من عشيرة سُلَيمْ بن فَهْم، من قبيلة أزْد إحدى قبائل العرب الجنوبية، وهو أحد صحابة الرسول المتحمسين لإذاعة أقواله وأفعاله، ويعرف عادة بكنيته "أبى هُرَيْرَة"، وقد وصلت إلينا جميع الروايات المتعلقة باسمه الحقيقى فى الجاهلية والإسلام وهى تختلف فيما بينها اختلافًا شديدًا. ففى أوثق الروايات يتردد اسمه بين عبد الرحمن بن صخر (انظر النَوَوى، طبعة فستنفلد، ص ٧٧٠) وعُمَيْر بن عامر (ابن دريد: كتاب الاشتقاق ص ٢٩٥): ويقال إنه كنى بأبى هريرة لحدبه على الهررة. وقد قدم إلى المدينة فى أيام غزوة خيبر عام ٧ هـ (٦٢٩ م) فاتصل بالنبى - ﷺ - ولزمه منذ ذاك، ويقال إنه كان يعيش أول أمره من عمل يده. وقد شجعته ملازمته للنبى - ﷺ - على أن يروى عنه بعد وفاته من الأحاديث أكثر مما رواه غيره من الصحابة. وتقدر الأحاديث التى تضاف إليه بخمسمائة وثلاثة آلاف حديث، لاريب أن عددًا كبيرًا منها قد نُحل له. ونجد بين الذين رووا عن أبى هريرة كثيرًا من أكابر الإسلام فى عهده الأول. وقد اختلق الناس قصة تبرر اعتقادهم بعصمة ذاكرته عن الوقوع فى الخطأ، تلك الذاكرة التى استطاع أن يستوعب بها عددًا عظيمًا من الأحاديث، فقالوا إن النبى - ﷺ - لفه بيده فى بردة بسطت بينهما أثناء حديثهما وبذلك ضمن أبو هريرة لنفسه ذاكرة تحفظ كل ما سمع؛ وتروى هذه القصة أيضا دليلًا على صداقته الوثيقة للنبى - ﷺ -. وقد استعمله عمر على البحرين اعترافًا منه بفضله فى إذاعة الأحاديث. ولما عزل من هذا المنصب وأراده الخليفة على العمل ثانية، أبى وآثر أن يعيش فى المدينة كما يعيش عامة الناس. ومن المستبعد أن مروان الذى كان يقدره من نواح عدة استعمل هذا الشيخ على المدينة. وتوفى أبو
[ ٢ / ٤٢٧ ]
هريرة عام ٥٧ أو ٥٨ هـ (٦٧٦ - ٦٧٨ م) بالغًا من العمر ٧٨ عامًا.
وتظهرنا طريقة روايته للأحاديث التى ضمنها أقل الأشياء شأنًا بأسلوب مؤثر على ما امتاز به من روح المزاح، الأمر الذى كان سببا فى ظهور كثيرا من القصص (ابن قتيبة، طبعة فستنفلد، ص ١٤٢). ويظهر أن علمه الواسع بالأحاديث التى كانت تحضره دائمًا (تشغل الأحاديث التى رواها أبو هريرة أكثر من ٢١٣ صحيفة فى "مسند" ابن حنبل: جـ ٢، ص ٢٢٨ - ٥٤١) قد أثار الشك فى نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة، والذين لم يترددوا فى التعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر (انظر أيضًا البخارى: فضائل الأصحاب، رقم ١١). وقد اضطر أحيانًا إلى أن يدفع عن نفسه تقوّل الناس. وقد وصفه شيرنكر بأنه "المتطرف فى الاختلاق ورعًا (١) ". ويجب أن نلاحظ أيضًا أن كثيرًا من الأحاديث التى تنسبها الروايات إليه إنما قد نحلت له فى عصر متأخر.
المصادر:
(١) مسلم: صحيح، جـ ٥، ص ٢٠٢ (ليس فى كتابى البخارى والترمذى شئ خاص عن فضائل أبى هريرة).
(٢) ابن الأثير: أسد الغابة جـ ٥، ص ٣١٥.
(٣) Das Leben und die: Sprenger Lehre des Mohammad، جـ ٣، ص ٨٣.
(٤) Abh zur arab، philol.: Golziher جـ ١، ص ٤٩.
(٥) الكاتب نفسه فى. Zeitschr. d Deutsch Morgenl. Gesells المجلد ٥٠، ص ٤٨٧.
(٦) Mohammad: D. S Margoliouth ص ٣٥٢.
[كولدتسيهر Goldziher]
+ أبو هريرة الدوْسى اليمانى: صحابى كان اسمه عبد شمس فلما أسلم سمى عبد الرحمن؛ وقد اجتمع فى اسمه عدة أقوال؛ وكُنى أبا هريرة لأنه كان يلعب بهرة صغيرة وهو يرعى غنم أهله. ولما قدم المدينة كان النبى (صلى
_________________
(١) يريد أنه كان يختلق الأحاديث بدافع الورع لا بدافع الكذب،
[ ٢ / ٤٢٨ ]
الله عليه وسلم) فى غزوة خيبر سنة ٦ هـ (٦٢٩ م).
