أكبر أبناء محمد على؛ كان قائدًا عظيما وواليًا على مصر. وهو يوصف في كثير من الأحيان بأنه ابن محمد علي بالتبني. وقد كانت "أمينة، قريبة متبنية والي (جوربجي) قولة من أعمال مقدونية، امرأة مطلقة بلا شك عندما تزوجها محمد على سنة ١٧٨٧ م، ولا يمكن إنكار أن محمدًا عليًا كان يؤثر في الثامن والعشرين من سبتمبر سنة ١٨١٦ م، ولامراء أيضًا في أنه كانت بين إبراهيم وطوسون منافسة (انظر Mengin جـ ٢، ص ٨١ وما بعدها). علي أن سنة مولده لا شك فيها، وغالب المصادر علي أنها سنة ٧٨٩ ام. وتذكر أحيانًا سنة ١٧٨٦ م أيضا. ولا نجد في المصادر القدبمة مثل الجبرتي وما نكن أية إشارة إلي أنه لم يكن الابن الحقيقي لمحمد علي. ويصفه الجبرتي سنة ١٣٣٨ هـ (١٨١٣ م) فيقول إنه شاب لما يبلغ العشرين (انظر في هذا الشأن: Gouin، ص ١٥١ وما بعدها؛ كلوت بك جـ ١، ص ٨٣؛ Murray، ص ٦ وما بعدها).
وقد لعب إبراهيم باشا دورًا هامًا فى تاريخ مصر أيام محمد على، وكان يلقب بيد محمد على الحربية. وفى الحق إن النجاح السياسى الذى أحرزه محمد على لم يكن ليتحقق دون الأعمال الحربية التى قام بها إبراهيم.
[ ١ / ٨٧ ]
ولما توطد مركز محمد على فى مصر نوعًا ما أرسل فى طلب ولديه إبراهيم وطوسون عام ١٨٠٥ م، كما أرسل فى طلب زوجه وأولاده الصغار، وهم إسماعيل وشقيقتاه، عام ١٨٠٩ م. ولقد أرسل محمد على ولده إبراهيم مع قيودان باشا إلى الاآستانة عام ١٨٠٦ م رهينة للجزية التى وعد بها، وبعد أن غادر الأسطول الإنجليزى الإسكندرية عام ١٨٠٧ م رده الباب العالى إلى أبيه، وأصبح إبراهيم دفتر دارا عام ١٨١٠ م. وبعد مذبجة المماليك الكبرى (١٨١١) أرسله أبوه إلى الصعيد لجمع الضرائب، فطرد فلول المماليك من القطر كما أخضع البدو وأعاد النظام والأمن إلى البلاد. على أنه بلا شك قد استعمل فى كثير من الأحيان وسائل العنف فى جمع الضرائب، وقد أعطانا الجبرتى فى ختام وصفه لحوادث عام ١٢٢٨ هـ (١٨١٣ م) صورة مروعة لتلك الوسائل. وظل إبراهيم يدير شئون الوجه القبلى حتى بداية عام ١٨١٦، وفى هذه الأثناء أنعم عليه الباب العالى بلقب باشا اعترافًا بخدمات والده (Mengin، جـ ٢، ص ٤٨). وفى عام ١٨١٦ م أرسله أبوه إلى بلاد العرب لتصفية الحساب مع الوهابيين، وكان أخوه طوسون موفقًا فى قتالهم من ١٨١١ - ١٨١٣ م، ثم محمد على من ١٨١٣ - ١٨١٥ م. ونالوا بغيتهم بعد قتال عنيف دام ثلاث سنوات، فخربت الدرْعيَّة قصبة الوهابين، وحمل عبد الله بن السعود وأقاربه أسرى إلى مصر. وعاد إبراهيم إلى القاهرة فى ديسمبر ١٨١٩ م عودة الظافر المنتصر؛ وبعد ذلك بقليل ولاه السلطان على جدة. وفى أثناء ذلك كان محمد على قد ناط بابنه الثالث إسماعيل فتح بلاد السودان، وكان غرضه من هذه الحملة الكشف عن مناطق الذهب المعروفة قديمًا وجلب الرقيق الذى أصبح من بعد عدة الجيش الجديد. ولقد أنفذ إبراهيم إلى السودان مع إمدادات حربية ليعاون أخاه. والظاهر أنه ذهب إلى هناك وفى جعبته مشاريع تنطوى على مغامرة كبيرة (انظر Vaulabelle ج ٢، ص ٢٣١) ولكن انتابته دوسنطاريا شديدة فاضطرته إلى التعجيل بالأوبة إلى القاهرة فى أوائل عام ١٨٢٢ م. وفى الأعوام التالية
[ ١ / ٨٨ ]
اشترك إبراهيم فى تدريب الجند الجدد (نظام جديد) الذى وكل أمره إلى الكولونيل سييف الفرنسى. وكان إبراهيم تلميذًا نجيبًا لذلك المدرب الأوروبى الذى عرف فيما بعد باسم سليمان باشا، وأصبح ساعده الأيمن فى غزواته اللاحقة.
