كنية أطلقها القرآن الكريم (سورة المسد، آية ١) والمسلمون بصفة خاصة على عم من أعمام النبى وخصم من ألد خصومه، واسمه الحقيقى عبد العزى ابن عبد المطلب، وهو اسم استكرهه النبى [- ﷺ -] للوثنية الظاهرة فيه. وقد ظل هذا الرجل حتى وفاته من أشد خصوم النبى [- ﷺ -] فى مكة، ويمكننا أن نفسر هذه الخصومة التى تخالف أشد المخالفة الصلات العصبية التى تربط الأسرة عند العرب بأن زوجته أم جميل بنت حرب بن أمية كانت أخت أبى سفيان، أكبر زعيم من خصوم النبى [ﷺ] فى هذه المدينة حتى عام ٨ هـ. وعلى آية حال فقد أظهرت هذه المرأة كل صنوف العداء نحو النبى [ﷺ]، وأثارت عليه حقد زوجها، لأننا نجد فى سورة المسد -علاوة على العقاب الذى سيناله أبو لهب- إشارة إلى ما ستلاقيه فى النار من عذاب وهوان. وسورة المسد هى كما يأتى:
" ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ ". ويتضح
من سياق هذه السورة أن معنى الآية الرابعة هو أن هذه المرأة ستجمع فى جهنم الحطب الذى سيوقد تلك النار (البيضاوى، فى تفسير هذه الآية (١) وليس معناها أنها كانت تجمع فى حياتها الحطب، أو بعبارة أخرى الحسك، وتنثره فى طريق النبى [ﷺ] كما يقول
_________________
(١) الذي في البيضاوي معني هذه الآية هو أنها ستحمل الحطب جهنم فقط، أما أنها حملته في حياتها ونثرته في طريق النبي [- ﷺ -] فقد ذكره علي سبيل التعليل لا علي أنه وجه في تفسير الآية كما بدأ الكاتب المادة.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
بعض المفسرين (انظر على وجه المثال: الطبرى، جـ ٣، ص ١٩٣؛ البيضاوى الموضع نفسه) ولا أنها كانت كثيرًا ما تهين النبى [- ﷺ -] وتعيره بفقره.
ويذهب كثير من محدثى العرب، اعتمادًا على رواية ابن عباس، إلى أن سبب نزول هذه السورة العدائية التى تتنبأ بعذاب أبي لهب هو أن النبى [- ﷺ -] بعد أن نزلت الآية ٣١٤ من سورة الشعراء ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ نادى وهو على "الصفا" (فى روايات أخرى "منى") قومه بمكة قائلا: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتمونى؟ " قالوا: نعم، قال: "فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد" فاقترب منه أبو لهب وقال: "تبًا لك! ألهذا دعوتنا؟ " فنزلت سورة المسد "تبت يدا .. ". ولا تختلف رواية ابن إسحاق عن عباد اختلافا كبيرا عن هذه الرواية. ويروى ابن إسحاق رواية أخرى نقلها عنه ابن هشام، هى أن أبا لهب فاه بعبارة فيها احتقار للنبى [- ﷺ -] فى مناسبة أخرى، وكان ذلك بحضور هند بنت عتبة، جاء فيها من ألفاظ السباب "تبًا". على أنه لا شك فى أن يكون قد سبق ذلك جملة مواقف عدائية أساء فيها أبو لهب إلى النبى [- ﷺ -] مما جعل محمدًا [- ﷺ -] يسخط على عمه مثل هذا السخط الشديد الذى لا شفقة فيه، مع أن أبا لهب كثيرا ما وقف فى صف أخيه أبى طالب عندما عادى أبو طالب أهل مكة فى ظرف سابق، وبذلك يكون قد وقف فى صف النبى [- ﷺ -] بطريق غير مباشر (ابن هشام، ص ٣٤٤) وتعتبر هذه السورة مكية (وتب فعل ماض يدل على المستقبل، انظر شرح البيضاوى على سورة المسد) بل ويعتبرها نولدكه Noldeke من أقدم السور المكية. ولكن نص الآية الثانية ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ - شأن القرآن فيما يماثل هذه العبارة- يدل على حدث وقع من قبل (انظر سورة الأعراف آية ٤٦؛ الحجر، آية ٨٤؛ الشعراء، ٧، وفى آيات أخرى) ولو أنه عنى المستقبل لاستعمل "يغنى" كما هو المعتاد دائمًا، أضف إلى ذلك أن استعمال "ما أغنى"
