢، ١.
(٢٠) Le poete arabe al- R. Blachere Mutanabbi et loccident muslamann E. J، سنة ١٩٣٩) ص ١٢٧ وما بعدها.
(٢١) الكاتب نفسه: Mutanabbi
[بلاشير R. Blachere]