وعند ما كلف محمد على بغزو المورة بمقتضى فرمان سلطانى صدر بتاريخ ١٦ يناير عام ١٨٢٤، أنفذ ابنه إبراهيم باشا إلى هناك فى آخر شهر يولية من العام نفسه على رأس جيش قوى مدرب على الأساليب الأوروبية ومزود بمعدات حربية وافرة. واستولى على نافارين ودخل تريبولتزه فصارت شبه الجزيرة فعلا تحت سلطانه. وأمضى شهور فبراير ومارس وأبريل من عام ١٨٢٦ فى حصار ميسيلونغى والاستيلاء عليها. ورفض الباب العالى ومحمد على وساطة الدول العظمى فحدثت واقعة نافارين البحرية فى أكتوبر عام ١٨٢٧، وفيها دمرت أساطيل الحلفاء (إنكلترة وفرنسا والروسيا) الجزء الأكبر من الأسطول المصرى التركى. وأرغم أمير البحر الإنكليزى كودرنكتون، بظهوره فى مياه الإسكندرية محمدًا عليا على استدعاء ولده وجيوشه المصرية فوصل إلى الإسكندرية فى اليوم العاشر من أكتوبر عام ١٨٢٨. وفى عام ١٨٣١ م ندب محمد على ولده إبراهيم باشا لقيادة الحملة الموجهة إلى الشام فوصل بجنده إلى فلسطين فى أول نوفمبر، واستولى على عكا فى السابع والعشرين من مايو عام ١٨٣٣ بعد حصار دام ستة أشهر وذلك بعد انتصاره على والى طرابلس وحلب فى سهل الزراعة جنوبى حمص. وقد تمكن إبراهيم باشا من التوغل فى الشام وآسية الصغرى بفضل انتصاراته عند حمص على طلائع الجيش التركى التى كان يقودها محمد باشا والى حلب فى (٩ - ٨ يولية)، وفى ممر بيلان عند إسكندرونة على الجيش التركى الرئيسى الذى كان يقوده حسين باشا فى ٢٩ يولية، وفى قونيه على الجيش التركى الذى كان يقوده رشيد باشا فى ٢١ ديسمبر، وتشهد هذه الانتصارات
[ ١ / ٨٩ ]
بتفوق الجيش المصرى، ومواهب إبراهيم فى القيادة، وحنكته السياسية التى نجحت فى توحيد صفوف الشآميين تحت راية واحدة بحجة تحريرهم من النير التركى، واكتساب الأمير بشير اللبنانى صاحب النفوذ الواسع. وتقدم إبراهيم حتى بلغ كوتاهية وهناك فى ٣ مايو عام ١٨٣٣ عقدت معاهدة بين الباب العالى ومحمد على نزل له فيها عن الشام وأذنة، ولم يكن إبرام هذه المعاهدة بمنجاة من ضغط الدول الأوروبية، ومنح السلطان إبراهيم باشا لقب محصل أذنة. وقد وكل إليه أبوه إدارة الولايات الجديدة، ولم يكن ذلك بالأمر الهين لاختلاف طبائع السكان. ومع أن هؤلاء كانوا مجمعين على النفور من الحكم التركى، فإن النظام الصارم الذى أدخله إبراهيم لم يرقهم أيضًا، وكانت النتيجة أن شبت الفتن فى كل مكان، ولكن إبراهيم نجح بعض النجاح فى قمع تلك الفتن مستعينًا فى ذلك بمصادرة السلاح فى جميع أنحاء البلاد، ونتج عن تجنيد السكان أن هاجر العدد الكبير منهم إلى آسية الصغرى وبلاد ما بين النهرين، كما أدى الاستيلاء على الدواب للأغراض الحربية إلى اضمحلال الزراعة والتجارة. ومع أن النظام كان يسود البلاد فإن التذمر كان عظيمًا جدًا.
