(بايزيد) طَيفْور بن عيسى بن سروشان البسطْامى: من أشهر الصوفية المسلَمين، قضى حياته فى بسْطام من أعمال قومس فيما عدا فَترات قصيرة اضطر فيها إلى العيش بعيدًا عن بلده لعداوة المتكلمين من أهل السنَّة له؛ وتوفى فى بسطام سنة ٢٦١ هـ (٨٧٤ م) أو سنة ٢٦٤ هـ (٨٧٧ - ٨٧٨ م)، وقد ذاع أن ألْجايتو محمد خدُابَنْدَة الإخشيدى بنى ضريحا فوق قبره سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م).
ولم يكتب أبو يزيد شيئًا، على أنه قد انتهى إلينا نحو خمسمائة قول من أقواله، بعضها جريء كل الجرأة يستشف منه أن الصوفى بلغ بالمجاهدة حالة الفناء فى الله فأصبح "عين الجمع". وقد جمع هذه الأقوال ورواها أهل حضرته وزواره وخاصة مريده وتابعه أبو موسى (الأول) عيسى بن آدم أكبر أبناء أخيه آدم، وقد تلقى عنه الصوفى البغدادى الشهير الجنيد أقوالا من هذا القبيل باللغة الفارسية وترجمها إلى العربية (كتاب النور، ص ١٠٨، ١٠٩، ١٢٢).
وأهم من أخذ عن أبى موسى هو ابنه موسى بن عيسى الملقب "عَمّى" وعنه نقل مأثوره طيفورٌ الأصغر بن عيسى الذى لا نتبين بوضوح موضعه من شجرة نسب الأسرة، وغيره من الرواة،
ويجب أن نذكر بخاصة من بين زوار أبى يزيد الذين دونوا أقواله أبا موسى (الثانى) الدبَيلى، وهو من دبيل بأرمينية (انظر كتاب النور، ص ٥٥) وأبا إسحق إبراهيم الهروى المعروف بـ "إستنبه" وهو تلميذ إبراهيم بن أدهم (حلية الأولياء، ج ١٠، ص ٤٣ - ٤٤)، والصوفى المشهور أحمد بن خدرويه الذى زاره فى الحج. وكان أبو يزيد صديقًا لذى النون المصرى، وقد كتب الجنيد شرحًا لأقواله بقيت أجزاء منه فى كتاب "اللمع" للسراج.
وأكمل مصدر لحياة أبى يزيد وأقواله هو"كتاب النور فى كلمات أبى يزيد طيفور" لأبى الفضل محمد بن على بن أحمد بن الحسين بن سهل السهلجى البسطامى المولود سنة ٣٨٩ هـ (٩٩٨ - ٨٩٩ م) والمتوفى سنة
[ ٢ / ٤٣١ ]
٤٧٦ هـ (١٠٨٤؛ وقد نشر هذا الكتاب فى طبعة غير موفقه كل التوفيق عبد الرحمن بدوى: شطحات الصوفية، القاهرة سنة ١٩٤٩ م، جـ ١)، ومن أهم أسانيد السهلجى: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازى بن بابويه الكاتب المشهور لسيرة الحلاج الذى توفى سنة ٤٤٢ هـ (١٠٥٠ م) والذى لقيه السهلجى سنة ٤١٩ أو ٤١٦ هـ (كتاب النور، ص ١٣٨)؛ وشيخ المشايخ أبو عبد الله محمد بن على الداستانى (الهجويرى: كشف المحجوب، الفصل ١٢)، أما كتاب "القصد إلى الله" المنحول للجنيد فيشمل تنميقًا لقصة "معراج" أبي، يزيد (An: R. A .Nicholson of Early Arabic Uersion Of the Miadraj s Abu Yazid al- Bistam . في Islamica سنة ١٩٢٦ م، ص ٤٠٢ - ٤١٥)
وكان شيخ أبي يزيد فى التصوف صوفيًا جاهلا باللغة العربية اسمه أبو على السندى، لم يجد أبو يزيد بدًا من أن يلقنه من آيات القرآن ما يقيم به فرضه، وجازاه السندى على ذلك بإرشاده إلى التوحيد، ولا نستبعد كل الاستبعاد أن تكون بعض مؤثرات هندية قد أثرت فى أبى يزيد عن طريق شيخه هذا.
وقد كان أبو يزيد -على خلاف المتصوفين المتأخرين أبى إسحق الكازرونى وأبى سعيد بن أبى الخير- منطويًا على نفسه كل الانطواء، فلم يقم مثلهم بخدمة الفقراء، ولكنه كان مستعدًا لأن يخلص الناس من النار بأن يتحمل من أجلهم العذاب، بل لقد مضى إلى حد أن يجد من الأقوال ما ينقد عذاب جهنم الذى أعد لمن حلت بهم النقمة وهم ليسوا آخر الأمر إلا قبضة من تراب.
