حبيب بن أوس: شاعر عربى من أصحاب المجاميع الشعرية، يذكر ابنه تمام أنه ولد عام ١٨٨ هـ (٨٠٤ م)، وفى قول عن أبى تمام نفسه أنه ولد عام ١٩٠ هـ = ٨٠٦ م (انظر كتاب أخبار أبى تمام، ص ٢٧٢ - ٢٧٣) فى بلدة "جاسم" بين دمشق وطبرية. ويروى ابنه أنه توفى سنة ٢٣١ هـ (٨٤٥ م)، وفى رواية آخرين أن وفاته كانت فى الثانى من المحرم سنة ٢٣٢ هـ (٢٩ أغسطس سنة ٨٤٦ م، انظر الكتاب المذكور). وشاعرنا أبوه نصرانى اسمه "ثاذوس" (ثديوس، ثيودوسيوس؟) كان خمارا بدمشق، وغير ابنه اسم ابيه فجعله "أوس" (كتاب أخبار أبى تمام، ص ٢٤٦)، ولفق لنفسه نسبة تصله بقبيلة طيئ، وسخر شعراء به من أجل هذه النسبة وقالوا فى هجائه أبياتا (أخبار أبى تمام، ص ٢٣٥ - ٢٣٨). علي أن هذه النسبة حازت فيما يظهر القبول من بعد، ومن ثم كان يقال لأبى تمام فى كثير من الأحيان: الطائى أو الطائى الكبير. وقضى شبابه مساعدا لنساج
[ ٢ / ٣١٠ ]
فى دمشق (ابن عساكر، جـ ٤، ص ١٩)، ثم شخص الى مصر وأخذ يقتات من سقى الناس بالمسجد الجامع، على أنه آنس أيضا فرصة لدراسة الشعر العربى وقواعده. ومن العسير أن نستعيد بدقة التواريخ التى مرت بها مراحل حياته، وهذا يصدق على كل حال حتى تثبت الوقائع التى ذكرت فى شعره وسير الرجال الذين مدحهم ثباتا لا بلبلة فيه، وقد جاء فى رواية أنه نظم مدائحه الأولى بدمشق فى محمد بن الجهم أخى الشاعر على بن الجهم (الموشح ص ٣٢٤). على أن هذه الرواية يتعذر الأخذ بصحتها، لأن محمدا هذا لم يقمه المعتصم واليا على دمشق الا سنة ٢٢٥ هـ فحسب (خليل مردم بك فى مقدمته لديوان على بن الجهم، ص ٤) ويقول الشاعر نفسه (كتاب أخبار أبى تمام، ص ١٢١) إن أول شعر قاله كان بمصر فى مدح صاحب الخراج عياش بن لهيعة (البديعى، ص ١٨١). ولكن عياشا خيب ظنه فرد له الصاع، كما جرت الحال فى كثير من الأحوال، بقصائد فى هجائه (البديعى، ص ١٧٤ وما بعدها).
ويروى الكندى فى كتابه عن ولاة مصر وقضائها (Governors and Judges of Egypt، طبعة غست Guest، ص ١٨١، ١٨٣، ١٨٦، ١٨٧) بعض أبيات لأبى تمام تشير الى حوادث وقعت فى مصر بين سنتى ٢١١ - ٢١٤ هـ.
وعاد أبو تمام من مصر إلى الشام، وإلى هذا الوقت ترجع فيما يظهر قصائد المدح والهجاء التى قالها فى أبى المغيث موسى بن إبراهيم الرافقى. ولما عاد المأمون من حملته على الروم (٢١٥ - ٢١٨ هـ) سعى إليه أبو تمام مرتديا زى البدو الذى كان يؤثره طوال حياته، وقدم إليه قصيدة، إلا أنها لم ترق للخليفة لأنه وجد أنه مما يخالف طبيعة الأشياء أن يقول بدوى شعرا فى حياة الحضر (أبو هلال العسكرى، ديوان المعانى، جـ ٢، ص ١٢٠). وربما كان هذا الوقت هو الذى اتصل فيه البحترى الشاب بشاعرنا فى حمص (أخبار أيى تمام. ص ٦٦، وانظر ص ١٠٥).