ولما استأنفت تركية الحرب عام ١٨٣٩ نال إبراهيم نصرًا حاسمًا على الجيش التركى الذى كان يقوده حافظ باشا عند نصيبين غربى (بيره جك) وانحاز فوزى باشا بالأسطول التركى إلى محمد على ولكن الموقف تغير لتدخل الدول الأوربية التى أدت مفاوضاتها إلى إبرام معاهدة لندن فى الخامس عشر من يولية عام ١٨٤٠ (ويسمى هذا بالحلف الرباعى) وكان محمد على يأمل فى الحصول على مساعدة الفرنسيين له فرفض إخلاء الشام حتى عكا، كما رفض الاكتفاء بولاية مصر وجعلها وراثية يتولاها أبناؤه من بعده. ولكن فرنسا لم تمد له يدًا، وضربت أساطيل الحلفاء نطاقا حول شواطن الشام ومصر. وكان إبراهيم فى موقف حرج بين جيوش الحلفاء النازلة إلى البر وبين أهالى لبنان المعادين الذين أثيروا عليه. وبعد أن استولى ناببر Napier أمير البحر الإنجليزى على عكا وبعد مفاوضاته مع
[ ١ / ٩٠ ]
محمد على فى الإسكندرية، أرغم محمد على على قبول النزول عن الشام فى ٢٢ نوفمبر عام ١٨٤٠. وغادر إبراهيم باشا دمشق مع جيوشه فى ٢٩ ديسمبر ورجع إلى مصر عن طريق غزة مرسلا شطرًا من الجيش إلى مصر عن طريق العقبة تحت قيادة سليمان باشا.
وانصرف إبراهيم باشا فى السنوات التالية إلى شئون مصر الإدارية، فكانت عنايته وخبرته بالزراعة جديرتين بالثناء. وقد تردد على أوروبا عدة مرات، واستشفى بمياه بعض بلدانها، واستقبل هناك بحفاوة وترحاب. وفى أوائل عام ١٨٤٨ م كان إبراهيم باشا فى مالطة عندما ألجأته ظروف والده إلى العودة إلى مصر. وفى يونية من العام نفسه أصبح الحاكم الحقيقى للبلاد، وفى سبتمبر منحه السلطان رسميًا فى الآستانة ولاية مصر وتوفى إبراهيم فى التاسع عشر من نوفمبر عام ١٨٤٨ بالغًا من العمر ستين عاما ودفن فى مدافن الأسرة بالقرب من الإمام الشافعى. وعاش من أبنائه بعد وفاته أحمد (المولود عام ١٨٢٥) وإسماعيل الذي أصبح فيما بعد خديو مصر (ولد عام ١٨٢٧ م) ومصطفى (ولد عام ١٨٣٢ م).
وتوجد لإبراهيم باشا صورة فى
كتاب Hist، de la: Cadalvene et Barrault guerre de Mehemed- Ali contre la Porte Ottomane، كما توجد أوصاف لشخصيته فى كتاب كلوت بك، جـ ١، ص ٣٣ وما بعدها؛ وكتاب Paton: A History of the Egyptian Revolution ج ٢، ص ٥٥.
