يطلق هذا الاسم على إخوة من جزيرة ابن عمر يعدون من أشهر علماء العرب ومؤلفيهم.
(١) أكبرهم مجد الدين أبو السعود السعادات المبارك ابن محمد، ولد عام ٤٤٥ هـ (١١٤٩ م) وتوفى بالموصل عام ٦٠٦ هـ). (١٣١٠ م) (انظر ابن الأثير: الكامل، جـ ٢١، ص ١٩٠)؛ وانصرف بخاصة إلى القرآن الكريم والحديث والنحو. وقد ذكر ابن خلكان مؤلفاته فى الوفيات (طبعة فستنفلد رقم ٥٢٤؛ وطبعة بولاق، ١٢٩٩ هـ، ص ٥٥٧ - ٥٥٨)، وياقوت فى إرشاد
[ ١ / ١١٨ ]
الأريب، (طبعة مركوليوث، جـ ٦، ص ٢٣٨ وما بعدها). وبروكلمان (Gesch: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٥٧) أما فيما يتصل بتاريخ حياته، فقد درس النحو على يد ابن الدهان فى الموصل، والحديث فى بغداد، ثم اتصل بخدمة الأمير "قيماز" الذى كان يحكم البلاد مدة طويلة من قبل سيف الدين غازى، وتولى ديوان رسائل خليفتى غازى "مسعود ابن مودود و"نور الدين أرسلان شاه". على أن أخاه يحدثنا بأنه تردد فى قبول هذا المنصب الرفيع ولم يقبله إلا نزولا على إرادة نور الدين؛ ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه، ويقول ابن خلكان: إنه ألف معظم كتبه، إن لم يكن كلها، وهو على هذه الحال. وجعل من منزله رباطا للمتصوفة.
(٢) وولد الأخ الثانى "عز الدين أبو الحسن على بن محمد" عام ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م) فى الجزيرة، وتوفى فى الموصل عام ٦٣٠ هـ (١٢٣٤ م) وهو صاحب الكتاب المشهور "الكامل فى التاريخ" الذى يستشهد به كثيرا فى هذه الدائرة، وصنف كذلك تاريخا لأتابكة الموصل (نشر فى Recueil des Historiens arabes de Croisades جـ ٢)، كما صنف معجما مرتبا على حروف الهجاء عن الصحابة، عنوانه "أسد الغابة فى معرفة الصحابة، (طبعة القاهرة، ١٢٥٨ هـ) ولخص كتاب الأنساب للسمعانى بعنوان "اللباب"، وجاء السيوطى بدوره فوضع مختصرا لهذا الكتاب عنوانه: "لب اللباب" (طبعة veth. Lugd. Bat.، عام ١٨٤٠ م). وأهم مؤلفاته جميعا كتابه فى التاريخ الذى انتهى بحوادث عام ٦٢٨ هـ؛ وهو مصنف له قيمة عظيمة (فيما يختص بالجزء الأول منه. انظر Brockelmann: Das Verhaltnis von Ibn-el-Atirs Kamil fit -errusul wal tarikhzu Tabaris Ahbar muluk).
وتلقى عز الدين العلم فى الموصل وفى بغداد، كما رحل إلى بلاد الشام، ووقف بقية حياته على العلم الذى انقطع له. (انظر ابن خلكان: وفيات، طبعة فستنفلد Wustenfeld، رقم ٤٣٣؛
[ ١ / ١١٩ ]
Geschichte: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٤٥ وقد ذكر كتبا أخرى).
(٣) وولد الأخ الثالث "ضياء الدين أبو الفتح نصر الله" عام ٥٥٨ هـ (١١٦٣ م) فى الجزيرة، وتوفى عام ٦٣٧ هـ (١٢٣٩ م) ببغداد. وترجع شهرته على الأخص إلى أنه كان من أصحاب الأساليب. أما كتابه فى البلاغة "المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر" (طبعة بولاق ١٢٨٢ هـ) فيعد من أهم المراجع فى العالم الإسلامى؛ وقد ذكر مؤلفاته الأخرى ابن خلكان وبروكلمان (Bockelmann، Gesch.، جـ ١، ص ٢٩٧). وهو على خلاف أخيه المؤرخ، عاش عيشة كلها نشاط وحركة؛ قدمه القاضى الفاضل إلى صلاح الدين، واتصل بخدمته عام ٥٨٧ هـ وسرعان ما أصبح وزير الملك الأفضل بن صلاح الدين؛ ولما انتزعت دمشق من الملك الأفضل فرّ ضياء الدين بكل مشقة إلى مصر فى صندوق مقفل. وظل مختفيا حتى استقر الملك الأفضل فى سميساط التى عوض بها عن ملكه السابق. ولكن ضياء الدين لم يمكث بها سوى مدة قصيرة، ثم اتصل بخدمة صاحب حلب عام ٦٠٧ هـ (١٢١٠ م)، ولم يطل مقامه هناك فغادرها سعيا وراء حظه إلى الموصل؛ ثم إربل فسنجار. وفى عام ٦١٨ هـ (١٢٢١ م) كتب الإنشاء لصاحب الموصل ناصر الدين محمود. وتوفى أثناء إحدى رحلاته لبغداد. أما ولده شرف الدين محمد، فقد كان أيضا مؤلفا، توفى فى ريعان شبابه عام ٦٢٢ هـ (١٢٢٥ م).
