ابن ثابت: متكلم وفقيه، وهو رأس المدرسة الحنفية، مات سنة. ١٥٠ هـ (٧٦٧ م) عن سبعين عاما. لذا فإن مولده كان حوالى سنة ٨٠ هـ (٦٩٩ م).
[ ٢ / ٣١٨ ]
ويقال أن جده زوطى كان عبدا جلب من كابل إلى الكوفة، وأطلق سراحه واحد من قبيلة عربية من تيم الله بن ثعلبة. وغدا هو وأحفاده على هذا من موالى تلك القبيلة. وكان أبو حنيفة يلقب أحيانا التيمى. ولا يعرف عن حياته إلا القليل جدا، فلا نعرف غير أنه عاش فى الكوفة خزازا يبيع الخز، ومن المؤكد أنه حضر مجالس الدرس لحماد ابن سليمان المتوفى سنة ١٢٠ هـ الذى كان يدرّس الفقه الدينى فى الكوفة، وربما حضر بمكة فى ذهابه للحج مجالس عطاء بن أبى رباح المتوفى سنة ١١٤ هـ أو ١١٥ هـ ويجب أن نتداول بحذر الأثبات الطويلة التى دونها من ترجموا له بآخرة عن الثقات الذين يقدر أنه سمع عنهم الأحاديث. وبعد موت حماد أصبح أبو حنيفة عمدة الثقات فى مسائل الفقه بالكوفة والممثل الرئيسى لمدرسة الكوفة الفقهية. وقد جمع حوله عددا كبيرا من خاصة المريدين الذين لقنهم مذهبه. ولم يل القضاء أبدا. ومات فى السجن ببغداد حيث دفن.
وفى سنة ٤٥٩ هـ (١٠٦٦ م) بنيت على قبره قبة. ولايزال الحى الذى حول الضريح يسمى الأعظمية، وكان الإمام الأعظم هو اللقب الشائع لأبى حنيفة.
وقد سيقت قصة سيرته على أن الخليفة العباسى المنصور أشخصه إلى عاصمته الجديدة التى بناها وأراد أن يوليه قضاءها وأنه سجنه لإبائه الصريح. وثمة رواية أخرى تقول إن الوالى الأموى يزيد بن عمر بن هبيرة الذى كان عاملا لمروان الثانى عرض عليه من قبل قضاء الكوفة وضربه بالسياط مرة ومرة ليقبل، ولكن دون جدوى. وهذه وشبيهاتها من قصص قصدبها القاء ضوء على نهاية أبى حنيفة فى السجن، وأن الإمام يجب ألا يكون قاضيا، وإن بدا هذا غريبا فى نظر الأجيال المتأخرة. والصحيح -فيما يرجح- أنه قد يكون ورط نفسه بتلميحات ليس فيها احتراس وقت فتنة العلويين: النفس الزكية وأخيه إبراهيم سنة ١٤٥ هـ، فأشخص إلى بغداد
[ ٢ / ٣١٩ ]
وسجن هناك (الخطيب البغدادى جـ ١٣، ص ٣٢٩).
وأبو حنيفة نفسه لم يضع تصنيفا ما فى الفقه، ولكنه ناقش تلاميذه آراءه وأملاها عليهم. وبعض مصنفات تلامدذه هؤلاء هى من ثم الأصول المعتمدة للمذهب الحنفى، وخاصة كتاب: "اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى"، و"الرد على سير الأوزاعى" لأبى يوسف، و"الحجج"، وشرح موطأ مالك للشيبانى، (والإسناد المعول عليه: الشيبانى، عن أبى يوسف، عن أبى حنيفة، الذى تردد فى كثير من أعمال الشيبانى دالا على أنه يمثل وحدة الصلة العامة بين التلميذ وشيخه، ليس يعنى شيئا فى هذا الخصوص) إذ أن القول بأن أبا حنيفة تلقى عن حماد يرجع أساسا إلى آثار أبى يوسف وآثار الشيبانى، وإن الموازنة بين خلف أبى حنيفة وبين سلفه تمكننا من أن نقدر ما حققه فى تطوير الفكر الإسلامى فقها وعقيدة.
والفكر الفقهى لأبى حنيفة أرقى كثيرا من هذا الذى كان لمعاصره ابن أبى ليلى (المتوفى سنة ١٤٨ هـ) الذى كان يلى قضاء الكوفة فى زمانه.
أما عنه وعن التفكير الفقهى المعاصر فى الكوفة بصفة عامة فإن أبا حنيفة كان له فيما يظهر شأن الواضع لأسس النظرية التى حققت تقدما كبيرا فى الفكر الفقهى الاصطلاحى. وبعده عن القضاء جعله أقل تقيدا من ابن أبى ليلى بمقتضيات التطبيق، كما كان فى الوقت نفسه أقل تثبتا لبعده عن الاسترشاد بما يفيده من يمارس القضاء، . ومذهب أبى حنيفة بصفة عامة مذهب متكامل متسق من حيث منهجه، وفيه الكثير جدا من الأفكار الفقهية الجديدة الصريحة حتى إن جزءا كبيرا منها قد وجدت فيه مآخذ أنكرها تلامذته، ولا يتميز فكره الفقهى بأنه كان أوسع أفقا فى أساسه من فكر معاصريه الأكبر منه سنا، وأكثر أخذا به من فكرهم فحسب، بل كان أيضا أرقى اصطلاحا فى إحكامه وتحوطه ولطف نظرته.