وأسلم أبو هريرة ولزم النبى - ﷺ - على شبع بطنه، وكان من الفقراء الذين لقبوا بأهل الصُفَّة. وكان بارًا بأمه، وقد أقنعها بالإسلام. وأقامه عمر - ﵁- واليًا على البحرين ولكنه أقاله واستصفى مالًا كثيرًا كان فى حوزته، ثم دعاه عمر إلى استئناف عمله فأبى.
ويقال إن مروان أقامه نائبًا له عندما غاب عن المدينة، على أن ثمة رواية أخرى تزعم أن معاوية هو الذى أنابه.
وقد اشتهر أبو هريرة بالتقوى وحب المزاح. ويقال إنه توفى سنة ٥٧ أو ٥٨ أو ٥٩ هـ، فإذا صدق أنه صلى على عائشة عند وفاتها سنة ٥٨ هـ لوجب أن تكون وفاته سنة ٥٨ هـ (٦٧٨ م) أو سنة ٥٩ هـ وقد بلغ الثامنة والسبعين.
وأسلم أبو هريرة قبل وفاة النبى - ﷺ - بأقل من أربع سنوات، ومع ذلك فإنه أكثر من الحديث عن النبى - ﷺ - حتى لقد قدرت الأحاديث التى رواها بخمسمائة وثلاثة آلاف حديث. وقد شمل مسند أحمد بن حنبل ٢١٣ صحيفة من الأحاديث التى رواها (المسند، جـ ٢، ص ٢٢٨ - ٥٤١). وروى الحديث عن أبى هريرة ٨٠٠ محدث أو أكثر.
وثمة رواية -تروى باختلافات يسيرة- وتفسر كيف كان أبو هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ -: يقول أبو هريرة إن الآخرين كان يشغلهم القيام على أموالهم، أما هو فقد لزم النبى - ﷺ - وسمع منه أكثر مما سمعوا، وإن النبى - ﷺ - قال له أن يبسط رداءه فبسطه ثم قال له أن يضمه إلى صدره فضمه فما نسى حديثًا بعد.
وقد اضطر أبو هريرة إلى الدفاع عن نفسه حيال الشكوك التى ساورت الناس حول الأحاديث التى رواها. ومن المستحيل أن نتثبت: هل وقع هذا الأمر فعلا أم أنه اخترع للتغلب على الشكوك التى ساورت الناس من بعد فى الأحاديث التى رواها. والأحاديث المنسوبة إليه فيها مادة لا يمكن أن تكون صحيحة، ولكن يصعب علينا أن نقر ما نعته به شيرنكر بقوله: إنه
[ ٢ / ٤٢٩ ]
المنافق الورع من الطراز الأول، لأن الأحاديث التى رفعت إليه ليست كلها بالضرورة من روايته؛ فقد لا يكون أبوهريرة أكثر من سند موات نسبت إليه أحاديث وضعت فى زمن متأخر عنه. والمظنون أن أبا هريرة روى أخبارًا كثيرة عن النبى - ﷺ -، على أن الصحيح منها قد يكون عددًا صغيرًا من ذلك الحشد الهائل من الأحاديث التى رفعت إليه.
وقد ظهر كثير من الأحاديث التى رويت عنه فى صحيحى البخارى ومسلم.
المصادر:
(١) ابن قتيبة: المعارف، ص ١٤١.
(٢) الكاتب نفسه: عيون الأخبار، جـ ١، ص ٥٣.
(٣) الدولابى: الكنى والأسماء، حيدر آباد سنة ١٣٢٢ - ١٣٢٣ هـ، جـ ١، ص ١١.
(٤) ابن عبد البر: الاستيعاب، حيدر آباد سنة ١٣٣٦ هـ، ص ٦٩٧.
(٤) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٥، ص ٣١٥ - ٣١٧.
(٦) النووى: تهذيب الأسماء، طبعة فستنفلد، ص ٧٦٠.
(٧) الذهبى: تذكرة الحفاظ، جـ ١، ص ٣١ - ٣٥.
(٨) ابن حجر: الإصابة، القاهرة سنة ١٣٥٨ هـ = جـ ٤، ص ٢٠٠ - ٢٠٨.
(٩) تهذيب التهذيب، جـ ١٢، ص ٢٦٢ - ٢٦٧.
(١٠) V Handbook: Wen sinck .
(١١) Das Leben and: A Sprenger dis Lehre des Muhammed. جـ ٣، ص ٨٣ - ٩٥.
(١٢) Mohammed: D. S. Margoliouth ص ٣٥٢.
(١٣) der Deutsch. (Y e Zeitschr .Morgenl. Ceslls، سنة ١٨٩٥ م، ٤٨٧.
(١٤) أما "الصحيفة" المنسوبة إلى همام بن منبه والتى تشمل أحاديث منقولة عن شيخه أبى هريرة فقد نشرها م. حميد الله فى مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق، سنة ١٩٥٣ م، ص ٩٦ وما بعدها.
خورشيد [روبسون J. Robson]
[ ٢ / ٤٣٠ ]