"وبلغ أبو تمام مرتبة الشهرة أول ما بلغ وأصبح معروفا بين الناس فى
[ ٢ / ٣١١ ]
خلافة المعتصم، ولما دمرت عمورية سنة ٢٢٣ هـ (٨٣٨ م) بعث به قاضى القضاة أحمد بن أبى دؤاد المعتزلى إلى سر من رأى ليمثل بين يدى الخليفة. وتذكر الخليفة صوت الشاعر الأجش، وكان قد سمعه بالمصيصة، فلم يسمح له بالمثول فى حضرته إلا بعد أن استوثق أنه قد صحب معه راويا حسن النشيد (أخبار أبى تمام، ص ١٤٣ - ١٤٤)، وهنالك أخذ أبو تمام يتبوأ مكانته كأشهر مداح فى عصره. ولم تقف قصائده عند مدح الخليفة بل تجاوزت ذلك الى مدح أكابر أعيان زمنه، ومن بين هؤلاء أحمد بن أبى دؤاد، وإن كان أغضبه إلى حين بقصيدة كال فيها المديح لعرب الجنوب الذين تنتسب اليهم قبيلة طيئ وانتقص من قدر عرب الشمال الذين كان قاضى القضاة يربط نسبه بهم. ولم يكن بد من أن يقول الشاعر قصيدة أخرى فى مولاه يعتذر بها عن هذه السقطة حتى يرده إلى سابق عطفه (أخبار أبى تمام، ص ١٤٧ وما بعدها) وثمة شخصيات أخرى مدحها أبو تمام نذكر منها على سبيل المثال: القائد أبا سعيد محمد بن يوسف المروزى الذى كان أبلى بلاء حسنا فى حرب الروم وفى الحملات التى شنت على بابك الخرمى، وابنه يوسف الذى قتله الأرمن سنة ٢٣٧ هـ وهو يلى أمر أرمينية، وأبادلف القاسم العجلى المتوفى سنة ٢٢٥، وإسحق بن ابراهيم المصعبى صاحب جسر (أى صاحب الشرطة) بغداد من سنة ٢٠٧ إلى سنة ٢٣٥ هـ وكان الحسن بن وهب كاتب الوزير محمد بن عبد الله الزيات من المعجبين بأبى تمام خاصة.
وارتحل أبو تمام عسدة مرات ليزور ولاة الأقاليم أمثال والى الجبل محمد بن الهيثم (أخبار أبى تمام، ص ١٨٨)، وخالد بن يزيد والى أرمينية فى خلافة الواثق المتوفى سنة ٢٣٠ هـ (أخبار أبى تمام ص ١٨٨ وما بعدها) وغيرهما. وكان شخوصه إلى عبد الله بن طاهر فى نيسابور أشهر رحلاته، على أنه لم ينل من عبد الله ما كان يرجوه من عطاء كما أن الجو البارد لم يلائمه فأسرع بالعودة أدراجه، ولكن الثلج احتجزه فى همذان فاستغل الوقت المتاح له وصنف أشهر دواوينه "الحماسة"
[ ٢ / ٣١٢ ]
مستعينا بمكتبة أبى الوفا بن سلمة، وقد عنى الحسن بن وهب بأبى تمام قبل وفاة الشاعر بنحو سنتين فولاه بريد الموصل. ويظن أن الفيلسوف الكندى تنبأ له بالموت المبكر من شدة الفكر (ومن الواضح أن ابن خلكان قد نقل عن الصولى، ومع ذلك فإن الفقرة المناسبة قد سقطت، وانظر أخبار أبى تمام، ص ٢٣١ - ٢٣٢)، وفى الموصل أدركت المنية أبا تمام. وقد بنى أبو نهشل بن حميد، أخو محمد الذى هلك سنة ٢١٤ هـ فى الحملة على بابك، قبة على قبر أبى تمام زارها ابن خلكان. وكان أبو تمام أسمر طوالا يرتدى زى الأعراب حلو الكلام فصيحا، منكر الصوت جدا، يعانى حبسة قليلة فى لسانه ولذلك فإن شعره كان ينشده راويه صالح (أخبار أبى تمام، ص ٢١٠).
وتتناول قصائد أبى تمام الحوادث التاريخية الهامة مثل فتح عمورية، والحملة على بابك وقتله سنة ٢٢٣ هـ (٨٣٧ - ٨٣٧ م) وقتل الإفشين سنة ٢٢٦ هـ (٨٤٠ م) الذي كان الشاعر نفسه مدحه من قبل، وغير ذلك. وتكمل القصائد فى نواح معينة رواية المؤرخين (انظر الطبرى - The reign of al Mu'tasim. ترجمة وتعليق مارتن. E Martin نيوهافن سنة ١٩٥١، الفهرس؛ Les allusions a la guerre byz-: M. Canard Tammam et antine chez les Pontes Abu Buhturi في Vassiliev. Byzance et: A.A les Arabes جـ ١ - La Dynastie d'Am corium بروكسل، سنة ١٩٣٥، ص ٣٩٧ - ٤٠٣).