والطابع الغالب على الفكر الفقهى بصفة عامة عند أبى حنيفة هو الإنعام
[ ٢ / ٣٢٠ ]
فى التعقل. مما يجعل هذا التفكير يشوبه فى كثير من الأحيان شئ من الأناة والتأرجح مع قلة عناية بالتطبيق. وقد اعتمد أبو حنيفة على الرأى والقياس، ولم يجاوز فى ذلك الحد المألوف عند مدارس الفقه الأخرى فى زمانه، وقد جرى على نهج ممثلى المذاهب الأخرى، كارآء أهل المدينة، فكان مثلهم قليل الميل إلى العدول عن مذهب السلف بالنسبة لأحاديث الآحاد، وهى الأحاديث التى بدأت تشيع فى الفقه الإسلامى فى حياة أبى حنيفة فى النصف الأول من القرن الثانى للهجرة.
ولما أصبحت هذه الأحاديث من المسلمات لدى المعنيين بالتحديث بفضل ماجاء به الشافعى بعد ذلك بجيلين اتخذ أبو حنيفة لأسباب وقعت اتفاقا كبشا للفداء على اعتبار أنه يعارض الأحاديث النبوية، كما اتخذ كذلك كبشا للفداء لقوله بالرأى فى المذاهب الفقهية القديمة، ولكثير من الأقوال التى نسبت إليه وصادفت هوى من نفوس الناس الذين جاءوا من بعده.
وكان الخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٦٣ هـ (١٠٧١ م) هو لسان تلك النزعة المعادية لأبى حنيفة. وكان مما نُقد أيضا الحيل الفقهية التى نماها أبو حنيفة فى المسلك المألوف حين تدليله الفقهى الاصطلاحى. ولكن هذه الحيل أصبحت بعد من خصائص شهرته (انظر Schacht في Isl، سنة ١٩٢٦، ص ٢٢١ وما بعدها).
وقد كان لأبى حنيفة من حيث هو متكلم أيضا أثر كبير، فهو أصل مأثور عام من الفقه العقائدى. يعنى عناية خاصة بأفكار جماعة المسلمين والمبدأ الذى يوحدها وهو السنة، وبجمهور المؤمنين الذين يتبعون طريقا وسطا ويتجنبون التطرف، ويعتمد على الكتاب أكثر من اعتماده على البراهين العقلية، وهذا المأثور يمثله كتاب "العالم والمتعلم" الذى ينسب خطأ إلى أبى حنيفة، و"الفقه الأبسط" الذى نشأ بين تلامذة أبى حنيفة ثم فى أعمال المتكلمين الحنفيين بعد ذلك، بما فيها أقوال الطهاوى المتوفى سنة ٣٢١ هـ
[ ٢ / ٣٢١ ]
(٩٣٣ م)، وتعاليم أبى الليث السمرقندى المتوفى سنة ٣٨٣ هـ (٩٩٣ م)، التى كانت دائما كثيرة الشيوع فى الملايو وإندونيسيا وفى الأراضى التى تدين بمذهب الشافعية فى الفقه لا تتحول عنها.
وهذا المأثور العقائدى نما من أصل عام أساسه الحركة الكلامية للمرجئة التى كان أبو حنيفة نفسه ينتمى إليها. والوثيقة الوحيدة الموثوق بها التى نملكها لأبى حنيفة هى فى الحق رسالته إلى عثمان البتى التى ينافح فيها عن آرائه الإرجائية بأسلوب مهذب (طبعت هذه الرسالة هى "والعالم والمتعلم" و"الفقه الأبسط" فى القاهرة سنة ١٣٦٨ = ١٩٤٩ م) ومن أسماء الكتب الأخرى التى نسبت إلى أبى حنيفة "الفقه الأكبر" الذى بين فنسنك أن الكتاب المعروف بالفقه الأكبر (١) هو دون سواه الذى ينطبق عليه، وهذا الكتاب يوجد مطويا فى شرح نسب خطأ إلى الماتريدى (طبع تحت رقم (١) فى مجموعة شروح الفقه الأكبر، حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ) ويحتوى المتن نفسه على عشر مواد فى العقيدة تلم بموقف أهل السنة من الخوارج والقدرية والشيعة والجهمية ولم ترد فيها آراء ضد المرجئة ولاضد المعتزلة، وهذا يدل على أن المؤلف كان من المرجئة وأنه عاش قبل ظهور المعتزلة. وجميع نظريات الفقه الأكبر (١) قد وردت أيضا فى الفقه الأبسط إلا واحدة، والفقه الأبسط يحتوى على أقوال لأبى حنيفة فى مسائل الكلام ردا على أسئلة وجهها إليه تلميذه أبو مطيع البلخى المتوفى سنة ١٨٣ هـ (٧٩٩ م). ومن ثم فإن محتويات الفقه الأكبر (١) هى آراء موثوق فى نسبتها إلى أبى حنيفة، على أنه ليس ثمة ما يصح دليلا على أنه قد ألف حقا المتن المختصر، غير أن الكتاب المعروف بالفقه الأكبر (٣) و"وصية أبى حنيفة" ليسا لأبى حنيفة، ولم يستوثق بعد من صحة نسبة عدد من الرسائل الأخرى المنسوبة إلى أبى حنيفة، ومن ثم فهى على الأقل مشكوك فيها. والوصية الموجهة إلى تلميذه
[ ٢ / ٣٢٢ ]
يوسف بن خالد السمتى تمثل آداب رجال البلاط الإيرانى، ولا يمكن تصور أنها من عمل متخصص فى الفقه الإسلامى.