وكان شعوره بجلال الله يملأ شعاب نفسه مقترنًا بشعور من الخشوع والخشية لله حتى ليحس فى حضرته بأنه زنديق يكاد يهم بإلقاء زنار المجوس، وكان شوقه ينصرف إلى مجاهدة نفسه مجاهدة دائبة (أو على حد تعبيره "أنا حداد نفسى) حتى يحررها من جميع الحجب التى تحول بينه وبين الوصول إلى الله. وهو يصف هذه المجاهدة وصفا ممتعًا جدًا
[ ٢ / ٤٣٢ ]
يكشف فيه عن نفسه بأقوال فيها تشبيهات غاية فى العظمة؛ فالدنيا، والزهد، والعبادات، والكرامات، والذكر، بل المقامات، ليست فى نظره غير حجب تحجبه عن الله، وحين خرج آخر الأمر من إنسيته بالفناء كما تنسلخ الحية من جلدها، بلغ المقام المطلوب وعبر عن هذا التغير فى وعيه بنفسه بتلك الشطحات المشهورة التى أثارت ثائرة معاصريه وصدمت مشاعرهم:
"سبحانى ما أعظم شأنى"
"طاعتك يارب أعظم من طاعتى لك"
"أنا العرش والكرسى"
"أنا اللوح المحفوظ"
"كنت اطوف حول البيت أطلبه فلما وصلت إليه وجدت البيت يطوف حولى" وفى تفكره حلق بقفزات في العالم العلوى غير المحسوس، فأخذ عليه أنه ادعى أنه عرج به إلى السماء كما هى الحال فى معراج النبى - ﷺ -. وقد زينه الله أثناء هذه القفزات بوحدانيته، وألبسه إنّيته، ولكنه أمسك عن أن يظهر للناس وهو على هذه الحال؛ أو أنه طار بجناحى الديمومية فى فضاء اللاكيفية،
ونزل على أرض الأزلية وراى شجرة الأحدية فتحقق أن هذا كله كان وهما أو أن نفسه كانت كل ذلك. . إلخ. وقد واجه فى كل هذه الأقوال على ما يظهر المشكلة القصوى فى كل تصوف.
وثمة أسطورة متأخرة فى الزمن تجعله يحل فى يسر ألغازًا طرحت عليه فى دير للنصارى مما حدا بجميع سكان الدير إلى الدخول فى الإسلام:
المصادر:
(١) السراج: اللمع، طبعة نيكلسون، ص ٣٨٠ - ٣٩٣، والفهارس.
(٢) السُّلَمى: طبقت الصوفية، القاهرة سنة ١٩٥٣ ام، ص ٦٧ - ٧٤.
(٣) أنصارى هروى: طبقات الصوفية، مخطوط نافذ باشا، رقم ٤٢٥، في ١٣٨ - ٤١ ب.
(٤) جامي: نفحات الأنس، طبعة Nassau Lees، ص ٦٢ وما بعدها.
(٥) أبو نعيم: حلية الأولياء، جـ ١٠، ص ٣٣ - ٤٢.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
(٦) القشيرى: الرسالة، القاهرة سنة ١٣١٨ م، ص ١٦ - ١٧.
(٧) الهجويرى: كشف المحجوب، الفصل ١١، رقم ١٢
(٨) عبد الرحمن بدوى: شطحات الصوفية ١،، أبو زيد البسامى، القاهرة سنة ١٩٤٩ م، ويشمل كتاب النور للسهلجى وما يقابله من نصوص فى مرآة الزمان لبسط بن الجوزى، ونفحات الأنس لجامى، وطبقات السلمى، والأسطورة الخاصة بالرهبان. (وقد تناول هذه الأسطورة A. A. J. Arbery Bistami Legend Society في Royal Asiatic سنة ١٩٣٨ م، ص ٨٩ - ١٩١؛ وهذه الأسطورة توجد أيضًا فى مخطوط أيوب مهرشاه سلطان، ص ٢٠٢، ٤٤٣؛ وفاتح رقم ٥٣٣٤؛ وفاتح بالعربية رقم ٥٣٨١).
(٩) روزبهان بقلى: شرح الشطحيات، مخطوط شهيد عالى بشا، رقم ١٣٤٢، ص ١٤ ب - ٢٦ ب.
(١٠) ابن الجوزى: تلبيس إبليس، ص ٣٦٤ وما بعدها.
(١١) العطار: تذكرة الأولياء، طبعة نيكلسون ص ١٣٤ وما بعدها.
(١٢) ابن خلكان، طبعة بولاق سنة ١٢٧٥ هـ، جـ ١، ص ٣٣٩.
(١٣) نور الله الششترى: مجالس المؤمنين، مجلس ٦.
(١٤) الخوانسارى: روضات الجنات، ص ٣٣٨ - ٣٤١.
(١٥) A. Nicholson Journal of: R. the Royal Asiatic Society فى سنة ١٩٠٦ م، ص ٣٢٥ وما بعدها.
(١٦) Essai Mystique mu: Massignon sulmane ياريس سنة ١٩٢٢ م، ص ٢٤٣ - ٢٥٦.
(١٧) وتوجد صورة لقبره فى صنيع الدولة محمد حسن خان: مطلع الشمس، طهران سنة ١٣٠١ هـ، جـ ١، ص ٦٩ - ٧٠.
(١٨) Die Kunst der is-: E. Diez lamischen Volker برلين سنة ١٩١٧ م، ص ٦٩.
[ ٢ / ٤٣٤ ]