المصادر:
(١) الجبرتى: عجائب الآثار فى تراجم الأخبار، طببة بولاق ١٢٩٠ هـ، وطبعات أخرى، وترجمته بالفرنسية جـ ٨، جـ ٩، طبعة القاهرة ١٨٩٦ (وأخباره تمتد إلى سنة ١٨٢٠ م).
(٢) على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ ١ ص ٦٥ - ٧٧.
(٣) ميخائيل شاروبيم بك: الكافى فى تاريخ مصر القديم والحديث، طبعة بولاق ١٣١٨ هـ، جـ ٤.
(٤) Histoire de l'Egypte: Felix Mengin sous le Gouvernement de Mohammed Aly ou recit des evnements politiques et mili- taires qui ont eu lien depuis le depart des Francais jusqu' en ١٨٢٣ وهو فى مجلدين (باريس عام ١٨٢٣).
(٥) الكاتب نفسه: Histoire sommaire de l'Egypte sous le Gouvernement de Mo-
[ ١ / ٩١ ]
hammed Aly، (عن الحوادث التى بين سنتى ١٨٢٣ - ١٨٣٨) باريس ١٨٣٩.
(٦) Histoire Moderne: A. de Vaulablle de l'Egypte (من ١٨٠١ - ١٨٣٤) = Histoire scentifique et militaire de l'Expedition Francaise en Egypte جـ ٩، جـ ١٠ باريس ١٨٣٠ - ١٨٣٦.
(٧) Histoire: de Cadalvene et E. Barrault de la Guerre de Mehemed-Ali contre la Porte Ottomane(١٨٣١ - ١٨٣٣) باريس ١٨٣٧.
(٨) ولنفس الكاتبين: Deux Annees de l'histoire d'Orient (١٨٣٩ - ١٨٤٠) باريس ١٨٤٠.
(٩) La Syrie sous le Gou-: F. Perrier vernement de Mehemed- Ali jusqu'en ١٨٤٠ باريس ١٨٤٢.
(١٠) Apercu general sur: Clot Bey l'Egypte فى جزئين، باريس ١٨٤٠.
(١١) l'Egypte au XIX: Edouard Gouin siecle. histoire Milit. et Polit.، anecdo- tique et pittoresque de Mehemed- Ali، Ib- rahim Pacha، Soliman Pacha باريس ١٨٤٧.
(١٢) Egypte Moderne: Marcel، باريس ١٨٤٨، ص ١ - ٤٢.
(١٣) Histoire de Mehem-: Paul Mouriez et Ali، vice d'Egypte، فى أربعة أجزاء، باريس ١٨٥٥ - ١٨٥٨.
(١٤) A short memoir: Ch. Aug. Murray of Mohammed Ali، لندن ١٨٩٨.
(١٥) A History of the: A. A. Paton Egyptian Revolution from the Period of the Mamelukes to the Death of Mu- hammed Ali، فى جزئين: لندن ١٨٦٣، جـ ٢، ص ١٠ - ٣٠٨.
(١٦) Geschichte Der Turkei: G. Rosen von dem sieg der Reformim Jahre ١٨٢٦ bis zum Pariser traktat vom Jagre ١٨٦٥ فى مجلدين، ليبسك ١٨٦٦ - ١٨٦٧.
(١٧) انظر مقال P.Ravaisse فى La Grande Encyclopedie عن إبراهيم باشا، جـ ٢٠، ص ٥٢٠.
(١٨) Mehemet Ali: W. Alison Phillips (= فصل ١٧، مجلد ١٠، من كتاب The Camberidge Modern History) كمبردج ١٩٠٧ وذكر فيه مصادر أخرى عن إبراهيم باشا.
(١٩) Die orientalische: A. Hasenclever Frage in den Jahren ١٨٣٨ - ١٨٤١. Ur- sprung des Meerengenvertrages vom ١٣.
[ ١ / ٩٢ ]