وقد أراد أعداء أبى حنيفة المتأخرون أن ينتقصوا من قدره فلم يكتفوا بأن رموه بالآراء المسرفة المستقاة من أقوال المرجئة، بل تجاوزوا ذلك فرموه بجميع أصناف المبادئ المارقة التى لا يمكن أن يكون قد اعتنقها. مثال ذلك أنهم نسبوا إليه القول بأن النار ليست خالدة، وهو قول من أقوال الجهمية التى عارضها أبو حنيفة صراحة فى الفقه الأكبر، كما نسبوا اليه أنه قال إن الخروج على الحكومة ليس فيه ما ينافى الشرع، وهو مذهب يخالف مخالفة مباشرة ميول أبى حنيفة كما يتبين ذلك من "العالم والمتعلم"، بل لقد رمى بأنه من المرجئة الذين يؤمنون بالسيف (وهو أمر مخالف لشيمته) وربما كان هذا الاستنتاج اعتمد فيه على رأيه أيام فتنة النفس الزكية.
وقد برز من أعقابه فى الفقه ابنه حماد وحفيده إسماعيل قاضى البصرة والرقة المتوفى سنة ٢١٢ هـ (٨٢٧ م) ونذكر من تلاميذه الأكثر أهمية زفر بن الهذيل المتوفى سنة ١٥٨ هـ (٧٧٥ م) وداود الطائى المتوفى سنة ١٦٥ هـ (٧٨١ - ٧٨٢ م) وأبا يوسف وأبا مطيع البلخى (انظر ما سبق)، والشيبانى وأسد بن عمرو المتوفى سنة ١٩٠ هـ (٨٠٦ م) وحسن بن زياد اللؤلئى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ (٨١٩ - ٨٢٠ م). وكان يقدره أعظم التقدير من بين المحدثين عبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ هـ (٧٩٧ م).
وبازدياد سلطان الأحاديث جمع أتباعه ابتداء من يوسف بن أبى يوسف أحاديث الرسول التى استشهد بها أبو حنيفة فى تدليله الفقهى، وحين أخذت الأخبار الموضوعة فى الشيوع، وهو مظهر خاص من المظاهر التى شابت الفقه الإسلامى، زاد أيضا عدد الأحاديث الموضوعة إلى أن قام أبو
[ ٢ / ٣٢٣ ]
المؤيد محمد بن هحمود الخوارزمى المتوفى سنة ٦٥٥ هـ (١٢٥٧ م) بجمع خمسى عشرة رواية مختلفة من الأحاديث التى رواها أبو حنيفة فى كتاب واحد، هو"جامع مسانيد أبى حنيفة" (طبعة حيدر آباد سنة ١٣٣٢ هـ)، وما تزال قادرين على أن نميز هذة الروايات المختلفة ونقارن بينها، ولكن ليس بينها واحدة تصح نسبتها إلى أبى حنيفة.
المصادر:
(١) الأشعرى: مقالات الإسلاميين، ص ١٣٨ وما يعدها.
(٢) الفهرس، ص ٢٠١.
(٣) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ٨، ص ٣٢٣ - ٤٥٤.
(٤) أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكى ومحمد بن محمد القدرى: مناقب الإمام الأعظم، حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ
(٥) ابن خلكان، رقم (ترجمة ده سلان، جـ ٣، ص ٥٥٥ وما بعدها).
(٦) الذهبى: تذكرة الحفاظ جـ ١، ص ١٥٨ وما بعدها.
(٧) أحمد أمين: ضحى الاسلام، جـ ٢، ص ١٧٦ وما بعدها.
(٨) محمد أبو زهرة: أبو حنيفة، الطبعة الثانية، القاهرة سنة ١٩٤٧.
(٩) zahiriten: I. Goldziher جـ ٣، ص ١٢ وما بعدها.
(١٠) Muslim Creed: A. J. Wensinck الفهرس.
(١١) H. S. Sibay في I.A.، جـ ٤، ص ٢٠ وما بعدها.
(١٢) Muhammedan: J. Schacht Origins of Jurisprudence الفهرس.
(١٣) Brockelmann، جـ ١، ص ١٧٦، قسم ١، ص ٢٨٤ وما بعدها (وفيه أخطاء كثيرة)
الأبيارى [شاخت J. Schacht]
[ ٢ / ٣٢٤ ]