المصادر:
(١) ابن خلكان: وفيات: طبعة فستنفلد WUstenfeld، رقم ٧٣٤.
(٢) Brockelmann كتابه المذكور.
(٣) انظر كولدسيهر Golaziher ومركوليوث Margoliouht فى المصادر التى ذكرها بروكلمان Brockelmann .
وهناك مؤلفون آخرون يكنون بابن الأثير الدين أبى الفداء إسماعيل المتوفى عام ٦٩٩ هـ (انظر Brock- elmann، كتابه المذكور، جـ ١، ص ٣٤١؛
ويذكر كولدسيهر Goldziher مؤلفا آخر
[ ١ / ١٢٠ ]
فى Abhandlungen zur arab. Philologie جـ ١، ص ٧١).
تعليق على مادة "ابن الأثير" (٢)
أخذ ابن الأثير العلم عن شيوخ عصره بالجزيرة والعراق والشام، فسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل عبد الله بن أحمد الطوسى، وسمع ببغداد من أبى القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعى وأبى أحمد عبد الوهاب بن على الصوفى، وسمع بدمشق من زين الأمناء وغيره.
وعاش ابن الأثير منقطعا إلى العلم تحصيلا وتدريسا وتصنيفا، وربما استسفره صاحب الموصل فى بعض الشئون السياسية لدى أولى الأمر ببغداد، كما يؤخذ من قول ابن خلكان: "وقدم بغداد مرارا حاجا ورسولا من صاحب الموصل".
وقد روى عن ابن الأثير غير واحد من جلة العلماء. فابن خلكان يصرح بأنه عند ما لقيه فى صباه بحلب لازمه وتردد عليه، ويقول فى ترجمته أبو محمد التسترى: "وذكر شيخنا ابن الأثير فى تاريخه " وممن روى عنه أيضا الشرف بن عساكر وسنقر القضاعى اللذان يقول فيهما صاحب "طبقات الشافعية الكبرى"، "إنهما من أشياخ أشياخه".
* * *
لا شك أن كتاب "الكامل" الذى يقع فى اثنى عشر جزءا أجل تصانيف ابن الأثير وأشهرها. وكان جل اعتماده فى الأجزاء السبعة الأولى منه على أبى جعفر الطبرى، وقد اختصر الطبرى فحذف الأسانيد وترك الإسهاب واكتفى بالرواية الواحدة، على أن ذلك لم يمنعه من أن يستمد من مصادر أخرى كابن الكلبى والمبرد والبلاذرى والمسعودى ما ترك الطبرى عن قصد أو غير قصد، وذلك مثل أيام العرب قبل الإسلام والوقائع بين قيس وتغلب فى القرن الأول الهجرى، وغزو العرب السند،
إلخ.
وأما بقية أجزاء الكتاب فقد انتفع ابن الأثير فى تأليفها بكل المصادر العربية التى وصلت إلى يده، لذلك يعتبر كتابه بحق خلاصة وافية لما كتب
[ ١ / ١٢١ ]
المسلمون فى تاريخهم السياسى حتى سنة ٦٢٨ هـ.
وبعد: فابن الأثير مؤرخ يمتاز بشدة التثبت فيما ينقل، بل قد يسمو أحيانا إلى نقد المصادر التى يستمد منها، وله استدراكات وجيهة على الطبرى والشهرستانى وغيرهما من العلماء والمؤرخين الذين نقل عنهم.
(انظر "وفيات الأعيان" لابن خلكان جـ ١، ص ٢٠٨، ٤٩٤ - ٤٩٥ طبع بولاق سنة ١٢٨٥ هـ؛ وكتاب "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكى جـ ٥، ص ١٢٧ طبع مصر سنة ١٣٢٧ هـ؛ و"الكامل" لابن الأثير جـ ١، ص ١٢٧ و١٣١ طبع بولاق سنة ١٢٩٠ هـ).
Das Varhaltnis von: Von C. Brockelmann Ibn El-Atirs Kamil Fit Tarich zu Tabaris Ahbar Errusul Wal Muluk. Strassburg، ١٨٩٠.
عبد الحميد العبادى