[ ٢ / ٣٩٦ ]
للدلالة على المستقبل لا مثيل له فى القرآن، وإذن فهذه الآية تفصح عن نشوة الانتصار بهلاك أبى لهب الذى حدث قبل نزولها (انظر وفاته فيما بعد) وتدل على أنها نزلت بعد وقعة بدر بقليل من الزمن. ولم يشهد أبو لهب هذه الوقعة بنفسه إما لأنه كان مريضًا كما تقول بعض الروايات، وإما لأنه تشاءم من رؤيا سيئة رأتها عاتكة كما تقول روايات أخرى، وأرسل بدلا منه عاصى بن هشام الذى كان أبو لهب قد ربح جميع أمواله فى الميسر فاستبعده نظير دينه. وقد فاخر الشاعر الفضل بن
العباس اللهبى بن حفيد أبى لهب بهذا الحادث الأخير فى شعر له (انظر الأغانى، جـ ١٥، ص ٧). ولما بلغت أخبار هذه الوقعة السيئة مسامع أبى لهب، ثار غضبًا على مبلغها إياه وعلى زوجه، وتوفى بعد ذلك بقليل من الزمن (بسبعة أيام كما يروى ابن هشام) بالعدسة. ومما أروى غضب المسلمين أن أبناءه لم يجرءوا على القرب من جثمانه بعد هلاكه، وتركوه حتى أنتن، ولما أمروا بأن يدفنوه لم يحتفل الناس بجنازه الاحتفال اللائق (ابن اسحاق فى الأغانى جـ ٤، ص ٣٣: تفسير البيضاوى، المسد، آية ٢) وجاء فى رواية فردة أنه توفى بعد ذلك بمدة طويلة، أى حوالى عام ٨ هجرية، لأنه كان قد وعد آخر كهان الإلهة عزى -قبل وفاته- بأنه سيرعى حمى هذه الإلهة، وليست هذه الرواية جديرة بالاعتبار: أولًا لأن أبا لهب لم يذكر قط فى غير هذه الرواية بعد عام ٢ هـ (٦٢٤ - ٦٢٣ م) ثانيًا لأن ابن سعد يذكر فى حديث يرفعه إلى ابن عباس أنه عند فتح مكة عام ٨ هـ (٦٣٩ - ٦٣٠ م) قبل النبى [- ﷺ -] إسلام ابنى أبى لهب: عتبة ومعتب، اللذين حاربا فى صفه فى غزوة حنين. فليس هناك إذن موضع للقول بأن أباهما كان لا يزال حيًا فى ذلك الوقت أو قبله بقليل.
ويوصف أبو لهب بأنه رجل عظيم الجثة غليظها، سريع الغضب، جمع ثروة طائلة ليدفع بها عادية الأيام كما يقال (القرآن الكريم، سورة المسد، آية ٢). وكان ابنه عتبة قد تزوج قبل
[ ٢ / ٣٩٧ ]
الإسلام بابنة للنبى [- ﷺ -]. ولكنه طلقها واعتنق النصرانية لما بعث محمدًا [- ﷺ -]. وقد لعنه النبى [- ﷺ -]، ولذلك يقال إن سبعًا أو ضبعًا افترسه وهو فى طريقه إلى بلاد الشام. ولكن لا تتفق هذه الرواية مع ما قبل عن أمر إسلامه عام ٨ هـ (انظر ما تقدم) ولامع الرواية التى تقول إنه توفى بعد ذلك بمدة طويلة عام ٨ هـ (٦٩٩ - ٧٠٠ م) ومن المحتمل أن يكون هناك خلط بين عتبة وابن آخر لأبى لهب. وكان الشاعر الفضل بن العباس ابن عتبة اللهبى حفيدًا لعتبة المذكور (الأغانى، جـ ١٥، ص ٢ - ١١).
المصادر:
(١) ابن هشام، طبعة فستنفلد، جـ ١، ص ٦٩، ٢٣١ وما بعدها، ٢٤٤. ٤٣٠، ٤٦١.
(٢! الطبرى، جـ ١، ص ١٢٠٤١٧٠ وما بعدها، ١٣٢٩، جـ ٣، ص ٢٣٤٣.
(٣) الواقدى: كتاب المغازى (فلهوزن) ص ٤٢، ٣٥١.
(٤) البيضاوى: تفسيره لسورة المسد.
(٥) الطبرى: التفسير، جـ ٣٠، ص ١٩١ وما بعدها.
(٦) البغوى (تفسير) والبخارى والواحدى فى Das Leben und: Sprenger die Lehre das Mohammed جـ ١، ص ٥٢٦.
(٧) Gesch، des qorans: Noldeke ص ٧٢.
[بارث J. Barth]