وقد اختلفت الآراء فى القيمة الجمالية لشعر أبى تمام حتى فى حياته؛ قال الشاعر دِعْبِل، الذى كان يُخشى من سلاطة لساَنه، إن شعر أبى تمام ثلثه سرقة، وثلثه غث، وثلثه صالح (اخبار أبى تمام، ص ٢٤٤)؛ وقال تلميذه البحترى الذى كان يقدره أعظم التقدير، إن جيد شعر أبى تمام خير من جيده، وردئ البحترى خير
من رديئه (أخبار أبى تمام، ص ٦٧)؛ وكان الشاعر على بن الجهم المتوفى سنة ٢٤٩ هـ (أخبار أبى تمام، ص ٦١ - ٦٢) صديقًا لأبى تمام معجبًا به.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وإلى هذا الشاعر ترجع الرواية التى تنبئنا بحضور أبى تمام لأول مرة اجتماع الشعراء فى القبة المعروفة بهم من جامع بغداد (تاريخ بغداد، حـ ٨، ص ٢٤٩ نقلا عن المعافى بن زكريا؛ ديوان على بن الجهم، المقدمة، ص ٦ - ٧).
وبعد موت أبى تمام بزمن طويل كتبت المقالات فى مدحه والقدح فيه؛ ونوقشت فى هذه المقالات سرقاته الأدبية أيضًا؛ من ذلك أن أبا العباس أحمد بن عبيد الله القُطْرَبُلّى عابه (كتاب الموازنة، ص ٥٦)، ومدحه أبو بكر محمد الصولى الذي، يعد كتابه أخبار أبى تمام بلا شك أقدم المصادر عن حياته وأكثرها تفصيلا. ويجب أن نضيف إلى المدافعين عنه: المرزوقى المتوفى سنة ٤٢١ هـ الذى صنف "كتاب الانتصار من ظلمة أبى تمام" (انظر Oriens سنة ١٩٤٩، ص ٢٦٨)؛ والقاضى أبا الحسن على الجرجانى فى كتابه "الوساطة بين المتنبى وخصومه" (صيداء سنة ١٣٣١، ص ٥٨ وما بعدها)؛ والآمدى المتوفى سنة ٣٨١ هـ فى كتابه "الموازنة بين الطائيين أبى تمام والبحترى" (إستانبول سنة ١٢٨٧ هـ؛ الترجمة التركية بقلم محمد ولد، إستانبول سنة ١٣١١ هـ) يزن محاسنه ومعايبه؛ أما المرزبانى المتوفى سنة ٣٨٤ فإنه يجنح إلى إبراز معايبه فى كتابه "الموشح" (القاهرة سنة ١٣٤٣ هـ، ص ٣٠٣، ٣٢٩)؛ ويدفع الشريف المرتضى فى كتابه "الشهاب فى الشيب والشباب" (إستانبول سنة ١٣٠٣ هـ) المآخذ التى أخذها عليه الآمدى. ويستطيع القارئ الحديث أن يتتبع نقد القدماء.
وفى قصائد أبى تمام ترد الأخيلة البارعة التى قررت شهرته جنبًا إلى جنب مع كثير مما لا ترتاح له النفس؛ وله ولع بالألفاظ الغريبة بل وبالتراكيب المفتعلة، المضنية فى كثير من الأحيان التى عانى فى شرحها الراسخون فى العربية. وترهق قارئه تجسيدات غير موفقة لأفكار مجردة واستعارات متكلفة متصيدة غير مقنعة تتوالى عليه كثيرا فى عدة أبيات متصلة حتى يقع على صورة شعرية بارعة. أضف إلى
[ ٢ / ٣١٤ ]
ذلك نزوع من الشاعر مؤسف إلى الجناس والجمع بين المتناقضات فى تبرير محكم (عبد القاهر الجرجانى: أسرار البلاغة، طبعة Ritter، ص ١٥).
وقد جمع الصولى ديوان أبى تمام مرتبًا على أحرف الهجاء، وجمعه على ابن حمزة الإصفهانى حسب الموضوعات، وكذلك نقله إلينا السكرى (Oriens سنة ١٩٤٩، ص ٢٦٨) وغيره. ونشر فى طبعات غير جيدة فى القاهرة سنة ١٢٩٩ هـ؛ وفى بيروت سنة ١٨٨٩، ١٩٠٥، ١٩٢٣، ١٩٣٤. ونشر ماركوليوث فهرسًا له فى. J.R.A.S سنة ١٩٠٥، ٧٦٣ - ٧٨٢. ولم تطبع بعد الشروح العديدة التى لا غنى عنها بحال لفهم شعره، وهى الشروح التى كتبها الصولى، والمرزوقى، والتبريزى وابن المستوفى (أخبار أبى تمام، المقدمة، ص ٨؛ Ritter .H: Philolgika، جـ ١٣ في Oriens سنة ١٩٤٩، ص ٢٦٦ - ٢٦٩؛ حاجى خليفة تحت ديوان أبى تمام، وإسماعيل باشا: إيضاح المكنون فى ذيل على كشف الظنون، جـ ١، إستانبول، سنة ١٩٤٥، ص ٤٢٢). [ويطبع الآن فى القاهرة شرح التبريزى، جـ ١، سنة ١٩٥٢).
ولأبى تمام بالإضافة إلى ديوانه مجاميع شعرية أخرى، أشهرها مجموع من "المقطعات" لشعراء أقل من ذلك صيتًا، جمعه وقت أن كان محتجزًا فى همذان، وهو ديوان الحماسة، نشره مع شرح التبريزى فريتاغ (Hamasae Carmina cum Te-: G. Freytag brisii Scholiis بون سنة ١٨٢٨ الترجمة اللاتينية ١٨٤٧ - ١٨٥١ م) وقد أعيد طبعه بجميع أخطائه فى بولاق سنة ١٢٨٤، وفى القاهرة سنة ١٩٣٨؛ وانظر فيما يتعلق بشروحه العديدة بروكلمان (كتابه المعروف، جـ ١، ص ١٣٤ وما بعدها)؛ وريتر (Philologika: H. Ritter . جـ ٣ في Oriens، سنة ١٩٤٩، ص ٢٤٦ - ٢٦١)؛ وحاجى خليفة (كشف الظنون، مادة حماسة)؛ وإسماعيل باشا (إيضاح المكنون، جـ ١، ص ٤٢٢). ولا يزال مخطوطًا من مجاميع الشعر الأخرى التى جمعها أبو تمام: "الحماسة
[ ٢ / ٣١٥ ]
الصغرى" أو"الوحشيات" (انظر oreiens، سنة ١٩٤٩، ص ٢٦١ - ٢٦٢) وهي لا تنطبق على أية اختيارات ذكرها الآمدى؛ "اختيار الشعراء الفحول" وهو فى مشهد (انظر مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق، جـ ٢٤، ص YVI) . ونحن لا نعرف من المجاميع الأخرى إلا أسماءها: "الاختيارات من شعر الشعراء ومدح الخلفاء وأخذ جوائزهم" (الفهرست، ص ١٦٥؛ معاهد التنصيص، ص ١٨)؛ "الاختيارات من أشعار القبائل" (الفهرست) = "الاختيار القبائلي الأكبر" و"الاخيار القبائلى" (الموازنة، ص ٤٣)؛ "اختيار المقطعات" ويبدأ بالغزل (انظر المصدرالمذكور)؛ "الاختيار من أشعار المحدثين" (المصدر المذكور)؛ وكذلك يستقى منه "نقائض جرير والأخطل" طبعة صلحانى، بيروت سنة ١٩٢٢.
المصادر:
(١) أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: أخبار أبى تمام، طبعة خليل محمود عساكر، ومحمد عبده عزام، ونظير الإسلام الهندى، القاهرة سنة ١٩٣٧.
(٢) نظير الاسلام: Die Akhbar uber abu suli - Tammum uon as، رسالة علمية قدمت لجامعة برسلاو سنة ١٩٤٠.
(٣) الأغانى، جـ ١٥، ص ١٠٠ - ١٠٨.
(٤) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ٨، ص ٢٤٨ - ٢٦٣.
(٥) ابن عساكر: التاريخ الكبير (بدران)، جـ ٤، ص ١٨ - ٢٦.
(٦) ابن الأنبارى: نزهة الألباء، ص ٢١٣ - ٢١٦.
(٧) ابن نباته: سرح العيون، القاهرة، مطبعة على صبيح، ص ٢٠٥ - ٢١٠.
(٨) العباسى: معاهد التنصيص، القاهرة، ص ١٨ - ٢٠.
(٩) ابن خلكان، رقم ١٤٦.
(١٠) يوسف البديعى: هبة الأيام فيما يتعلق بأبى تمام، القاهرة سنة ١٩٣٤.
[ ٢ / ٣١٦ ]
(١١) عبد القاهر البغدادى: خزانة الأدب، سنة ١٣٤٧ هـ، جـ ١، ص ٣٢٢ - ٣٢٣.
(١٢) Brockelmann، جـ ١، ص ١٢، ٨٣ - ٨٥، قسم ١،ص ٣٩ - ٤٠، ١٣٤ - ١٣٧، ٩٤٠، قسم ٣، ص ١١٩٤.
(١٣) Abriss: ٠. Rescher. شتو تكارت سنة ١٩٣٣، جـ ٢، ص ١٠٣ - ١٨١.
خورشيد [ريتر Ritter. H]